بيروت ـ «القدس العربي»: إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن قرار حجب مساهمتها المالية البالغة 360 مليون دولار في موازنة وكالة «غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا) لم يكن مفاجئاً. هو خطوة في سياق خطة إدارة دونالد ترامب لحل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني – العربي، التي يعمل عليها مستشاره وصهره جاريد كوشنر، وهو ورقة ضغط سياسية متعددة الاتجاهات.
الاستهداف الأول موجّه لفلسطينيي الداخل، ولا سيما قطاع غزة، حيث يُشكّل اللاجئون ما يقارب الـ75 في المئة من سكانه، ونسبة أقل من سكان الضفة الغربية، في رسائل واضحة لـ «حركة حماس» التي تُحكم سيطرتها على القطاع، وللسلطة الفلسطينية التي أدارت ظهرها لأمريكا بعدما أعلن ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، بما يُشكّل ذلك من ضربة قوية لمشروع السلام القائم على حل الدولتين.
وثاني هذه الاستهدافات هو لفلسطينيي الشتات في الدول المضيفة، التي ستصيبها أضرار جانبية كثيراً ما تكون أشد وطأة وأخطر من الهدف الرئيسي المتمثل بشطب «الأونروا» التي هي «الشاهد الوحيد المتبقي على النكبة المستمرة منذ العام 1948، والضمانة الأكيدة لحق العودة للفلسطينيين». وهو مطلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويتماهى معه كوشنر الذي يَعتبر أن «الوكالة تُقوّض المصالح الإسرائيلية وتُحفّز آمال اللاجئين في العودة إلى وطنهم، وتُديم الستاتيكو القائم، ولا تُساعد في عملية السلام».
ما يُواجه «الأونروا» في العمق راهناً، ليس أزمة عنوانها مالي بل قضية عنوانها سياسي عمرها سبعون عاماً. فإذا كان السلاح لإنهاء القضية هو المال، فإن البحث عن «أسلحة مالية» بديلة كفيل بالحفاظ على القضية لا بل كفيل بإحيائها بقوة. هذا ما تشي به حماسة المنظمة الدولية التي أنشئت بعد النكبة.
الرسالة الأساسية التي تُركّز عليها «الأونروا» حالياً، هي أننا مستمرون ومصممون أكثر من أي وقت مضى على حشد التمويل اللازم، وفق المتحدثة باسم «الأونروا» في بيروت هدى صعيبي، ولذلك ستبذل الوكالة مزيداً من الجهود عبر توسيع مروحة المساعدات التي تتلقاها من خلال اتصالات تجريها مع «بيوت الزكاة» ومع حملة «الكرامة لا تقدر بثمن»، وعبر التواصل مع عدد من الشخصيات الفلسطينية الميسورة في الشتات، فضلاً عن العمل على تأمين داعمين جدد، حيث ستكون هناك على هامش انعقاد الجمعية العمومية في نيويورك، التي تبدأ أعمالها في الرابع والعشرين من هذا الشهر، مبادرات تقوم بها 5 دول هي: ألمانيا، الأردن، السويد، الاتحاد الأوروبي واليابان من أجل حشد التمويل اللازم تفادياً لانفجار يُهدّد السلم والأمن العالميين، وسيكون لمفوض «الأونروا» بيير كرينبول عرض مُسهب لواقع الوكالة أمام جامعة الدول العربية يوم الثلاثاء المقبل، خاصة أن مساهمات الدول العربية، في أحسن حالاتها، لا تتعدى الـ7 في المئة، وسيكون حاضراً بقوة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
التعويل إذاً هو على تأمين بديل مالي للمساهمة الأمريكية، التي تشكل مبدئياً ربع الموازنة. ووفق ما رشح من معلومات، فإن أوساطاً فلسطينية تتحدث عن توجّه لدى الدول الأوروبية لسداد 60 في المئة من العجز الذي أحدثه انسحاب الولايات المتحدة.
ولكن ماذا إذا لم ينجحوا في سداد العجز، خصوصاً أن حجم المتطلبات والأعباء إلى تزايد بغض النظر عن أزمة اليوم؟ ومَن هُم اللاجئون الأكثر تأثراً… وأي ضرر سيلحق بهم وبدولهم المضيفة؟
كلها أسئلة تبقى بلا أجوبة حاسمة، ذلك أنها مبنية على تقديرات لا دراسات معمّقة. لا شك أن ضرراً سيقع، والتقديرات أنه سيكون متفاوتاً بين بلد وآخر.
في المبدأ، سيكون الضرر الأكبر على اللاجئين في لبنان ذلك أن حجم القيود التي تضعها الدولة اللبنانية على اللاجئين في لبنان هي أشد بأضعاف من تلك الموضوعة في الدول المضيفة الأخرى، ولا سيما الأردن وسوريا. فالقوانين اللبنانية تحظر عليهم العمل إلا في مهن محددة، وتمنعهم من التملك، وتضّيق عليهم تحت ذرائع الهواجس من التوطين ومن التغيير الديموغرافي في البلاد مخافة أن يتحوّل السنّة إلى الطائفة الأكبر وأن تذوب الطوائف الأخرى. وفوق ذلك يعيش لبنان اليوم أزمة النزوح السوري وضائقة اقتصادية ومعيشية وتوترات سياسية نتيجة حسابات المحاور ومخاوف على المصير، ما يدفع بقسم كبير من اللبنانيين إلى إبداء الكثير من عوارض التطييف والعنصرية والكراهية.
اللاجئون الفلسطينيون في لبنان سيكونون في وضع دراماتيكي إذا تراجعت خدمات «الأونروا» التي تُقدّم لهم. قد يعتبر البعض أن الأسر الفلسطينية تعتمد على تحويلات أبنائها الذين يعملون في الخارج، ولا سيما في الدول الخليجية، ولكن ما يفوتهم أن «الأونروا» هي الجهة الوحيدة التي تُعلّم أولاد الفلسطينيين (37 ألف طالب يتوزعون على 66 مدرسة) باستثناء بعض الأعداد القليلة التي تذهب إلى المدارس اللبنانية، وتؤمّن لهم الطبابة وتدفع عنهم الاستشفاء، ولو بشكل جزئي. وتُشكّل تالياً الدور الحيوي لهم، الذي لا أحد يستطيع القيام به. وفي رأي صعيبي فإن «الأونروا» هي خشبة الخلاص الوحيدة بالنسبة لفلسطينيي لبنان، وبصيص الأمل، والرئة التي يتنفسون من خلالها لمواجهة الصعوبات المعيشية، ووقف خدماتها في لبنان لن يكون فقط كارثة، إنما بمثابة «الانفجار» الاجتماعي الكبير.
هذا التقييم تتشارك فيه أوساط فلسطينية في بيروت. يذهب المستشار الإعلامي في السفارة الفلسطينية حسان ششنية إلى مقارنة وضع لاجئي غزة بلاجئي لبنان، غير أنه على الرغم من صعوبة الوضع في غزة، فإن «الأونروا» يمكنها أن تعتبر أن هؤلاء اللاجئين يعيشون في وطنهم، ولديهم مصدر رزق وقادرون على العمل بحرية لإعالة عائلاتهم، لكنها تدرك أنهم في لبنان لا يتمتعون بحرية العمل، وليس لديهم خدمات متوفرة، ما يعني أن وقف خدمات «الأونروا» عن لبنان يعني إلغاء الخدمات عن 200 ألف لاجئ فلسطيني ليس عندهم مصدر رزق إلا هذا المصدر، ولا بديل له، منذ 70 سنة».
نقطة ضعف «الأونروا» تتمثل بأن المانحين ليسوا ملزمين بتقديم مساعدات سنوية محددة بل هي طوعية، وهذا يجعل هذه الدول تتعاطى مع الموضوع من منطلق سياسي، كما حصل بالنسبة لموقف ترامب، عندما قرر معاقبة القيادة الفلسطينية على رفضها استقبال مبعوثيه. ششنية تحدث عن أن الأمريكيين يُسوّقون فكرة جديدة عبر اقتراحهم بأن يُعطى مبلغ الـ360 مليون دولار، الذي اقتطعوه، إلى الدول العربية المضيفة للاجئين، وإلى بعض المنظمات الإنسانية الموجودة في هذه الدول بحيث تتولى هي رعاية هؤلاء اللاجئين والصرف عليهم. خطوة في قناعة المتابعين للشأن الفلسطيني تهدف إلى شطب «الأونروا»، إما عن طريق تحويل الفلسطينيين إلى مفوضية اللاجئين أو تحويل أموال «الأونروا إلى الدول المضيفة. لكن في النهاية، الطريقان توصلان إلى النتيجة ذاتها: «شطب الوكالة الدولية الفريدة من نوعها في العالم، وشطب حق العودة».
المشكلة لدى «الأونروا» أنه ليس لديهم ما يُعرف بـ «الخطة بـ«، ولا يفكرون بها، ولا يحبذون الدخول بسيناريوهات افتراضية. يضعون جهودهم في ردم هوة عجز هذا السنة البالغ 217 مليون دولار، إذ أن ميزانية الوكالة مؤمنة حتى نهاية أيلول، وإذا تأمن العجز، فإن النقاش سيدور حول ميزانية السنة المقبلة ومدى القدرة على الالتزام بها.
في لبنان سيكون على المحك، في المدى المنظور، مصير 37 ألف طالب وطالبة في 66 مدرسة، ونحو ستة آلاف في التعليم المهني ونحو 160 ألف مريض يتعالجون سنوياً في 27 مركزاً صحياً إضافة إلى الخدمات التي تقدمها الوكالة مع المستشفيات المتعاقدة معها. كما أن هناك نحو 61 ألف لاجئ يعيشون تحت خط الفقر ويحظون بمساعدات مالية من الوكالة.
على الأرجح أن كثيراً من الأطراف المعنية سيدرك أهمية «الأونروا» والحيّز الذي كانت تملأه، المهم أن تكون الإمكانية متوفرة لإعادة ضخ الحياة إلى عروق الوكالة – الشاهد على أوجاع شعب بات وكأنه في نزاعه الأخير للعودة إلى وطنه.
الكلام في لبنان عن مخاوف التوطين لن يتعدى محاولات الاستثمار السياسي. لا مخاوف ما دام الدستور اللبناني يمنع ذلك وما دام اللبنانيون يعلمون أن اللعب على تغيير ديموغرافي مستحيل. ما دون التجنيس والتوطين مقبول لجهة تحسين ظروف الحياة والعمل والمسكن وتوفير الحياة اللائقة. الخوف فقط من تفاقم الأزمات المعيشية التي يعيشها لبنان من دون آفاق حلول، فتؤول إلى انفجار اجتماعي تتداخل فيه العوامل، ويصبح معها التصويب على العامل السوري والعامل الفلسطيني سهلاً.