الناصرة ـ «القدس العربي»: جاء قرار إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب بتجفيف وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في أعقاب «مراجعة تمويل الضفة الغربية المُحتلّة، وقطاع غزة المُحاصَر ولضمان إنفاق التمويل تماشيا مع المصالح الأمريكية القومية ومنح قيمة لدافع الضرائب الأمريكي». هذا ما قيل رسميا على لسان جهات أمريكية، لكن يبدو أن ذلك يتم للضغط على الرئيس الفلسطيني محمود عباس واستجابة لطلب أوساط إسرائيلية تطالب بذلك أملا بالتخلص من حق عودة اللاجئين الفلسطينيين لديارهم. وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت رسميا إن الولايات المتحدة قررت إيقاف أي تمويل لوكالة الغوث. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية هيذر ناورت في بيان «راجعت الإدارة المسألة بحرص وخلصت إلى أن الولايات المتحدة لن تقدم مساهمات إضافية للأونروا». ووجهت متحدثة باسم وزارة الخارجية انتقادات لاذعة لطريقة عمل الوكالة، قائلة إنها «معيبة بشكل لا يمكن إصلاحه»، وهو ما رفضته الوكالة ووصفت الخطوة من جانبها بأنها «مخيبة للآمال ومثيرة للدهشة». وكتب كريس جانيس المتحدث باسم الأونروا في سلسلة تغريدات على تويتر «نرفض بأشد العبارات الممكنة انتقاد مدارس الأونروا ومراكزها الصحية وبرامجها للمساعدة في حالات الطوارئ بأنها معيبة بشكل لا يمكن إصلاحه».
وتعمل الوكالة فعليا بعملياتها منذ أيار/مايو 1950 حيث يتم تجديد مهامها بشكل دوري، وكان آخره في حزيران/يونيو عام 2017. وتحصل الوكالة على الدعم المادي عبر التبرعات الطوعية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وتشمل خدمات الوكالة التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والبنية التحتية وتحسين المخيمات والدعم المجتمعي والقروض الصغيرة والاستجابة لحالات الطوارئ في أوقات النزاع المسلح. وكانت الولايات المتحدة أكبر مانح منفرد لأونروا، حيث قدمت 368 مليون دولار في عام 2016 وكانت تمول ما يقرب من 30 في المئة من عملياتها في المنطقة. وفي وقت سابق الجمعة، قال وزير الخارجية الألماني هيكو ماس، إن ألمانيا ستزيد من مساهماتها في الوكالة لأن أزمة التمويل فيها تغذي المشكلات. وحذر من «فقدان هذه المنظمة يمكن أن يطلق العنان لسلسلة من ردود الأفعال غير القابلة للسيطرة» وبذلك عبر في الواقع عن موقف أوروبي رسمي بهذا المضمار وعن انتقادات واسعة عربية وأجنبية للقرار الأمريكي.
ويعتقد مراقبون إسرائيليون أيضا أن ذلك تمهيد لسياسة جديدة تهدف إلى تصفية حق العودة للاجئين الفلسطينيين. وحسب مصادر إسرائيلية إعلامية، تضمنت الخطة الأمريكية عدة خطوات، منها نشر تقرير حول عدد اللاجئين الفلسطينيين، حيث يزعم الأمريكيون أن عددهم يبلغ نصف مليون، مقارنة بأكثر من خمسة ملايين وفقا للاعتراف الدولي ووكالة الأونروا. وفي المرحلة الثانية للخطة، تم إعلان إدارة ترامب سحب الاعتراف بوكالة الأونروا ورفض تعريف اللاجئ المتبع بالوكالة، وهو بنقل مكانة اللاجئ عبر التوارث بين الأجيال، حيث ستكتفي واشنطن الاعتراف بالوكالة على أنها مفوضية تعنى بشؤون اللاجئين بشكل عام. وعقب ذلك وقف الميزانيات وتمويل فعاليات وأنشطة الأونروا في الضفة الغربية.
واعتبرت الحكومة الإسرائيلية الخطة الأمريكية، خطوة تاريخية أخرى من قبل الرئيس ترامب وطاقمه، الذين يستمرون في الاعتراف بالحقائق والوقائع على الأرض، حسب تعبير بعض المسؤولين الإسرائيليين، خاصة بعد إزالة قضية القدس من طاولة «المفاوضات» ونقل سفارة واشنطن للقدس المحتلة. واليوم حان دور حق العودة بمحاولة شطبه، وهو الذي تعتبره إسرائيل «العقبة الرئيسية في أي مفاوضات» فيما تتبنى واشنطن كافة المواقف الإسرائيلية.
يشار إلى أن وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان وخلال لقائه مع وزير الخارجية الأمريكية، ركس تيلرسون، قبل عام، دعا واشنطن إلى إعادة النظر في سياستها تجاه مجلس حقوق الإنسان ووكالة غوث اللاجئين. وحسب بيان صادر عن وزير الأمن، فإن ليبرمان طلب من تيلرسون أن تقوم الولايات المتحدة بإعادة النظر في سياستها تجاه المؤسستين الدوليتين المذكورتين. وادعى ليبرمان أن مثل هذه المؤسسات لا تقوم بالدور المطلوب منها، وبدلا من ذلك، ينشغل المجلس لحقوق الإنسان بـ«الافتراء على إسرائيل، ومحاولة المس بها عن طريق تشويه الواقع». وادعى ليبرمان وقتها أن «موقف الولايات المتحدة مهم من أجل إبعاد العقبات التي تمس بالاستقرار في الشرق الأوسط، وأنه يجب استغلال الفرصة لتعزيز قوة الجهات المعتدلة في المنطقة».
كما كشفت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، عن السبب الحقيقي وراء محاربة ترامب للأونروا بالقول، إن قطع التمويل الأمريكي بالكامل عن المنظمة يكشف البنود الحقيقية لـ«صفقة القرن» التي يرعاها ترامب وفريقه. موضحة في عددها الأخير أن هدف الإدارة الأمريكية هو وقف عمل الوكالة بنسبة 90 في المئة، وجاء قرار قطع التمويل هذا بعد أيام قليلة من تصريحات ترامب بأن الدور على الفلسطينيين حتى يحصلوا على شيء جيد للغاية بعد قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فجاءت الأفعال على عكس الأقوال. ونوهت المجلة إلى أنه بالطبع لن تمس الإدارة الأمريكية المساعدات العسكرية السنوية التي تقدمها لإسرائيل والتي تقدر بأكثر من ثلاثة مليارات دولار حتى تساعدها على قمع الفلسطينيين. موضحة أن الغرض من قطع التمويل عن الوكالة هو عدم تمكين الغالبية العظمى من اللاجئين الفلسطينيين من ممارسة حق العودة لوطنهم. واستذكرت المجلة الأمريكية، أن نيكي هايلي سفيرة واشنطن في الأمم المتحدة، قد أكدت أن هؤلاء اللاجئين ليس لهم حق في العودة، متجاهلة طردهم المنهجي من ديارهم في نكبة 48 مثلما تجاهلت قرارات أممية بهذا الاتجاه. وما زال مؤرخون إسرائيليون جدد كثيرون يؤكدونه وقال المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس في كتابه «1948» عام 2004 «ما كان يمكن إنشاء الدولة اليهودية دون اقتلاع 700 ألف فلسطيني عن وطنهم».
وتعتبر المجلة أن حق عودة اللاجئين لأراضيهم يعد أهم أهداف الوكالة التابعة للأمم المتحدة بموجب القانون الدولي، ولكن لن يتم تنفيذ هذا القرار وتتم محاربة الوكالة، لسبب بسيط، فالعودة الشرعية لهؤلاء لوطنهم تعني نهاية وجود إسرائيل كدولة يهودية، وهو ما تسعى الإدارة الأمريكية لعدم تنفيذه، ونتيجة لهذه الجهود تضخم عدد اللاجئين من 700 ألف إلى 5 ملايين لاجئ. وخلصت المجلة للقول «هذا التهديد الديموغرافي، كان السبب الرئيسي في موافقة الحكومة الإسرائيلية والكنيست على إقرار قانون القومية قبل شهر».