‮«‬زمن‭ ‬زياد‮»‬‭ ‬كتاب‭ ‬طلال‭ ‬شتوي‭: ‬الإنسان‭ ‬والفنان‭ ‬خلف‭ ‬المكان‭ ‬والزمان

د‭. ‬يمنى‭ ‬العيد
حجم الخط
0

قليلةٌ،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬نادرة،‭ ‬هي‭ ‬الكتب‭ ‬الأدبيّة‭ ‬التي‭ ‬نقرأها‭ ‬وتلحُّ‭ ‬علينا‭ ‬الرغبةُ‭ ‬في‭ ‬قراءتها‭ ‬مرةً‭ ‬ثانية‭. ‬كتاب‭ ‬‮«‬زمن‭ ‬زياد‭ ‬قديش‭ ‬في‭ ‬ناس‮»‬‭ ‬لطلال‭ ‬شتوي،‭ ‬هو‭ ‬واحدٌ‭ ‬منها‭.‬

صدفةً‭ ‬وقع‭ ‬بين‭ ‬يديّ،‭ ‬وصدفةً‭ ‬قرأتُه،‭ ‬وكان‭ ‬أنْ‭ ‬سكن‭ ‬ذاكرتي‭ ‬وحملَها‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن،‭ ‬زمن‭ ‬بيروت،‭ ‬بيروت‭ ‬السبعينات‭ ‬وما‭ ‬بعد،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬زمن‭ ‬زياد،‭ ‬وزمننا‭ ‬أيضا،‭ ‬نحن‭ ‬اللبنانيّين‭.‬

‮«‬زمن‭ ‬زياد‮»‬‭ ‬هو‭ ‬زمن‭ ‬ناس‭ ‬كثيرين‭ ‬رافقوا‭ ‬زياد‭ ‬في‭ ‬مشاهدة‭ ‬مسرحيّاته،‭ ‬وفي‭ ‬الإصغاء‭ ‬إلى‭ ‬موسيقاه‭ ‬وإلى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يقدّمه‭ ‬من‭ ‬برامج‭ ‬إذاعيّة‭. ‬وزمن‭ ‬ناس‭ ‬أحّبوا‭ ‬زياد‭ ‬وعشقوا‭ ‬فنَّه‭ ‬وحكوا‭ ‬حكاياتِ‭ ‬اكتشافهم‭ ‬لزياد‭ ‬ولفنّه،‭ ‬حكوا‭ ‬لا‭ ‬كما‭ ‬يحكي‭ ‬النقّاد،‭ ‬بل‭ ‬كمنْ‭ ‬يتذوّق‭ ‬هذا‭ ‬الفنّ‭ ‬ويعيشه‭ ‬ويتعرّف‭ ‬إلى‭ ‬شخصية‭ ‬صاحبه‭ ‬ويعايش‭ ‬زمنَه‭. ‬إنه‭ ‬زمنُ‭ ‬طارق‭ ‬وكاتيا‭ ‬وأمل‭ ‬وميساء‭ ‬وإكرام‭ ‬وإسكندر‭ ‬وإيفانا‭ ‬وموسى‭… ‬وحكايات‭ ‬اكتشافهم‭ ‬لعبقريّة‭ ‬زياد‭ ‬في‭ ‬بساطة‭ ‬ظواهرها،‭ ‬وعمق‭ ‬رؤيتها‭ ‬للزمن‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعيشه‭ ‬اللبنانيّون،‭ ‬زمن‭ ‬الحروب‭ ‬الأهليّة‭/‬الطائفيّة،‭ ‬ودخول‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬سُميّ،‭ ‬يوم‭ ‬ذاك،‭ ‬ببيروت‭ ‬الغربيّة‭.‬

إنه‭ ‬ذاكرة‭ ‬الجماعة‭ ‬فيما‭ ‬هو،‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه،‭ ‬ذاكرة‭ ‬زياد،‭ ‬ذاكرة‭ ‬بنائه‭ ‬لعمارته‭ ‬الفنيّة‭ ‬وقت‭ ‬كان‭ ‬زمن‭ ‬بيروت‭ ‬زمن‭ ‬مدينة‭ ‬تُدمَّر،‭ ‬تُدمَّر‭ ‬بيروت‭ ‬ويبني‭ ‬زياد‭ ‬عمارة‭ ‬فنّه،‭ ‬وكأنَّ‭ ‬زمن‭ ‬عمارة‭ ‬فنّه‭ ‬هو‭ ‬زمن‭ ‬‮«‬عمارة‭ ‬أطلالنا‭.‬‮»‬‭ (‬1‭)‬‭.‬

في‭ ‬قراءتنا‭ ‬لكتاب‭ ‬‮«‬زمن‭ ‬زياد‮»‬،‭ ‬نكتشف‭ ‬جوانب‭ ‬من‭ ‬زياد‭ ‬الإنسان‭ ‬والفنّان‭ ‬لا‭ ‬نعرفها‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬معرفتنا‭ ‬له،‭ ‬نكتشفها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اكتشاف‭ ‬آخرين‭ ‬له،‭ ‬آخرين‭ ‬أحبّوا‭ ‬فنَّه،‭ ‬بل‭ ‬عشقوه،‭ ‬فتابعوه،‭ ‬وسعوا‭ ‬إلى‭ ‬التعمّق‭ ‬في‭ ‬تذوّقه‭ ‬وفهمه‭.‬

من‭ ‬خلال‭ ‬هؤلاء‭ ‬الآخرين‭ ‬الذين‭ ‬صاغ‭ ‬طلال‭ ‬شتوي‭ ‬حكاياتهم‭/‬ن‭ ‬عن‭ ‬زياد،‭ ‬ومع‭ ‬زياد،‭ ‬نعرف‭ ‬أنّ‭ ‬عمارة‭ ‬زياد‭ ‬الفنيّة‭ ‬بشّرت‭ ‬بها‭ ‬طفولته‭ ‬يوم‭ ‬كتب‭ ‬نصوصاً‭ ‬‮«‬ساحرة‭ ‬وحزينة‮»‬‭. ‬ففي‭ ‬الثانية‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬كتب‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬صديقي‭ ‬الله‮»‬‭ (‬71‭ ‬صفحة‭)‬،‭ ‬وكتب‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬الإنسان‭ ‬متى‭ ‬عرف‭ ‬الحقائق‭ ‬سقط‭ ‬عن‭ ‬سرير‭ ‬الأحلام‮»‬،‭ ‬و‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يعود‭ ‬شيءٌ‭ ‬يخيف‭ ‬إن‭ ‬عرفناه‮»‬‭. ‬كتب‭ ‬وسأل‭ ‬يومها‭ ‬أمَّه‭: ‬‮«‬إلى‭ ‬أين‭ ‬يأخذك‭ ‬هذا‭ ‬الشال‭ ‬الأبيض؟‮»‬،‭ ‬فحكت‭ ‬له‭ ‬حكاية‭ ‬الرجل‭ ‬الفقير‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعمِّر‭ ‬بيتاً‭ ‬ويجمع‭ ‬الأحجار‭ ‬حجراً‭ ‬حجرا،‭ ‬وظلَّ،‭ ‬رغم‭ ‬تعبه،‭ ‬‮«‬يعمّر‭ ‬طول‭ ‬عمره‮»‬‭.‬

يعمّر‭ ‬زياد‭ ‬بيته‭ ‬الفنّي،‭ ‬ويقول‭ ‬بلغة‭ ‬المفكر‭: ‬‮«‬لو‭ ‬عددتُ‭ ‬درجات‭ ‬بيتي،‭ ‬وكم‭ ‬مرّة‭ ‬صعدتُها،‭ ‬لكان‭ ‬هذا‭ ‬درجاً‭ ‬طويلاً‭ ‬يخترق‭ ‬السّحب‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬يضيف‭ ‬بلغة‭ ‬الشاعر‭: ‬‮«‬لو‭ ‬عددْتُ‭ ‬ضحكات‭ ‬أمّي‭ ‬لي،‭ ‬لرافقتني‭ ‬طوال‭ ‬صعودي،‭ ‬ووقعَتْ‭ ‬من‭ ‬بعدي‭ ‬الضحكات‭ ‬على‭ ‬الدرج،‭ ‬وأزهرتْ‭ ‬زهراً‮»‬‭. (‬ص‭ ‬24‭/‬25‭). ‬ثم‭ ‬يقول،‭ ‬شأن‭ ‬المفكّرين‭ ‬الكبار‭: ‬‮«‬ليْتني‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬ما‭ ‬أعرف‮»‬،‭ ‬ويستدرك،‭ ‬وكأنّه‭ ‬يتحدّى‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬هول‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭: ‬‮«‬ولا‭ ‬يعود‭ ‬شيء‭ ‬يخيف‭ ‬متى‭ ‬عرفناه‮»‬‭. (‬ص‭ ‬28‭).‬

نقرأ‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬زمن‭ ‬زياد‮»‬،‭ ‬عن‭ ‬عبقريّة‭ ‬زياد‭ ‬المبكّرة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬نعرف،‭ ‬عبقرية‭ ‬المفكّر‭ ‬والشاعر‭ ‬والموسيقي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتمتع‭ ‬بموهبة‭ ‬خارقة،‭ ‬وبقدرة‭ ‬تلقائيّة‭ ‬على‭ ‬العزف‭ ‬حملته‭ ‬على‭ ‬إهمال‭ ‬مساره‭ ‬التعليمي‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الرابعة‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬يوم‭ ‬وضع‭ ‬الموسيقى‭ ‬كاملةً‭  ‬لـ«قديش‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬ناس‮»‬،‭ ‬أغنيته‭ ‬الأولى،‭ ‬ولحنه‭ ‬الأوّل‭ ‬الذي‭ ‬باعه‭ ‬لأبيه‭ ‬وغنته‭ ‬فيروز‭ ‬عام‭ ‬1973،‭ ‬ثم‭ ‬قدّم‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬نفسه‭ ‬عمله‭ ‬المسرحي‭ ‬الأوّل‭ ‬‮«‬سهريّة‮»‬‭.‬

الكتاب‭ ‬ليس‭ ‬دراسة‭ ‬عن‭ ‬زياد‭ ‬وزمنه،‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬سيرة،‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬إخبار‭ ‬أو‭ ‬مجموعة‭ ‬حكايات،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عملٌ‭ ‬فنيّ‭ ‬إبداعي‭ ‬متميّز‭ ‬بفرادة‭ ‬بنائه،‭ ‬وبراعة‭ ‬أسلوبه‭ ‬الذي‭ ‬يُداخل‭ ‬ويمزج‭ ‬بين‭ ‬السرد‭ ‬المتعدّد‭ ‬الأصوات،‭ ‬والسرد‭ ‬الذاتي،‭ ‬والحوار،‭ ‬والمشهد‭ ‬المسرحي،‭ ‬والتقطيع‭ ‬السّينمائي‭. ‬وقد‭ ‬توسل‭ ‬الكاتب‭ ‬لذلك‭ ‬الوثيقة،‭ ‬والمقابلات‭ ‬الصحافية،‭ ‬والشاهد،‭ ‬والرأي‭… ‬كتبه‭ ‬طلال‭ ‬شتوي‭ ‬عن‭ ‬زمنٍ‭ ‬أصابه‭ ‬الخراب،‭ ‬وهو‭ ‬بكل‭ ‬ذلك،‭ ‬وكما‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬دليل‭ ‬خراب‭ ‬فيه‭ ‬كمّ‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬والأماكن‭ ‬والأوقات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬لها‭ ‬وجود‭. ‬وهذا‭ ‬الكتاب‭ ‬لا‭ ‬يعيد‭ ‬إليها‭ ‬الحياة،‭ ‬إنه‭ ‬فقط‭ ‬يجعلها‭ ‬ذكرى‭ ‬حياة‮»‬‭. (‬ص‭ ‬334‭).‬

لكن،‭ ‬لئن‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬كاتبه،‭ ‬دليل‭ ‬خراب‭ ‬المدينة‭ ‬بسبب‭ ‬الحروب‭ ‬والاقتتال‭ ‬الأهلي،‭ ‬فإنّه‭ ‬أيضاً‭ ‬دليل‭ ‬عمارة‭ ‬زياد‭ ‬الفنيّة،‭ ‬وذكرى‭ ‬تنبض‭ ‬بالحياة‭ ‬وتحملنا‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬قراءتها‭. ‬نعيد‭ ‬قراءة‭ ‬زمن‭ ‬الخراب‭ ‬لنكتشف‭ ‬أنّه‭ ‬كان،‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه،‭ ‬زمن‭ ‬مقاومة‭ ‬تبنّاها‭ ‬زياد‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬أسلوب،‭ ‬ونوَّع‭ ‬في‭ ‬فنّ‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭. ‬هكذا‭ ‬مثلا‭ ‬تتحدّث‭ ‬مسرحيّة‭ ‬‮«‬نزل‭ ‬السرور‮»‬‭ ‬عن‭ ‬ثورة‭ ‬وتنتهي‭ ‬بعبارة‭ ‬‮«‬اعطني‭ ‬رشاشاً‭ ‬لأولادي‮»‬،‭ ‬وهكذا‭ ‬نتذكّر‭ ‬حلقاته‭ ‬الإذاعيّة‭ ‬‮«‬بعدنا‭ ‬طيبين‮»‬،‭ ‬و«حلقة‭ ‬الردع‮»‬،‭ ‬و«اختلط‭ ‬الحابل‭ ‬بالنابل‮»‬،‭ ‬و‮«‬سوريا‭ ‬بتبعت‭ ‬قوّات‭ ‬ردع‭ ‬ومصر‭ ‬بتبعت‭ ‬فلافل‮»‬‭. (‬ص‭ ‬142‭)‬،‭ ‬ومسرحيّة‭ ‬‮«‬فيلم‭ ‬أميركي‭ ‬طويل‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أرّخ‭ ‬فيها‭ ‬للصراع‭ ‬اللبناني‭ ‬اللبناني‭. ‬وهكذا‭ ‬ألّف‭ ‬‮«‬مقطوعة‭ ‬تل‭ ‬الزعتر‮»‬،‭ ‬وموسيقى‭ ‬لقصيدة‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬‮«‬مديح‭ ‬الظل‭ ‬العالي‮»‬،‭ ‬القصيدة‭ ‬النشيد‭. ‬لكنَّ‭ ‬فنَّ‭ ‬زياد‭ ‬المقاوم‭ ‬كان‭ ‬أيضا‭ ‬فنّا‭ ‬رياديّا،‭ ‬وحداثيّاً،‭ ‬وقد‭ ‬تمثل‭ ‬ذلك‭ ‬بممارسة‭ ‬زياد‭ ‬للفنّ‭ ‬التجريبي،‭ ‬وتقديمه‭ ‬لغة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مسرحيته‭ ‬‮«‬بخصوص‭ ‬الكرامة‭ ‬والشعب‭ ‬العنيد‮»‬‭ ‬منتقلاً‭ ‬بذلك‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬ضفّة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مسرحه‮»‬‭.‬

‮«‬زمن‭ ‬زياد‮»‬،‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬فقط‭ ‬زمن‭ ‬زياد،‭ ‬وفن‭ ‬زياد‭ ‬وعبقريته،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أيضا،‭ ‬وفي‭ ‬الآن‭ ‬نفسه،‭ ‬زمن‭ ‬بيروت‭. ‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬نقرأ‭ ‬عن‭ ‬بيروت‭ ‬المدينة‭/‬المكان‭ ‬في‭ ‬حميميّته‭ ‬وهوية‭ ‬رواده‭ ‬الذين‭ ‬يتحدّون‭ ‬الموت‭ ‬والدمار،‭ ‬عن‭ ‬المكان‭/‬الأمكنة‭ ‬التي‭ ‬بنى‭ ‬فيها‭ ‬زياد‭ ‬عمارته‭ ‬الفنيّة‭ ‬قبل‭ ‬تحّولها‭ ‬إلى‭ ‬خراب‭: ‬‮«‬الأورلي‮»‬‭ ‬مسرح‭ ‬زياد‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬تحوّل‭ ‬مؤخراً‭ ‬إلى‭ ‬موقف‭ ‬للسيارات‭. ‬‮«‬قصر‭ ‬البيكاديلي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أقفل‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬خرابه،‭ ‬شارع‭ ‬الحمرا‭ ‬ومقاهيه‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬معظمها‭ ‬إلى‭ ‬محلات‭ ‬تجارية‭…‬

نقرأ‭ ‬عن‭ ‬المكان‭/‬الأمكنة،‭ ‬كما‭ ‬عن‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬رأوا‭ ‬إلى‭ ‬زياد‭ ‬فنراهم‭ ‬فيما‭ ‬نحن‭ ‬نرى‭ ‬إلى‭ ‬زياد‭ ‬من‭ ‬خلالهم‭/‬ن‭. ‬كأنّ‭ ‬هؤلاء‭ ‬الناس‭ ‬شهودٌ‭ ‬على‭ ‬عمارة‭ ‬زياد،‭ ‬وفي‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬مرايا‭ ‬حواريّة‭ ‬لزمن‭ ‬زياد‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬زمن‭ ‬بيروت‭ ‬وزمن‭ ‬عمارته‭ ‬الإبداعيّة‭. ‬أناس‭ ‬يتكشفون‭ ‬لنا،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬زياد،‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬كنّا‭ ‬نعرفهم‭. ‬أشير‭ ‬إلى‭ ‬كاتيا‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نعرف،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬نجمة‮»‬‭ ‬مناضلة‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬جنون‭ ‬السبعينات‮»‬‭. ‬وأقرأ‭ ‬عن‭ ‬إسكندر‭ ‬الذي‭ ‬كنّا‭ ‬نعرف،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬أنَّ‭ ‬ابن‭ ‬الرابعة‭ ‬عشرة‭ ‬سوف‭ ‬يتابع‭ ‬أعمال‭ ‬زياد‭ ‬قراءة‭ ‬وسماعاً‭ ‬ومشاهدة‭ ‬ليعلن‭ ‬‮«‬إن‭ ‬زياد‭ ‬كان‭ ‬صاحب‭ ‬رؤيا،‭ ‬سبقنا‭ ‬كعادته‮»‬‭. (‬ص‭ ‬227‭). ‬وأشير‭ ‬إلى‭ ‬منى‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬بأنّ‭ ‬زياد‭ ‬شكَّل‭ ‬لها‭ ‬ولأبناء‭ ‬جيلها‭ ‬‮«‬ذاك‭ ‬الوطن‭ ‬البديل‮»‬‭ ‬عن‭ ‬منافيهم‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬‮«‬تتحوّل‭ ‬أبدا‭ ‬إلى‭ ‬أوطان‭ ‬حقيقية‮»‬‭ (‬ص‭ ‬109‭). ‬ترى‭ ‬منى‭ ‬أنَّ‭ ‬زياد‭ ‬حقيقي،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬تقع‭ ‬تحت‭ ‬سحره،‭ ‬شأن‭ ‬كثيرين‭ ‬وقعوا‭ ‬تحت‭ ‬سحر‭ ‬فنّه،‭ ‬مثل‭ ‬إيفانا‭ ‬التي‭ ‬سحرها‭ ‬نشيد‭ ‬‮«‬جايي‭ ‬مع‭ ‬الشعب‭ ‬المسكين‮»‬‭ ‬في‭ ‬مسرحيّته‭ ‬‮«‬نزل‭ ‬السرور‮»‬‭.‬

‮«‬زمن‭ ‬زياد‮»‬،‭ ‬هو‭ ‬زمن‭ ‬عشاق‭ ‬فنّه‭ ‬المسحورين‭ ‬به،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬مباشرة،‭ ‬أو‭ ‬شخصية‭ ‬به،‭ ‬ذلك‭ ‬أنَّ‭ ‬بعضهم،‭ ‬أمثال‭ ‬طارق،‭ ‬كان‭ ‬يفضِّل‭ ‬ويسعى‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬علاقته‭ ‬بفنّه،‭ ‬وليس‭ ‬به،‭ ‬وأن‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬زمنه‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬شخصه‭. ‬فزياد‭ ‬صار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شخص،‭ ‬صار‭ ‬رمزا‭. ‬هكذا‭ ‬أجمعوا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتسمّوا‭ ‬بـ«الزّياديّة‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬الجماعة‭ ‬المنتسبة‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬زياد‭ ‬وإبداعه‭ ‬باعتباره‭ ‬ظاهرة‭ ‬فنيّة‭ ‬فكريّة‭ ‬تاريخيّة‭.‬

نقرأ،‭ ‬مثلاً‭ ‬عن‭ ‬ديما‭ ‬التي‭ ‬قدَّم‭ ‬لها‭ ‬زياد،‭ ‬كما‭ ‬تقول،‭ ‬أجوبة‭ ‬على‭ ‬أسئلة‭ ‬مقلقة‭ ‬حول‭ ‬الوطن،‭ ‬والهويّة،‭ ‬والواقع‭ ‬السياسي،‭ ‬والحرب،‭ ‬وتعلّمت‭ ‬منه‭ ‬‮«‬ألاّ‭ ‬تصدق‭ ‬لبنان‮»‬‭. ‬لقد‭ ‬أدهشها،‭ ‬كما‭ ‬أدهشنا،‭ ‬كيف‭ ‬التقت،‭ ‬هي‭ ‬المرأة‭ ‬المحجّبة‭ ‬المنتمية‭ ‬إلى‭ ‬عائلة‭ ‬دينيّة،‭ ‬مع‭ ‬زياد‭ ‬وطروحاته‭ ‬الماركسيّة،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر،‭ ‬كما‭ ‬تعتقد،‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬إلّا‭ ‬مع‭ ‬زياد،‭ ‬لأنَّ‭ ‬الانتماء‭ ‬إليه‭ ‬يعني‭ ‬الانتماء‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬الصدق‭ ‬والنقاء‮»‬‭. (‬ص‭ ‬20‭).‬

نقرأ‭ ‬أيضاً،‭ ‬وبشكل‭ ‬خاّص،‭ ‬عن‭ ‬‮«‬إيفانا‮»‬‭ ‬وعن‭ ‬المقابلة‭ ‬التي‭ ‬قبلتْ‭ ‬فيروز‭ ‬أن‭ ‬تجريها‭ ‬معها،‭ ‬نقرأ‭ ‬لنكتشف‭ ‬وجها‭ ‬آخر‭ ‬لصاحبة‭ ‬الصوت‭ ‬الملائكي،‭ ‬نكتشف‭ ‬ما‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬نبل‭ ‬وعمق‭ ‬ثقافي‭ ‬وحس‭ ‬شعري‭ ‬إنساني‭ ‬فريد‭…  ‬تقول‭ ‬فيروز‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المقابلة‭ ‬مع‭ ‬‮«‬إيفانا‮»‬‭: ‬‮«‬الكلمات‭ ‬الصادقة‭ ‬قليلة‭ ‬قد‭ ‬نجمعها‭ ‬في‭ ‬حفنة‭ ‬واحدة‮»‬‭. ‬و«الأصدقاء‭ ‬يأتون‭ ‬ويعاودون‭ ‬الذهاب‭ ‬كموجة‭ ‬على‭ ‬شاطئ،‭ ‬وهل‭ ‬من‭ ‬صديق؟‮»‬‭ ‬و«البكاء‭ ‬مثل‭ ‬الشتاء،‭ ‬يغسل‭ ‬القلوب‮»‬‭. (‬ص‭ ‬257‭).‬

تقول‭ ‬‮«‬إيفانا‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تسأل‭ ‬لماذا‭ ‬اختار‭ ‬زياد‭ ‬أن‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬هناك‮»‬‭ (‬أي‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭ ‬الغربيّة‭): ‬‮«‬هذا‭ ‬اللقاء،‭ ‬مع‭ ‬فيروز،‭ ‬نقلني‭ ‬من‭ ‬ضفّة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬نقلها‭ ‬من‭ ‬ضفة‭ ‬تحيّزها‭ ‬للمنطقة‭ ‬الشرقيّة‭ ‬من‭ ‬بيروت،‭ ‬ومن‭ ‬الموقف‭ ‬السياسي‭/‬الديني‭ ‬الذي‭ ‬وسم‭ ‬سكانها‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب،‭ ‬إلى‭ ‬الضفّة‭ ‬الغربيّة،‭ ‬ضفة‭ ‬المقاومة،‭ ‬وضفة‭ ‬سكن‭ ‬فيروز‭ (‬الروشة‭) ‬يومذاك‭.‬

إنه‭ ‬الفنّ‭ ‬الذي‭ ‬يعيد‭ ‬صياغة‭ ‬الوعي‭ ‬بالحياة‭ ‬إذ‭ ‬يضيء‭ ‬الحقائق،‭ ‬ويوقظ‭ ‬مشاعر‭ ‬الحبّ‭ ‬الإنسانيّة‭.‬

شكرا‭ ‬طلال‭ ‬شتوي‭ ‬على‭ ‬كتابك‭ ‬الجميل‭ ‬الذي‭ ‬جعلنا‭ ‬ندرك‭ ‬أنَّ‭ ‬‮«‬زمن‭ ‬زياد‮»‬‭ ‬هو‭ ‬زمننا‭ ‬أيضاً،‭ ‬نحن‭ ‬اللبنانيين‭ ‬الذين‭ ‬عشنا‭ ‬وشهدنا‭ ‬ولم‭ ‬نعرف‭ ‬كلَّ‭ ‬شيء‭.‬

‭ (‬1‭) ‬د‭. ‬ليلى‭ ‬الخطيب‭ ‬توما‭: ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬‮«‬زمن‭ ‬زياد‮»‬‭ ‬الضائع‭. ‬جريدة‭ ‬الأخبار‭. ‬22‭/‬8‭/‬2017‭.‬

طلال‭ ‬شتوي‭: ‬‮«‬زمن‭ ‬زياد‭ ‬ـ‭ ‬قديش‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬ناس‮»‬

دار‭ ‬الفارابي،‭ ‬بيروت‭ ‬2016

334‭  ‬صفحة‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية