الكونفيدرالية‭ ‬الأردنية‭ ‬ـ‭ ‬الفلسطينية‭ ‬تعود‭ ‬للحياة

حجم الخط
0

‭ ‬بينما‭ ‬تبدو‭ ‬عودة‭ ‬الأردن‭ ‬لأداء‭ ‬دور‭ ‬سلطوي‭ ‬عملي‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬اليوم‭ ‬كأمر‭ ‬عبثي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منح‭ ‬الغلاف‭ ‬السياسي‭  ‬ـ‭  ‬القانوني،‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬لإسرائيل‭ ‬وللفلسطينيين‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬قبول‭ ‬حلول‭ ‬تتجاوز‭ ‬الكبرياء‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬مساعي‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬للنزاع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ـ‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬تطرح‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬فكرة‭ ‬الفيدرالية‭/ ‬الكونفيدرالية‭ ‬الأردنية‭  ‬ـ‭  ‬الفلسطينية‭. ‬ومؤخرا‭ ‬طافت‭ ‬الفكرة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬السطح؛‭ ‬ففي‭ ‬حديث‭ ‬أجري‭ ‬في‭ ‬2‭ ‬أيلول‭/‬سبتمبر‭ ‬بين‭ ‬رئيس‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬أبو‭ ‬مازن‭ ‬ومجموعة‭ ‬من‭ ‬الإسرائيليين،‭ ‬قال‭ ‬أبو‭ ‬مازن‭ ‬إن‭ ‬الفكرة‭ ‬عرضها‭ ‬عليه‭ ‬فريق‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬الذي‭ ‬يعنى‭ ‬بمحاولة‭ ‬استئناف‭ ‬المفاوضات‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬وبلورة‭ ‬اقتراح‭ ‬للتسوية‭.‬

‭ ‬ونوضح‭ ‬بأن‭ ‬الفيدرالية‭ ‬هي‭ ‬نظام‭ ‬فيه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الوحدات‭ ‬دون‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تنتظم‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬واحدة،‭ ‬وتكون‭ ‬فيها‭ ‬الصلاحيات‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والأمن‭ ‬والعلاقات‭ ‬الخارجية‭ ‬بيد‭ ‬الحكم‭ ‬الفيدرالي‭. ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هي‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الفيدرالي،‭ ‬أما‭ ‬الكونفيدرالية‭ ‬فهي‭ ‬انتظام‭ ‬لدولتين‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬استقلالها‭ ‬وسيادتها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الاستعداد‭ ‬لإيداع‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬علائم‭ ‬السيادة‭ ‬بيد‭ ‬مؤسسات‭ ‬الكونفيدرالية‭.‬

‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬اليوم‭ ‬كيان‭ ‬دولي‭ ‬يعلن‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬كهذا،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬منظمات‭ ‬دولة‭ ‬كثيرة‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬المبدأ‭ ‬ذاته‭ ‬بمعنى‭ ‬التنازل‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬علائم‭ ‬السيادة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الانتماء‭ ‬إليها‭. 

إن‭ ‬فكرة‭ ‬إعطاء‭ ‬دور‭ ‬و‭ / ‬أو‭ ‬مكانة‭ ‬للأردن‭ ‬طرحت‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بينها‭ ‬تماثل‭ ‬أيديولوجي‭. ‬ولأسباب‭ ‬مختلفة،‭ ‬فإن‭ ‬الحكومات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بالأمر‭ ‬لم‭ ‬تعنَ‭ ‬بالموضوع،‭ ‬بل‭ ‬بالرفض‭ ‬اللفظي‭ (‬الأردن‭)‬،‭ ‬قول‭ ‬‮«‬نعم‭ ‬ولكن‮»‬‭ (‬الفلسطينيون‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬إسرائيل‭  ‬ـ‭  ‬تجاهل‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬أو‭ ‬تلميح‭ ‬بأنه‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الحديث‭ ‬يدور‭ ‬عن‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬كشرط‭ ‬مسبق‭ ‬فستكون‭ ‬إسرائيل‭ ‬مستعدة‭ ‬لبحث‭ ‬الموضوع‭. ‬

‭ ‬

تدحرج‭ ‬الفكرة

‭ ‬

منذ‭ ‬لحظة‭ ‬انتهاء‭ ‬حرب‭ ‬الأيام‭ ‬الستة‭ ‬في‭ ‬1967‭ ‬تقريبًا،‭ ‬بدأت‭ ‬جهات‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬وفي‭ ‬الأردن‭ ‬تبحث‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬كيفية‭ ‬إعادة‭ ‬الحكم‭ ‬الأردني‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬احتلتها‭ ‬إسرائيل،‭ ‬باستثناء‭ ‬القدس،‭ ‬والتي‭ ‬منذ‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬فصلت‭ ‬فكريًا‭ ‬وعاطفيًا‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬أراضي‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭. ‬ففي‭ ‬المحادثات‭ ‬السرية‭ ‬التي‭ ‬أجراها‭ ‬الملك‭ ‬حسين‭ ‬مع‭ ‬المبعوثين‭ ‬الرسميين‭ ‬لإسرائيل‭ ‬بعد‭ ‬الحرب،‭ ‬بحثت‭ ‬إمكانيات‭ ‬الإعادة‭ ‬التدريجية‭ ‬للمناطق،‭ ‬مثل‭ ‬منطقة‭ ‬أريحا،‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬الأردني‭. ‬أما‭ ‬أحداث‭ ‬‮«‬أيلول‭ ‬الأسود‮»‬‭ (‬1970‭)‬،‭ ‬وإصرار‭ ‬حكومة‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬بانسحاب‭ ‬جزئي‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬احتلت‭ ‬في‭ ‬1967‭ ‬في‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء‭ ‬وفي‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬ولاحقًا‭ ‬حرب‭ ‬يوم‭ ‬الغفران‭ ‬في‭ ‬1973،‭ ‬أنهت‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬الاتصالات‭ ‬بين‭ ‬الأردن‭ ‬وإسرائيل‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬الوضع‭. ‬وفي‭ ‬أعقاب‭ ‬تغيير‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬1977‭ ‬وصعود‭ ‬حكومة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬التيار‭ ‬الذي‭ ‬تبنى‭ ‬فكرة‭ ‬تعزيز‭ ‬الصلة‭ ‬الأيديولوجية،‭ ‬والعملية‭ ‬والقانونية‭ ‬بالمناطق‭ ‬المحتلة،‭ ‬وجد‭ ‬هذا‭ ‬تعبيره‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الأسماء‭ ‬التوراتية‭ ‬لأقاليم‭ ‬البلاد‭  ‬ـ‭  ‬يهودا‭ ‬والسامرة‭. ‬ظاهرًا،‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الموت‭ ‬لإمكانية‭ ‬أن‭ ‬يلعب‭ ‬الأردن‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬دورًا‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭. 

إن‭ ‬عودة‭ ‬الكتلة‭ ‬التي‭ ‬تبنت‭ ‬الحل‭ ‬الإقليمي‭ ‬كشريك‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬حكومة‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ (‬1984‭  ‬ـ‭  ‬1988‭)‬،‭ ‬سمحت‭ ‬لشمعون‭ ‬بيرس،‭ ‬بصفته‭ ‬وزيرًا‭ ‬للخارجية‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬فترة‭ ‬ولاية‭ ‬هذه‭ ‬الحكومة،‭ ‬بخوض‭ ‬مفاوضات‭ ‬سرية‭ (‬دون‭ ‬علم،‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬دون‭ ‬مصادقة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬إسحق‭ ‬شامير‭) ‬مع‭ ‬الملك‭ ‬حسين‭ ‬على‭ ‬إحياء‭ ‬‮«‬الخيار‭ ‬الأردني‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬إعادة‭ ‬الحكم‭ ‬الأردني‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬احتلت‭ ‬في‭ ‬1967‭. ‬ولكن‭ ‬عدم‭ ‬قدرة‭ ‬شمعون‭ ‬بيرس‭ ‬على‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬موافقة‭ ‬حكومة‭ ‬إسرائيل‭ ‬ورئيسها‭ ‬على‭ ‬الاتفاق‭ ‬الذي‭ ‬تحقق‭ ‬في‭ ‬1987‭ ‬في‭ ‬المحادثات‭ ‬مع‭ ‬الملك‭ ‬الأردني،‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬فك‭ ‬ارتباط‭ ‬الأردن‭ ‬رسميًا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬مطالباته‭ ‬بالمنطقة،‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬ألقاه‭ ‬الملك‭ ‬في‭ ‬31‭ ‬تموز‭ ‬1988‭. ‬وهكذا‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬الادعاء‭ ‬بأن‭ ‬فكرة‭ ‬عودة‭ ‬الأردن‭ ‬إلى‭ ‬الضفة‭ ‬لفظت‭ ‬أنفاسها‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الأولى،‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬في‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭ ‬1987‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬الملك‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬ضفتي‭ ‬نهر‭ ‬الأردن‭. 

أما‭ ‬اتفاقات‭ ‬اوسلو‭ ‬التي‭ ‬أقيمت‭ ‬بموجبها‭ ‬سلطة‭ ‬فلسطينية‭ ‬ووافقت‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تجري‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬مفاوضات‭ ‬على‭ ‬التسوية‭ ‬الدائمة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬احتلت‭ ‬في‭ ‬1967،‭ ‬ووفقًا‭ ‬لنص‭ ‬الاتفاقات‭ ‬على‭ ‬القدس‭ ‬أيضًا،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تنهي‭ ‬‮«‬الخيار‭ ‬الأردني‮»‬،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬وبشكل‭ ‬مفاجئ‭ ‬عاد‭ ‬وانبعث‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬حين‭ ‬بث‭ ‬الروح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬أولئك‭ ‬المعارضون‭ ‬لخروج‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬أو‭ ‬الراغبون‭ ‬فيه‭. ‬وللأسف‭ ‬فإن‭ ‬جزءًا‭ ‬مهمًا‭ ‬من‭ ‬الليبراليين‭ ‬ممن‭ ‬يتبنون‭ ‬فكرة‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬يهودا‭ ‬والسامرة‭ ‬رأوا‭ ‬في‭ ‬الأردن‭ ‬ـ‭  ‬الذي‭ ‬توجد‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬حال‭ ‬أغلبية‭ ‬سكانية‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬فلسطيني‭ ‬ـ‭  ‬البديل‭ ‬عن‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬يهودا‭ ‬والسامرة‭. ‬فانطلاقًا‭ ‬من‭ ‬الفهم‭ ‬بأن‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬لن‭ ‬يهاجروا‭ ‬طوعًا،‭ ‬ورغبة‭ ‬في‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬خلق‭ ‬سكان‭ ‬عديمي‭ ‬الحقوق‭ ‬السياسية‭ ‬الكاملة‭ ‬تحت‭ ‬حكم‭ ‬إسرائيلي،‭ ‬طرحت‭ ‬هذه‭ ‬المحافل‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬السكان‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬يهودا‭ ‬والسامرة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصوتوا‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬في‭ ‬الأردن‭ ‬وأن‭ ‬يترشحوا‭ ‬فيها‭. 

لقد‭ ‬حرك‭ ‬الفشل‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬كامل‭ ‬ومتفق‭ ‬عليه‭ ‬على‭ ‬المستقبل‭ ‬السياسي‭ ‬ليهودا‭ ‬والسامرة‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬والفلسطينيين،‭ ‬حرك‭ ‬الذين‭ ‬يتبنون‭ ‬فكرة‭ ‬فك‭ ‬ارتباط‭ ‬إسرائيل‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬بديل،‭ ‬وأحد‭ ‬هذه‭ ‬البدائل‭ ‬هو‭ ‬عودة‭ ‬الأردن‭ ‬ليتولى‭ ‬دورًا‭ ‬فاعلافي‭ ‬إدارة‭ ‬شؤون‭ ‬تلك‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تخليها‭ ‬إسرائيل‭. ‬هؤلاء‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬وغيرهم‭ ‬ممن‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬يأملون‭ ‬بأن‭ ‬يوفر‭ ‬الأردن‭ ‬بديلاً‭ ‬لدولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬أو‭ ‬يشكل‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تلبي‭ ‬مطالب‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬يهودا‭ ‬والسامرة‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬السياسي،‭ ‬مصابون‭ ‬بالأوهام‭. 

لم‭ ‬يعبر‭ ‬خطاب‭ ‬الملك‭ ‬في‭ ‬1988‭ ‬عن‭ ‬خيبة‭ ‬أمل‭ ‬من‭ ‬رفض‭ ‬إسرائيل‭ ‬تبني‭ ‬الاتفاق‭ ‬الذي‭ ‬توصل‭ ‬هو‭ ‬إليه‭ ‬مع‭ ‬شمعون‭ ‬بيرس‭ (‬ومندوبي‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭) ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬عكس‭ ‬أيضًا‭ ‬الفهم‭ ‬ـ‭  ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬متأخرًا‭ ‬ـ‭  ‬لأنه‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬يريد‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬الهاشمي‭ ‬في‭ ‬الأردن،‭ ‬فإنه‭ ‬ملزم‭ ‬بأن‭ ‬يفك‭ ‬ارتباطه‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬مسؤولية‭ ‬سلطوية‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬يهودا‭ ‬والسامرة،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬القدس‭. ‬وفي‭ ‬معاهدة‭ ‬السلام‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬والأردن‭ (‬1994‭) ‬يشار‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬9‭ (‬2‭) ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬‭….‬إسرائيل‭ ‬تحترم‭ ‬وتقدر‭ ‬عاليًا‭ ‬الدور‭ ‬الخاص‭ ‬القائم‭ ‬للمملكة‭ ‬الأردنية‭ ‬الهاشمية‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬الإسلامية‭ ‬المقدسة‭ ‬في‭ ‬القدس‮»‬‭…‬،‭ ‬دون‭ ‬تعريف‭ ‬أو‭ ‬تفصيل‭ ‬للدور‭ ‬أو‭ ‬أيضاح‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الإماكن‭ ‬باستثناء‭ ‬الحرم‭ ‬الشريف‭. ‬إذ‭ ‬ليس‭ ‬بخلاف‭ ‬هذا‭ ‬القول‭ ‬أي‭ ‬موقف‭ ‬آخر‭ ‬لمكانة‭ ‬أو‭ ‬دور‭ ‬الأردن‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬احتلتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬1967‭. ‬أما‭ ‬الفهم‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وربما‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ممن‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬الأردن‭ ‬الوطن‭ ‬البديل‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬زيادة‭ ‬نسبة‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬بين‭ ‬السكان‭ ‬الأردنيين،‭ ‬وكنتيجة‭ ‬لذلك‭ ‬المطالب‭ ‬المحتملة‭ ‬لتوفير‭ ‬تعبير‭ ‬سياسي‭: ‬دستوري‭ ‬لهذه‭ ‬الأغلبية‭ ‬ـ‭  ‬فهو‭ ‬فهم‭ ‬يقض‭ ‬مضاجع‭ ‬ملوك‭ ‬الأردن‭ ‬الهاشميين‭. ‬وانطلاقًا‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬بهذا‭ ‬الواقع‭ ‬الأردني‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬السلوك‭ ‬العام‭ ‬للمملكة‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬المواضيع،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬تلك‭ ‬المتعلقة‭ ‬بموقف‭ ‬الأردن‭ ‬من‭ ‬المسألة‭ ‬الفلسطينية‭. ‬وجاء‭ ‬رد‭ ‬وزيرة‭ ‬الإعلام‭ ‬الأردنية‭ ‬على‭ ‬السؤال‭ ‬المتعلق‭ ‬في‭ ‬التقرير‭ ‬بأن‭ ‬أبو‭ ‬مازن‭ ‬قال‭ ‬للإسرائيليين‭ ‬ممن‭ ‬التقاهم‭ ‬مؤخرًا‭ ‬إن‭ ‬رجال‭ ‬الفريق‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬يعنى‭ ‬باستئناف‭ ‬المفاوضات‭ ‬طرح‭ ‬عليهم‭ ‬فكرة‭ ‬الكونفيدرالية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الإسرائيلية‭.. ‬لا‭ ‬يترك‭ ‬مجالاللشك‭ ‬بالنسبة‭ ‬لموقف‭ ‬الأردن‭: ‬الموضوع‭ ‬مغلق،‭ ‬وليس‭ ‬مطروحًا‭ ‬للبحث،‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬حق‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬خاصة‭ ‬بهم‭. ‬

‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬الموقف‭ ‬الذي‭ ‬أعرب‭ ‬عنه‭ ‬أبو‭ ‬مازن‭ ‬أكثر‭ ‬ذكاء،‭ ‬بل‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭ ‬جدوى؛‭ ‬فهو‭ ‬لم‭ ‬يرفض‭ ‬الفكرة،‭ ‬وقال‭ ‬إنه‭ ‬سيكون‭ ‬معنيًا‭ ‬بها‭ ‬وبانضمام‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬الكونفيدرالية‭. ‬وأوضح‭ ‬الناطق‭ ‬بلسانه،‭ ‬نبيل‭ ‬أبو‭ ‬ردينة،‭ ‬أن‭ ‬الفكرة‭ ‬موجودة‭ ‬على‭ ‬جدول‭ ‬أعمال‭ ‬القيادة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬منذ‭ ‬1984،‭ ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬إطار‭ ‬يكمل‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭. ‬يقال‭ ‬إن‭ ‬عرفات‭ ‬نفسه‭ ‬أيضًا‭ ‬لم‭ ‬يرفض‭ ‬فكرة‭ ‬الكونفيدرالية‭ ‬الأردنية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬ولكنه‭ ‬أضاف‭ ‬بأنها‭ ‬ستتحقق‭ ‬بعد‭ ‬لحظة،‭ ‬وليس‭ ‬قبل‭ ‬إقامة‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭. ‬لم‭ ‬يصدر‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬أي‭ ‬رد‭ ‬رسمي‭ ‬علني‭ ‬إسرائيلي‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الكونفيدرالية‭ ‬ثنائية‭ ‬البعد‭ ‬أم‭ ‬ثلاثية‭ ‬البعد،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نشرح‭ ‬غيابه‭ ‬بالرغبة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بالامتناع‭ ‬عن‭ ‬الاحتكاك‭ ‬بالأردن،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضًا‭ ‬بالرغبة‭ ‬عن‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬التزام‭ ‬أو‭ ‬تعهد‭ ‬بفكرة‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬يرون‭ ‬فيها‭ ‬شرطًا‭ ‬مسبقًا‭ ‬لموافقتهم‭ ‬على‭ ‬الكونفيدرالية‭. 

إذا‭ ‬كان‭ ‬تقرير‭ ‬أبو‭ ‬مازن‭ ‬عن‭ ‬الاقتراح‭ ‬الأمريكي‭ ‬دقيقًا،‭ ‬مثلما‭ ‬هي‭ ‬تقارير‭ ‬محادثيه‭ ‬الإسرائيليين،‭ ‬فثمة‭ ‬أسئلة‭ ‬تثور‭: ‬هو‭ ‬هل‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬الاقتراح‭ ‬الأمريكي‭ ‬بأن‭ ‬الحديث‭ ‬يدور‭ ‬عن‭ ‬كيانين‭ ‬مستقلين؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬الفهم‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬تحفظ‭ ‬أبو‭ ‬مازن‭ ‬على‭ ‬الفكرة‭ ‬بأن‭ ‬البنود‭ ‬الأخرى‭ ‬للخطة،‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬القدس‭ ‬مثلاً،‭ ‬مقبولة؟‭ ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬علاقات‭ ‬أبو‭ ‬مازن‭ ‬المتوترة‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬وإدارته‭ ‬يثور‭ ‬السؤال‭: ‬لماذا‭ ‬يكشف‭ ‬هذا‭ ‬التفصيل‭ ‬المهم‭ ‬من‭ ‬الخطة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الآن‭ ‬تحديدًا؟‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ممكنًا‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬من‭ ‬التقرير‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬قد‭ ‬فكروا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فكرة‭ ‬الكونفيدرالية‭ ‬‮«‬دست‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الفريق‭ ‬الأمريكي‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬مسألة‭ ‬السيادة‭! ‬أما‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬حماس‭ ‬وحركة‭ ‬الأخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬الأردنيين‭ ‬فتفيد‭ ‬بأنهم‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬الفكرة‭ ‬الأمريكية‭ ‬مسًا‭ ‬بحل‭ ‬الدولتين‭. ‬

فضلاعن‭ ‬المسألة‭ ‬المركزية‭ ‬من‭ ‬المكانة‭ ‬السياسية‭  ‬ـ‭  ‬القانونية‭ ‬للطرف‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬الحل‭ ‬الأمريكي‭ ‬المقترح،‭ ‬تنبغي‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النموذج‭ ‬الثلاثي‭ ‬يمنح‭ ‬إمكانية‭ ‬لـ‭ ‬‮«‬حلول‭ ‬ابداعية‮»‬‭ ‬لمواضيع‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومجالات‭ ‬الطاقة‭ ‬أو‭ ‬المياه‭. ‬وعلى‭ ‬أي‭ ‬حال،‭ ‬فإن‭ ‬للحلول‭ ‬الإقليمية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬أفضلية‭. ‬يحتمل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الإطار‭ ‬الإقليمي‭  ‬ـ‭  ‬الكونفيدرالي‭ ‬يسمح‭ ‬بحلول‭ ‬تتضمن‭ ‬تنازلات‭ ‬عن‭ ‬علائم‭ ‬السيادة‭ ‬في‭ ‬صالح‭ ‬الكونفيدرالية‭. 

بينما‭ ‬تبدو‭ ‬عودة‭ ‬الأردن‭ ‬لأداء‭ ‬دور‭ ‬سلطوي‭ ‬عملي‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬اليوم‭ ‬أمرًا‭ ‬عبثيًا،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬استبعاد‭ ‬إمكانية‭ ‬مشاركة‭ ‬أردنية‭ ‬مستقبلية‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬بعض‭ ‬العناصر‭ ‬للنزاع‭ ‬الإسرائيلي‭  ‬ـ‭  ‬الفلسطيني‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منح‭ ‬الغلاف‭ ‬السياسي‭  ‬ـ‭  ‬القانوني،‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬لإسرائيل‭ ‬وللفلسطينيين‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬قبول‭ ‬حلول‭ ‬تتجاوز‭ ‬الكبرياء‭ ‬الوطنية‭. ‬

عوديد‭ ‬عيران

‭ ‬نظرة‭ ‬عليا‭ ‬9/9/2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية