الفن‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬مشاعر‭ ‬حزينة‭ ‬وقاسية: ‮«‬حضور‭ ‬غياب‮»‬‭ ‬يفوح‭ ‬برائحة‭ ‬المفقودين‭ ‬و«ليالي‭ ‬بلا‭ ‬نوم‮»‬‭ ‬صرخة‭ ‬أم‭ ‬وأسئلة‭ ‬معلقة

زهرة‭ ‬مرعي
حجم الخط
0

بيروت‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭: ‬إن‭ ‬كان‭ ‬الموت‭ ‬حق‭ ‬وراحة،‭ ‬فاختفاء‭ ‬الأعزاء‭ ‬خلال‭ ‬الحروب‭ ‬كابوس‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭ ‬إلاّ‭ ‬بالموت‭. ‬40‭ ‬سنة‭ ‬مرّت‭ ‬على‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬و17‭ ‬ألف‭ ‬مفقود‭ ‬ومخطوف‭ ‬مصيرهم‭ ‬مجهول،‭ ‬وأسئلة‭ ‬عائلاتهم‭ ‬معلقة‭ ‬في‭ ‬الهواء‭. ‬لجنة‭ ‬أهالي‭ ‬المخطوفين‭ ‬والمفقودين‭ ‬لم‭ ‬تيأس‭ ‬من‭ ‬المطالبة‭ ‬بإجابات‭ ‬وحلول‭ ‬تمكن‭ ‬العائلات‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬مصير‭ ‬أبنائها‭. ‬فالجرح‭ ‬جرحها،‭ ‬والقلق‭ ‬قلقها‭.‬

تأسست‭ ‬لجنة‭ ‬أهالي‭ ‬المخطوفين‭ ‬والمفقودين‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر‭ ‬1982‭. ‬ولأن‭ ‬أمراء‭ ‬الحرب‭ ‬وقادتها‭ ‬باتوا‭ ‬حاكمين‭ ‬ـ‭ ‬ولا‭ ‬يزالون‭ ‬ـ‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬منذ‭ ‬اتفاق‭ ‬الطائف‭ ‬سنة‭ ‬1990‭ ‬أصدروا‭ ‬عفواً‭ ‬عاماً‭ ‬عن‭ ‬ذاتهم‭ ‬وعن‭ ‬ميليشياتهم،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬رفضته‭ ‬لجنة‭ ‬الأهالي‭. ‬تدأب‭ ‬تلك‭ ‬اللجنة‭ ‬بكافة‭ ‬الوسائل‭ ‬المتاحة‭ ‬لكي‭ ‬تبقى‭ ‬قضية‭ ‬الأحبة‭ ‬المفقودين‭ ‬في‭ ‬البال‭. ‬فشهر‭ ‬آب‭/‬اغسطس‭ ‬المنصرم‭ ‬شغل‭ ‬لبنان‭ ‬من‭ ‬أقصاه‭ ‬إلى‭ ‬أقصاه‭ ‬بنشاط‭ ‬مميز،‭ ‬وانتهى‭ ‬في‭ ‬30‭ ‬منه‭ ‬وهو‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬للمفقودين‭ ‬والمخطوفين‭.‬

‭ ‬‮«‬حق‭ ‬المعرفة‮»‬‭ ‬شعار‭ ‬لا‭ ‬ينساه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬له‭ ‬مفقود‭. ‬بعد‭ ‬35‭ ‬عاماً‭ ‬على‭ ‬نشاط‭ ‬لجنة‭ ‬الأهالي‭ ‬بات‭ ‬مطلبها‭ ‬الأول‭ ‬والملح‭ ‬جمع‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬من‭ ‬الأهل‭. ‬فالأمهات‭ ‬والآباء‭ ‬والإخوة‭ ‬بدأوا‭ ‬بالرحيل‭ ‬من‭ ‬الحياة‭. ‬فهل‭ ‬سيفعل‭ ‬أي‭ ‬مسؤول؟

قضية‭ ‬المخطوفين‭ ‬والمفقودين‭ ‬شغلت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفنانين‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬لبنان‭ ‬جميعه‭. ‬تحققت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬العنوان‭ ‬المصيري‭. ‬نُظمت‭ ‬معارض،‭ ‬وكان‭ ‬لفن‭ ‬الغرافيتي‭ ‬حصته‭ ‬الواسعة‭ ‬في‭ ‬التعبير‭. ‬تضامن‭ ‬الفنانون‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬متكاتفين‭ ‬مع‭ ‬لجنة‭ ‬أهالي‭ ‬المخطوفين‭ ‬والمفقودين‭. ‬رافقوهم‭ ‬إلى‭ ‬خيمتهم‭ ‬الدائمة‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬الإسكوا‭. ‬وإلى‭ ‬هناك‭ ‬كان‭ ‬السينمائي‭ ‬الراحل‭ ‬جان‭ ‬شمعون‭ ‬يذهب‭ ‬دورياً‭ ‬مطمئناً‭ ‬على‭ ‬ساكني‭ ‬المكان،‭ ‬مشاركاً‭ ‬إياهم‭ ‬في‭ ‬الأتراح‭ ‬والأفراح‭. ‬فقد‭ ‬توطدت‭ ‬صلته‭ ‬بهم‭ ‬عندما‭ ‬قدم‭ ‬مع‭ ‬مي‭ ‬المصري‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬أحلام‭ ‬معلقة‮»‬‭. ‬

بمناسبة‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬للمفقودين‭ ‬30‭ ‬آب‭/‬اغسطس‭ ‬نظمت‭ ‬اللجنة‭ ‬الدولية‭ ‬للصليب‭ ‬الأحمر‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬معرضاً‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬غياب‭ ‬حضور‮»‬‭. ‬المفقودون‭ ‬حاضرون‭ ‬أو‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬طريقهم‭ ‬للحضور‭. ‬أشياؤهم‭ ‬على‭ ‬حالها‭ ‬تنتظر‭ ‬عودتهم‭. ‬رُكنت‭ ‬صورهم‭ ‬على‭ ‬آنية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ركوة‭ ‬القهوة‭ ‬والفناجين‭. ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬الانتظار،‭ ‬حتى‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬حلّت‭ ‬محل‭ ‬اصحابها‭. ‬هي‭ ‬قصص‭ ‬الآلاف‭ ‬الذين‭ ‬فقدوا،‭ ‬والآلاف‭ ‬المؤلفة‭ ‬الذين‭ ‬تفتقدهم‭. ‬إنها‭ ‬حكاية‭ ‬حياة‭ ‬معلقة‭.‬

اجتمع‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬‮«‬غياب‭ ‬حضور‮»‬‭ ‬أربعة‭ ‬فنانين‭ ‬ومصورين‭. ‬معرض‭ ‬لامس‭ ‬الحياة،‭ ‬واقترب‭ ‬من‭ ‬خصوصيات‭ ‬المفقودين‭. ‬ولهذا‭ ‬أتى‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬غياب‭ ‬حضور‮»‬‭ ‬شديد‭ ‬الدلالة‭. ‬شهادات‭ ‬مكتوبة‭ ‬وصور‭ ‬لمن‭ ‬يحضنون‭ ‬صور‭ ‬مفقوديهم‭. ‬‮«‬غياب‭ ‬حضور‮»‬‭ ‬باد‭ ‬في‭ ‬الأثاث‭ ‬المنزلي‭ ‬المكلل‭ ‬بالأقمشة‭ ‬البيضاء‭. ‬الصورة‭ ‬المعلقة‭ ‬لفها‭ ‬منديل‭. ‬لف‭ ‬القماش‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬حتى‭ ‬الفاكهة،‭ ‬فلا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬الانتظار‭. ‬زمن‭ ‬الانتظار‭ ‬طال‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬بعد‭ ‬أهل‭ ‬البيت‭. ‬صار‭ ‬وجه‭ ‬الغائب‭ ‬مبهماً‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬المعرض‭. ‬يحاول‭ ‬المنتظر‭ ‬ترميم‭ ‬صورة‭ ‬الذاكرة،‭ ‬قد‭ ‬يستطيع،‭ ‬وفي‭ ‬الغالب‭ ‬يفشل،‭ ‬وقد‭ ‬تتشظى‭ ‬الذاكرة‭ ‬والصورة‭ ‬معاً‭.‬

في‭ ‬المطبخ‭ ‬صوت‭ ‬حوار‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬جلي‭ ‬ومفهوم‭. ‬أمهات‭ ‬مخطوفين‭ ‬يتحدثن‭ ‬ويتساءلن‭: ‬‮«‬إذا‭ ‬وصلوا‭ ‬ولادك‭ ‬بنص‭ ‬الليل‭ ‬شو‭ ‬بتعملي‮»‬؟‭ ‬الجواب‭: ‬‮«‬شو‭ ‬بعمل؟‭ ‬بعمل‭ ‬تبولة‮»‬‭. ‬رجل‭ ‬من‭ ‬معدن‭ ‬يجلس‭ ‬إلى‭ ‬الطاولة‭. ‬إنه‭ ‬الغائب‭ ‬الحاضر‭. ‬في‭ ‬ركن‭ ‬آخر‭ ‬صارت‭ ‬الصورة‭ ‬كتلة‭. ‬أو‭ ‬تمزقت‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬أصحاب‭ ‬الأستوديوهات‭ ‬بصورهم‭ ‬القديمة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬جُمعت‭ ‬كما‭ ‬قطع‭ ‬اللغز‭ ‬غير‭ ‬المتداخلة‭. ‬حاجات‭ ‬الأشخاص‭ ‬الخاصة‭ ‬مركونة‭ ‬بالانتظار‭. ‬

‭ ‬في‭ ‬‮«‬غياب‭ ‬وحضور‮»‬‭ ‬شاركت‭ ‬ماريا‭ ‬كساب،‭ ‬وتانيا‭ ‬فان‭ ‬دير،‭ ‬وباتريك‭ ‬باز،‭ ‬وناتالي‭ ‬نقاش،‭ ‬وجوليان‭ ‬بونان‭ ‬وحسين‭ ‬ناصر‭ ‬الدين‭. ‬كل‭ ‬فنان‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬خاصة،‭ ‬تلاقت‭ ‬جميعها‭ ‬لتقول‭ ‬مشاعر‭ ‬‮«‬غياب‭ ‬وحضور‮»‬‭. ‬سكن‭ ‬المفقودون‭ ‬المكان‭ ‬بهالة‭ ‬تخترق‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يدخل‭ ‬المعرض‭ ‬في‭ ‬كاليري‭ ‬‮«‬آرت‭ ‬أون‭ ‬56‮»‬‭ ‬في‭ ‬الجميزة‭.‬

الفنان‭ ‬حسين‭ ‬ناصر‭ ‬الدين‭ ‬لم‭ ‬يعش‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية،‭ ‬لكنه‭ ‬يعرف‭ ‬عائلات‭ ‬كثيرة‭ ‬فقدت‭ ‬أحباء‭. ‬‮«‬تدركنا‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬ندري،‭ ‬لها‭ ‬طريقها‭ ‬السحري‭ ‬كي‭ ‬تعود‭ ‬من‭ ‬جديد‮»‬‭.  ‬ويضيف‭: ‬رغبت‭ ‬في‭ ‬تناول‭ ‬التراث‭ ‬الشفهي،‭ ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬قصص‭ ‬وحكايات‭ ‬أهالي‭ ‬المفقودين‭ ‬ومن‭ ‬حولهم‭. ‬تراث‭ ‬سمعي‭ ‬تحكيه‭ ‬أم‭ ‬المفقود‭ ‬للجارة‭ ‬وتنتقل‭ ‬القصص‭ ‬إلى‭ ‬كثيرين‭. ‬من‭ ‬راو‭ ‬لآخر‭ ‬ومن‭ ‬قصاص‭ ‬لآخر،‭ ‬وهكذا‭ ‬تصبح‭ ‬للحكاية‭ ‬أو‭ ‬الخبرية‭ ‬حياة‭ ‬خاصة‭ ‬بها،‭ ‬فكل‭ ‬من‭ ‬يروي‭ ‬القصة‭ ‬يضيف‭ ‬من‭ ‬ذاكرته‭ ‬الشخصية‭. ‬وهكذا‭ ‬تصبح‭ ‬الحكاية‭ ‬كما‭ ‬الحديقة‭ ‬التي‭ ‬تنبت‭ ‬فيها‭ ‬ورود‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬ذاتها‭. ‬انصب‭ ‬اهتمامي‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬الشفهي،‭ ‬وكيف‭ ‬يتطور‭ ‬دون‭ ‬إرادة‭ ‬منا‭. ‬وفي‭ ‬مقابل‭ ‬ذاك‭ ‬التراث‭ ‬الشفهي‭ ‬كان‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬بقاء‭ ‬الأشياء‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬فجللت‭ ‬المفروشات‭ ‬بالقماش‭ ‬لحفظها‭. ‬هو‭ ‬اللقاء‭ ‬المتوازي‭ ‬بين‭ ‬الأشياء‭ ‬والذاكرة‭.‬

في‭ ‬حكاية‭ ‬البذّة‭ ‬المجللة‭ ‬على‭ ‬الجدار‭ ‬يقول‭ ‬ناصر‭ ‬الدين‭: ‬هكذا‭ ‬يحفظ‭ ‬الأهل‭ ‬رائحة‭ ‬المخطوف‭. ‬حفظ‭ ‬الملابس‭ ‬كحفظ‭ ‬الزوج‭ ‬أو‭ ‬الإبن‭. ‬وجود‭ ‬البذّة‭ ‬على‭ ‬الجدار‭ ‬احتفاء‭ ‬بها‭. ‬‮«‬حضور‭ ‬غياب‮»‬‭ ‬معرض‭ ‬يحاكي‭ ‬أهالي‭ ‬المفقودين‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬أحد‭ ‬آخر،‭ ‬شكل‭ ‬حواراً‭ ‬بين‭ ‬الأهل‭ ‬والفنانين،‭ ‬وترك‭ ‬جيلاً‭ ‬لم‭ ‬يعش‭ ‬معاناة‭ ‬الحرب‭ ‬يتعاطف‭ ‬مع‭ ‬قضية‭ ‬المخطوفين‭. ‬نتمنى‭ ‬كفنانين‭ ‬أن‭ ‬نشكل‭ ‬مع‭ ‬غيرنا‭ ‬من‭ ‬المبادرات‭ ‬الطيبة،‭ ‬قوة‭ ‬ضغط‭ ‬لإقرار‭ ‬مشروع‭ ‬القانون‭ ‬الخاص‭ ‬بالمخطوفين‭ ‬والموجود‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬منذ‭ ‬سنة‭ ‬2012‭.   

الفن‭ ‬هو‭ ‬تعبير‭ ‬صادق‭ ‬عن‭ ‬مشاعر‭ ‬الناس‭. ‬ويضيف‭ ‬حسين‭ ‬أيضاً‭: ‬في‭ ‬حال‭ ‬المخطوفين‭ ‬الفن‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬مشاعر‭ ‬حزينة‭ ‬وقاسية،‭ ‬قد‭ ‬يعجز‭ ‬التفاعل‭ ‬البشري‭ ‬البسيط‭ ‬من‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭. ‬حجم‭ ‬الحزن،‭ ‬والغضب،‭ ‬والحب‭ ‬أو‭ ‬المشاعر‭ ‬المطلقة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكفيها‭ ‬الكلمات‭ ‬رغم‭ ‬كونها‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الفن‭. ‬للفن‭ ‬قدرة‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬المشاعر‭ ‬الجياشة‭ ‬والكبيرة‭ ‬بحيث‭ ‬يتشارك‭ ‬فيها‭ ‬الفنان‭ ‬مع‭ ‬محيطه‭ ‬من‭ ‬الناس‭.‬

الفنان‭ ‬والمصور‭ ‬التجريبي‭ ‬جوليان‭ ‬بونان‭ ‬استحضر‭ ‬في‭ ‬ركنه‭ ‬الخاص‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬حاجات‭ ‬المفقودين‭. ‬نسقها‭ ‬بسياقها‭ ‬الزمني‭ ‬وتركها‭ ‬دون‭ ‬غطاء‭. ‬في‭ ‬محطة‭ ‬الصورة‭ ‬التجريبية‭ ‬التي‭ ‬يهواها‭ ‬ويتقنها‭ ‬تجعدت‭ ‬الصور،‭ ‬وأخرى‭ ‬صارت‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬اللغز‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬مزّقها‭ ‬الزمن‭. ‬يوضح‭ ‬بونان‭ ‬اهتمامه‭ ‬بهذا‭ ‬المعرض‭ ‬كفرنسي‭: ‬موضوع‭ ‬المفقودين‭ ‬يلاحقني‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭. ‬أعمل‭ ‬على‭ ‬موضوع‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تزويراً‭ ‬أو‭ ‬مغالطة‭ ‬للحقيقة‭. ‬أهتم‭ ‬بموضوع‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬الذاكرة‭ ‬المجمدة‭ ‬والمستقبلية‭. ‬موضوع‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬يحملها‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬منذ‭ ‬النكبة‭ ‬استوقفني‭ ‬كثيراً‭ ‬بما‭ ‬شكلته‭ ‬من‭ ‬رمز‭ ‬للحقيقة‭ ‬التي‭ ‬مرّت‭ ‬أو‭ ‬مضت‭. ‬وكوني‭ ‬مصور‭ ‬استوديو‭ ‬أهتم‭ ‬بحرفة‭ ‬التصوير‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها‭. ‬فكم‭ ‬للصورة‭ ‬أن‭ ‬تتغير‭ ‬حين‭ ‬نغير‭ ‬خلفيتها‭. ‬هي‭ ‬جماليات‭ ‬اهتممت‭ ‬بها‭ ‬ورغبت‭ ‬أن‭ ‬يتشارك‭ ‬الأوروبيون‭ ‬مع‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطيين‭ ‬فيما‭ ‬يعيشونه‭ ‬من‭ ‬مشاعر‭ ‬قاسية‭.‬

يشرح‭ ‬جوليان‭ ‬بونان‭ ‬دوافعه‭ ‬من‭ ‬تجعيد‭ ‬الصور‭: ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬استعارة‭ ‬الذاكرة‭ ‬وكيفية‭ ‬تعرضها‭ ‬للتشويه‭ ‬والتحول‭. ‬سعيت‭ ‬لفعل‭ ‬مضاد‭ ‬لعمل‭ ‬زميلي‭ ‬حسين‭ ‬الذي‭ ‬حفظ‭ ‬الأشياء‭ ‬وكأنها‭ ‬مقدسة‭. ‬قمت‭ ‬بتحويل‭ ‬وتشويه‭ ‬الذاكرة‭. ‬ومن‭ ‬عادات‭ ‬المصورين‭ ‬في‭ ‬الاستديوهات‭ ‬حفظ‭ ‬نيغاتيف‭ ‬صورهم،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يسأل‭ ‬عنها‭ ‬الزبون‭ ‬يتخلصون‭ ‬منها‭ ‬عبر‭ ‬التمزيق‭ ‬أو‭ ‬التجعيد‭. ‬رغبت‭ ‬في‭ ‬اللعب‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬عادات‭ ‬حرفة‭ ‬التصوير‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالذاكرة‭. ‬أن‭ ‬تتوازى‭ ‬صورتان‭ ‬مجعدتان‭ ‬لمفقود‭ ‬واحد‭ ‬إنما‭ ‬بشكل‭ ‬مختلف،‭ ‬فهذا‭ ‬يعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬أهالي‭ ‬المفقودين‭ ‬الذين‭ ‬يصعب‭ ‬عليهم‭ ‬اليوم‭ ‬إعادة‭ ‬تكوين‭ ‬صورة‭ ‬عن‭ ‬أحبائهم‭ ‬الغائبين‭. ‬فالصور‭ ‬تتشكل،‭ ‬تتجعد‭ ‬ويعاد‭ ‬إنتاجها‭ ‬في‭ ‬بالهم‭.‬

إلى‭ ‬17‭ ‬ألف‭ ‬مفقود‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬أعلنت‭ ‬اللجنة‭ ‬الدولية‭ ‬للصليب‭ ‬الأحمر‭ ‬عن‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬آخرين‭ ‬لف‭ ‬مصيرهم‭ ‬الغموض‭ ‬غالبيتهم‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وخاصة‭ ‬من‭ ‬سوريا،‭ ‬والصومال،‭ ‬وليبيا‭ ‬وسواها‭ ‬من‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭. ‬هل‭ ‬لدى‭ ‬جوليان‭ ‬بونان‭ ‬طاقة‭ ‬للمزيد‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬موضوع‭ ‬الذاكرة‭ ‬والغياب؟‭ ‬يقول‭: ‬طبعاً‭ ‬هو‭ ‬موضوع‭ ‬صعب‭ ‬ومنهك،‭ ‬ويحتاج‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬الطاقة،‭ ‬لكني‭ ‬أشعرها‭ ‬طاقة‭ ‬جميلة‭. ‬أرغب‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬الصور‭ ‬والأرشيف‭ ‬الحميمي،‭ ‬كونه‭ ‬يمدنا‭ ‬بما‭ ‬نفتقده‭ ‬في‭ ‬الأرشيف‭ ‬العام‭ ‬والكبير‭. ‬الأرشيف‭ ‬الحميمي‭ ‬يمد‭ ‬الفنان‭ ‬بمزيد‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬للعمل‭ ‬والبحث‭. ‬ورغم‭ ‬كونه‭ ‬عملا‭ ‬يستنزف‭ ‬من‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬لكنه‭ ‬دائماً‭ ‬يشحنني‭ ‬بالشعلة‭ ‬للعمل‭ ‬والشغف‭.‬

في‭ ‬السينما‭ ‬الوثائقية‭ ‬أو‭ ‬الروائية‭ ‬تعددت‭ ‬الأفلام‭ ‬التي‭ ‬صنعها‭ ‬مخرجون‭ ‬لبنانيون‭ ‬عن‭ ‬المخطوفين‭ ‬والمفقودين‭. ‬فيلم‭ ‬المخرجة‭ ‬إليان‭ ‬الراهب‭ ‬‮«‬ليالي‭ ‬بلا‭ ‬نوم‮»‬‭ ‬في‭ ‬العنوان‭ ‬والمضمون‭ ‬قال‭ ‬حقائق،‭ ‬وخاض‭ ‬مواجهات‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عندها‭. ‬‮«‬ليالي‭ ‬بلا‭ ‬نوم‮»‬‭ ‬وثائقي‭ ‬طويل‭. ‬ارتكز‭ ‬على‭ ‬شخصيتي‭ ‬أسعد‭ ‬شفتري‭ ‬القائد‭ ‬السابق‭ ‬والتائب‭ ‬لمخابرات‭ ‬حزب‭ ‬القوات‭ ‬اللبنانية،‭ ‬ومريم‭ ‬سعيدي‭ ‬‮«‬أم‭ ‬ماهر‮»‬‭. ‬ام‭ ‬افتقدت‭ ‬أثر‭ ‬ابنها‭ ‬منذ‭ ‬هاجمت‭ ‬القوات‭ ‬وأحتلّت‭ ‬مبنى‭ ‬كلية‭ ‬العلوم‭ ‬في‭ ‬الحدث‭ ‬وقضت‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬كانوا‭ ‬فيه‭ ‬خلال‭ ‬الاجتياح‭ ‬الصهيوني‭ ‬للبنان‭ ‬سنة‭ ‬1982‭. ‬ترى‭ ‬إليان‭ ‬راهب‭ ‬في‭ ‬تقديمها‭ ‬أي‭ ‬فيلم‭ ‬أنه‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬تلح‭ ‬عليها‭. ‬أسئلة‭ ‬تسبب‭ ‬بها‭ ‬موضوع‭ ‬معقد‭. ‬وتقول‭: ‬أرغب‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬التعقيد‭ ‬عبر‭ ‬طرحه‭ ‬في‭ ‬السينما‭. ‬كان‭ ‬أسعد‭ ‬شفتري‭ ‬أساس‭ ‬الفيلم‭ ‬للسؤال‭ ‬عن‭ ‬الدمار‭ ‬الذي‭ ‬تتركه‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬والشخص‭ ‬نفسه‭. ‬ومقابل‭ ‬الشخصية‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬الحرب‭ ‬هناك‭ ‬الضحية،‭ ‬وكانت‭ ‬‮«‬أم‭ ‬ماهر‮»‬‭. ‬فقصتهما‭ ‬تلاقتا،‭ ‬كون‭ ‬شفتري‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬تخطيط‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬كلية‭ ‬العلوم‭ ‬حيث‭ ‬فقد‭ ‬أثر‭ ‬ابنها‭. 

تقول‭ ‬إليان‭ ‬الراهب‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أحدا‭ ‬لا‭ ‬يدخل‭ ‬فيلما‭ ‬ويخرج‭ ‬منه‭ ‬كما‭ ‬كان‮»‬‭. ‬وتضيف‭: ‬‮«‬ليالي‭ ‬بلا‭ ‬نوم‮»‬‭ ‬استغرق‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬والوقت‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬مراحله،‭ ‬وليس‭ ‬لي‭ ‬مغادرته‭ ‬بسهولة‭. ‬غيّر‭ ‬الفيلم‭ ‬أشياء‭ ‬في،‭ ‬ودوري‭ ‬كمواطنة‭ ‬أولاً‭ ‬وفنانة‭ ‬تأكّد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭. ‬هو‭ ‬تورط‭ ‬للسؤال‭ ‬عن‭ ‬موضوع‭ ‬صمتت‭ ‬الدولة‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬حياله‭. ‬هو‭ ‬تأكيد‭ ‬على‭ ‬مواطنية‭ ‬فعّالة‭ ‬وليست‭ ‬متلقية‭ ‬فقط‭.‬

في‭ ‬مشهد‭ ‬عفوي‭ ‬جمع‭ ‬أم‭ ‬ماهر‭ ‬بأسعد‭ ‬شفتري‭ ‬صرخت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬قلبها‭: ‬أسعد‭ ‬شفتري‭ ‬أنا‭ ‬هلق‭ ‬شو‭ ‬بعمل‭ ‬بدي‭ ‬أعرف‭ ‬وين‭ ‬تراب‭ ‬ابني؟‭ ‬صرخة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬وصلت‭ ‬لكافة‭ ‬الأمهات‭ ‬اللواتي‭ ‬فقدن‭ ‬ابناً‭ ‬أو‭ ‬بنتاً‭. ‬تصف‭ ‬المخرجة‭ ‬إليان‭ ‬الراهب‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬نشاهده‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬بالقول‭: ‬لا‭ ‬تحقد‭ ‬مريم‭ ‬سعيدي‭ ‬على‭ ‬أسعد‭ ‬شفتري‭. ‬هو‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬رغب‭ ‬بالكلام،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬أسئلة‭ ‬دون‭ ‬إجابات‭ ‬منذ‭ ‬35‭ ‬سنة‭. ‬كان‭ ‬أمامها‭ ‬فأمطرته‭ ‬بغضبها‭ ‬كـ»فشة‭ ‬خلق‮»‬‭. ‬في‭ ‬جولة‭ ‬العروض‭ ‬التي‭ ‬نُظمت‭  ‬لـ«ليالي‭ ‬بلا‭ ‬نوم‮»‬‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لبنان،‭ ‬كانت‭ ‬أم‭ ‬ماهر‭ ‬وشفتري‭ ‬برفقتنا‭. ‬ووجودهما‭ ‬كان‭ ‬يفاجئ‭ ‬الجمهور‭. ‬فهما‭ ‬معاً‭ ‬شخصان‭ ‬فعّالان‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬الذي‭ ‬يتابع‭ ‬موضوع‭ ‬المفقودين،‭ ‬ولقائهما‭ ‬الأول‭ ‬تمّ‭ ‬هناك،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الفيلم‭. ‬اللقاء‭ ‬في‭ ‬التصوير‭ ‬له‭ ‬أثر‭ ‬مختلف‭. ‬بالمناسبة‭ ‬لدى‭ ‬مريم‭ ‬سعيدي‭ ‬حقد‭ ‬على‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬القوات‭. ‬تحقد‭ ‬على‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬لأنه‭ ‬زودها‭ ‬بإفادتين‭ ‬عن‭ ‬ماهر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬صفوفه‭. ‬واحدة‭ ‬تقول‭ ‬انه‭ ‬فقيد،‭ ‬وثانية‭ ‬تقول‭ ‬بأنه‭ ‬متوفي‭. ‬وتتهم‭ ‬الحزب‭ ‬بقبض‭ ‬المال‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬ماتوا‭. ‬وعندها‭ ‬يحتدم‭ ‬الموقف‭ ‬في‭ ‬أرشيف‭ ‬جريدة‭ ‬الحزب‭. ‬الفيلم‭ ‬متشعب‭ ‬ويضم‭ ‬أصواتاً‭ ‬من‭ ‬أحزاب‭ ‬عدة‭ ‬منها‭ ‬حركة‭ ‬أمل‭.‬

توافق‭ ‬الراهب‭ ‬على‭ ‬توصيف‭ ‬الواقع‭ ‬بـ«الفضيحة‮»‬‭ ‬فأسعد‭ ‬شفتري‭ ‬ينتظر‭ ‬جهة‭ ‬موثوقة‭ ‬كما‭ ‬الصليب‭ ‬الأحمر‭ ‬الدولي‭ ‬ليعطيها‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬لديه‭ ‬من‭ ‬معلومات،‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬مستعدة‭ ‬لنقاش‭ ‬وطني‭ ‬عام‭.  ‬وتضيف‭: ‬ليس‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نحلم‭ ‬بأن‭ ‬الفن‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التغيير‭. ‬دوره‭ ‬أن‭ ‬يطرح‭ ‬الموضوع‭ ‬على‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬وبالتالي‭ ‬السعي‭ ‬لإيصال‭ ‬قصة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعني‭ ‬كافة‭ ‬الناس‭. ‬لم‭ ‬أتمكن‭ ‬من‭ ‬أيجاد‭ ‬جثمان‭ ‬ابن‭ ‬مريم،‭ ‬ولكن‭ ‬تحدد‭ ‬المكان‭ ‬تقريباً‭. ‬فتح‭ ‬المقابر‭ ‬الجماعية‭ ‬عمل‭ ‬القضاء‭. ‬تعرف‭ ‬مريم‭ ‬أن‭ ‬قصة‭ ‬ولدت‭ ‬لإبنها‭ ‬مع‭ ‬الفيلم،‭ ‬وهي‭ ‬بدورها‭ ‬زرعت‭ ‬له‭ ‬زيتونة‭ ‬حيث‭ ‬يشتبه‭ ‬بوجود‭ ‬المقبرة‭ ‬وكتب‭ ‬اسمه‭ ‬قربها‭. ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬للمفقود‭ ‬ماهر‭ ‬كيان‭ ‬شكل‭ ‬راحة‭ ‬نفسية‭ ‬لأمه‭. ‬ومن‭ ‬جهتي‭ ‬وجدت‭ ‬بعض‭ ‬الأجوبة‭ ‬من‭ ‬أسعد‭ ‬شفتري‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬بوجود‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬عندي‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية