صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عمل روائي جديد للشاعر والروائي السوري سليم بركات، بعنوان «سيرة الوجود، وموجز تاريخ القيامة»، يقع في 585 صفحة وأحد عشر فصلاً. جدير بالذكر أن بركات، الذي يقيم في السويد، أصدر 20 مجموعة شعرية و25 رواية، فضلاً عن سيرتَين للطفولة والصبا. وهنا فقرات متفرقة من العمل الجديد:
1
دويٌّ خافت، بعيد، ألوى عنق براهو إلى خليج لوهيم تحديقاً: لقد انزلق الجزء الشرقي من دولة هيلوفيرنوم، بالتمام، من عليائه، فانهارت الأعرافُ الصخور الشامخة من نهايات الأرض المشرفة على الشاطئ.
ارتفع موجٌ عُرام كما لم يرَ براهو موجاً من قبل، منقذفاً إلى الأعالي مِزَقاً، على مدى شاسع من الشاطئ. انحجبت صفوفٌ من الطبقات السفليات في قاعدة الدولة هيلوفيرنوم، ثم انكشفت.
حطامُ الموج الهائل، متهالكاً بثقله، قعَّر المياه بعد السقوط من علوٍّ، بَيْدَ أن المياه تحدَّبت تلالاً على محيط ما تقعَّر، مرتفعةً اسطواناتٍ أفقية من الموج تلاحقت متدحرجةً، ترفِد الواحدةُ الأخرى دفعاً مجنوناً إلى عُرْض البحر.
لم يكن الموجُ ذاك من مُتَعارَفِ الموج المختصِّ بالجبروت، إلاَّ المشهود في انفجار البراكين تفكُّ الأسْرَ عن الحمم جاريةً إلى حريتها في البحر. موجٌ لم يولد ليهدأ. انهيارات المدن الدول لا تستولد على شواطئها موجاً ليهدأ. هو ليس موجاً كالذي تثيره الرياح اندفاعاً مهتاجاً، ثم يسترخي عَوْداً على بدءٍ، بل مثله كالموج من زلازل البحر، حتى لو استقرَّ به السطحُ الماءُ مستوياً لا يهدأ عقله في عَرْض محصوله من الانهدامات والصدوع.
2
«لن أدخل هيلوفيرنوم لأُقتل فيها»، عقّب براهو.
«ماذا إن أعادك السيد القديم إليها؟» سأله نومان.
«لستُ من هيلوفيرنوم»، رد براهو.
«لا أحدَ إلاَّ من هيلوفيرنوم؛ مِن طبقاتها الإحدى عشرة، أو من سراديبها الأسافل»، عقب نومان.
«شكَّك السيد كانائي في أن أكون من هيلوفيرنوم، أيها السيد نومان»، قال براهو.
«هو مُغْلَق كإقليم بحره المغلق»، عقب نومان. مشى خطوات ليصير بإزاء بوابة القبة الواسعة
يُرى جوفُها بالآلات تقدح شراراً من لِحام المعادن الصلبة وبَتْرها.
دخان أزرق، غير كثيف، مثل ضباب يترقَّق لكنه لا يَنقَشع، لفَّ الأرجاء المضاءة بنور وهَّاج، محيطاً غلالةً بهياكل جسوم الكائنات الطوال يُخلي بعضُهم أماكنه تباعاً لبعض، ويتسلَّم أماكن أُخَر خلف منصَّات تناثرت عليها أشلاء الجثث؛ وإلى قُرب من المنصات حوايا وأحواض ملأى بأعضاء ممزقة، مبتورة، ممعوسة.
صنفان من الكائنات كانا في دأبٍ متصل، متسارع، في الترميم: العمال وهم يلتقطون بأصابعهم الخراطيم الصغار، من أيديهم المتصلة بالأذرع الخراطيم الطوال، قِطعاً يضعونها متتابعة تنضيداً على المنصات، كل قطعة توافق تسلسلَها في تركيب الجسد الواحد، بحركات سريعة، مدرَّبة على انتقاء ما يصلح للتركيب المتطابق تجاوُراً، وسط فوضى الأشلاء في الأحواض ملتقطةً عشواءَ بعد المعارك يمزق فيها القتلةُ المقتوليْنَ.
الأذرع الخراطيم، والأصابع الخراطيم للعمال لا تخطئ انتقاءَها. ذلك ما لحظه براهو متعجباً من براعة نقلهم أيديهم لا ينظرون إليها ماذا تلتقط من مُناسِب العضو المقطوع لِمُناسِبه. أمَّا نومان فبدأ كالسارح بخياله إلى شأنٍ آخر، مذ هو على دراية بما يجري من مناسك الترميم، وشعائر العاملين عليه.
أمَّا الصنف الآخر من المشتغلين على نقل الجثث من فوضى تناثُرها أشلاءَ إلى انتظام هيئاتها أجساداً بلا نقصان، فكانوا على أشكال مختلفة عن العمال النحاف، الملتويي الجسوم من رقَّةِ جروم أعضائها الشبيه بشرائط الخِرَق والخيوط.
إنهم المهندسون، أرباب التصاميم المُحْكَمَة في التعويض عن نقصان أعضاء، بدَّدها الحريقُ فلا تُرمَّم، بأعضاء من مهارةِ الصناعةِ دقَّةً، يطابق المصنوعُ مفقودَه.
كان هؤلاء من يديرون آلاتِ لِحام المعادنِ ـ الآلاتِ المواسير نفْثاً للنار، والمناشير بتْراً للصُّلب على مقاسات معلومة، مضبوطة توافق حجومَ الأعضاء المفقودة. يُلصقون القِطع الحديد، والنحاس، والقصدير، بالمواضع الناقصة من تراكيب الأجساد ترميماً. مهندسون على أشكال من حاصل المزج بين جسوم العمال النحاف، الرِّقاق كالخِرَق، وجسوم خدَّام سيد القلعة إيهوا، بعباءاتهم المريَّشة، ورؤوسهم التي على قُللها أرياش طوال العُرُق، ووجوههم المكسوة زغباً بلا عيون. لكنهم على اختلاف عن الصنفين الآنفين، بوجود أجنحة خارجة من فتوق في ثيابهم من مواضع الترقوات على الظهور، معدنيةٍ حديدٍ، قصار، تتحرك بخفق بطيء مع حركات أيديهم وهم يسوُّون النقصان في الأجساد الجثث، لتعود لكل جسد سِيرةُ شكله عضواً إلى عضو، وشِلْواً إلى شِلو، وإرْباً إلى إرْب، لا فراغ بينها ولا انقطاع.
كانت الجثث حين تكتمل هيئاتُها مطابِقةً أصولَها الأوائل، ينقلها عمال، بأصابعهم الخراطيم في الأذرع الخراطيم، إلى مِحَفَّاتٍ تسيرُ بها عِجالٌ تسييراً ذاتياًّ، إلى موضع واسع كساحة في الجانب الخلفي من القبة تكاثف في سقفها دخان أزرق، تتنشَّقه المدخنة فتنفُثُه في سماء البحر.
صفان من العمال، ذوي الأذرع والأصابع الخراطيم، كانا ينتظران بلوغ الجثث المرمَّمة إليهم، على المحفَّات السائرة على عجالها تلقائياّ،ً موصولاتٍ الواحدة بالأخرى قِطاراً، فيبادرون إلى سحب الجثث من الأكتاف، بتأنٍّ، فيوقفونها على أقدامها ثابتة لا تتمايل، أو تنطوي، أو تنحني. ثم يرفعونها قليلاً على علوِّ فِتْر من أرض القبة، بوضع أيديهم تحت آباط الجثث سَنَداً، ليسيروا بها إلى الفسحة الكبيرة أمام البوابة الخلفية في القبة، حيث ينزلونها من العلوِّ الخفيض ذاك قائمةً، من جديد، على أقدامها، ويتركونها منتصبة صفوفاً بانتظام كما تنتصب الأجساد الحية متوازنةً، ثابتة في وقوفها على سيقان لا عِللَ فيها أو ضعف.