معروف‭ ‬الرصافي‭ ‬والزمن‭ ‬الجميل‭ ‬في‭ ‬العراق

مثلت‭ ‬شخصية‭ ‬وشعر‭ ‬الشاعر‭ ‬العراقي‭ ‬العربي‭ ‬معروف‭ ‬عبدالغني‭ ‬محمود‭ ‬الجباري،‭ ‬الملقب‭ ‬بالرصافي‭ ‬جميع‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الفكرية‭ ‬التي‭ ‬عصفت‭ ‬بالمجتمع‭ ‬العراقي‭ ‬في‭ ‬عهده،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الرصافي‭ ‬الشاعر‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬السياسي‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬مثقفا‭ ‬ولغويا‭ ‬متبحرا‭ ‬وكاتبا‭ ‬للرواية‭ ‬ومناضلا‭ ‬سياسيا،‭ ‬ومن‭ ‬كبار‭ ‬المنادين‭ ‬بالإصلاح‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬والتمسك‭ ‬بالعلم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أوجه‭ ‬الحياة،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬الضعفاء‭ ‬والمساواة‭ ‬في‭ ‬الحقوق‭ ‬والاستقلال،‭ ‬فلا‭ ‬عجب‭ ‬أنه‭ ‬يعتبر‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬يمثل‭ ‬الثقافة‭ ‬العراقية‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬والعربية‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬بكل‭ ‬جوانبهما‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬

ولد‭ ‬شاعرنا‭ ‬لأسرة‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬الفقر‭ ‬في‭ ‬محلة‭ ‬‮«‬القره‭ ‬غول‮»‬‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬عام‭ ‬1875‭ ‬لأب‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬عريفا‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬العثماني،‭ ‬وأم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬سوى‭ ‬هذا‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬بالكاد‭ ‬يعرف‭ ‬والده‭ ‬الكثير‭ ‬التغيب،‭ ‬وهذه‭ ‬العلاقة‭ ‬القوية‭ ‬بأمه‭ ‬الأمية‭ ‬الفقيرة،‭ ‬جعلته‭ ‬مدافعا‭ ‬صلبا‭ ‬عن‭ ‬المرأة،‭ ‬وكونه‭ ‬الطفل‭ ‬الوحيد‭ ‬لأبويه‭ ‬جعله‭ ‬يقاتل‭ ‬معاركه‭ ‬طوال‭ ‬حياته‭ ‬بمفرده،‭ ‬فلم‭ ‬ينضم‭ ‬يوما‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬تنظيم‭ ‬سياسي‭ ‬ولم‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يتبعه‭.‬

شهرة الرصافي بدأت عندما أخذ ينشر قصائده في أشهر الصحف الأدبية آنذاك مثل «المقتبس» و«المؤيد» و«المقتطف» فجذب إليه الأنظار في العالم العربي

وقد‭ ‬اهتمت‭ ‬الأم‭ ‬بتعليم‭ ‬ابنها،‭ ‬الذي‭ ‬انتقل‭ ‬من‭ ‬مدرسة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬حتى‭ ‬انتهى‭ ‬به‭ ‬المطاف‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬أشهر‭ ‬أعلام‭ ‬الثقافة‭ ‬العراقية‭ ‬آنذاك‭ ‬محمود‭ ‬شكري‭ ‬الآلوسي،‭ ‬الذي‭ ‬لاحظ‭ ‬تميز‭ ‬تلميذه‭. ‬وكان‭ ‬ظنه‭ ‬في‭ ‬محله،‭ ‬فقد‭ ‬برع‭ ‬الرصافي‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬مبكرا،‭ ‬وبرز‭ ‬بصورة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العربي،‭ ‬وبعد‭ ‬انهائه‭ ‬الدراسة‭ ‬عين‭ ‬مدرسا‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬الإعدادية‭ ‬الرسمية‭. ‬ولكن‭ ‬شهرة‭ ‬الرصافي‭ ‬بدأت‭ ‬عندما‭ ‬أخذ‭ ‬ينشر‭ ‬قصائده‭ ‬في‭ ‬أشهر‭ ‬الصحف‭ ‬الأدبية‭ ‬آنذاك‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬المقتبس‮»‬‭ ‬و‮»‬المؤيد‮»‬‭ ‬و»المقتطف‮»‬‭ ‬فجذب‭ ‬إليه‭ ‬الأنظار‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬واعتقد‭ ‬بعض‭ ‬مشاهير‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬حينها،‭ ‬مثل‭ ‬بشارة‭ ‬الخوري‭ (‬الأخطل‭ ‬الصغير‭) ‬ونعوم‭ ‬لبكي‭ (‬والد‭ ‬الشاعر‭ ‬صلاح‭ ‬لبكي‭) ‬أن‭ ‬الرصافي‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬اسما‭ ‬مستعارا‭ ‬لأديب‭ ‬عربي‭ ‬كبير‭ ‬وليس‭ ‬لشاب‭ ‬يافع‭ ‬من‭ ‬بغداد‭.‬

وكانت‭ ‬إعادة‭ ‬العمل‭ ‬بالدستور‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬عام‭ ‬1908‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الرصافي،‭ ‬فقد‭ ‬سيطرت‭ ‬جمعية‭ ‬الاتحاد‭ ‬والترقي‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية،‭ ‬وحاولت‭ ‬كسب‭ ‬تأييد‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الإمبراطورية‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬أساليبها‭ ‬الدعائية‭ ‬إصدار‭ ‬جريدة‭ ‬عربية‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬ترأس‭ ‬تحريرها‭ ‬الرصافي‭ ‬نفسه،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬مشاهير‭ ‬دعاة‭ ‬التحرر‭ ‬الثقافي،‭ ‬بل‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬طالب‭ ‬بإزاحة‭ ‬النظام‭ ‬العثماني‭ ‬الملكي،‭ ‬واستبداله‭ ‬بالنظام‭ ‬الجمهوري‭ ‬حيث‭ ‬قال‭:‬

يا‭ ‬أمة‭ ‬رقدت‭ ‬فطال‭ ‬رقادها

هبي‭ ‬وفي‭ ‬أمر‭ ‬الملوك‭ ‬تأملي‭ ‬

إن‭ ‬الحكومة‭ ‬وهي‭ ‬جمهورية

كشفت‭ ‬عماية‭ ‬قلب‭ ‬كل‭ ‬مضلل

نشر‭ ‬الرصافي‭ ‬أول‭ ‬ديوان‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬عام‭ ‬1910‭ ‬بنجاح‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬ثم‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬إسطنبول‭ ‬لتولي‭ ‬رئاسة‭ ‬تحرير‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬سبيل‭ ‬الرشاد‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬ضمت‭ ‬العراقيين‭ ‬جميل‭ ‬صدقي‭ ‬الزهاوي‭ ‬وفهمي‭ ‬المدرس،‭ ‬وهما‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب،‭ ‬كما‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تدريس‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬أبرز‭ ‬المراكز‭ ‬الأكاديمية‭ ‬في‭ ‬عصره،‭ ‬وتربع‭ ‬على‭ ‬عرش‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬إسطنبول،‭ ‬وقد‭ ‬نشرت‭ ‬محاضراته‭ ‬هناك‭ ‬كاملة‭. ‬واستمر‭ ‬بروزه‭ ‬حتى‭ ‬رشح‭ ‬بنجاح‭ ‬لمجلس‭ ‬المبعوثان‭ (‬البرلمان‭) ‬عام‭ ‬1912‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬جميل‭ ‬الزهاوي‭ ‬وفهمي‭ ‬المدرس‭ ‬وعبدالمحسن‭ ‬السعدون‭ ‬وفيصل‭ ‬بن‭ ‬الحسين‭ (‬ملك‭ ‬العراق‭ ‬لاحقا‭). ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬شهر‭ ‬العسل‭ ‬لم‭ ‬يدم‭ ‬طويلا،‭ ‬فعندما‭ ‬أظهر‭ ‬الاتحاديون‭ ‬عداءهم‭ ‬للعرب‭ ‬انتفض‭ ‬الرصافي‭ ‬ضدهم‭ ‬بكل‭ ‬شجاعــة‭ ‬وأظهر‭ ‬عداءه‭ ‬لهم‭. ‬

وبعد‭ ‬خسارة‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ (‬1914‭ ‬ـ‭ ‬1918‭) ‬واحتلال‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬بريطانيا،‭ ‬انتقل‭ ‬الرصافي‭ ‬إلى‭ ‬بلده‭ ‬ليتغير‭ ‬محط‭ ‬اهتمامه‭ ‬نحو‭ ‬العراق،‭ ‬ويدخل‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬جديدة،‭ ‬وهي‭ ‬اختيار‭ ‬ملك‭ ‬للعراق،‭ ‬وتبنى‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬العراق‭ ‬للعراقيين‮»‬‭ ‬ما‭ ‬أكسبه‭ ‬هذا‭ ‬عداء‭ ‬فيصل‭ ‬بن‭ ‬الحسين،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬حجازيا‭ ‬واصبح‭ ‬أول‭ ‬ملك‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ ‬فيصل‭ ‬الأول،‭ ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬الرصافي‭ ‬اعترف‭ ‬بالأمر‭ ‬الواقع‭ ‬لاحقا،‭ ‬ورحب‭ ‬بفيصل‭ ‬ملكا‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬بعد‭ ‬توليه‭ ‬العرش،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬فيصل‭ ‬الأول‭ ‬لم‭ ‬ينس‭ ‬موقف‭ ‬الرصافي‭ ‬بسهولة،‭ ‬وناصبه‭ ‬العداء‭. ‬وعندما‭ ‬اشتدت‭ ‬أزمة‭ ‬الرصافي‭ ‬المالية‭ ‬واضطر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يلجأ‭ ‬إلى‭ ‬الوظيفة‭ ‬الحكومية‭ ‬عينته‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬نائبا‭ ‬لرئيس‭ ‬لجنة‭ ‬الترجمة‭ ‬والتعريب‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬المعارف،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬رئيس‭ ‬لهذه‭ ‬اللجنة،‭ ‬متجاهلة‭ ‬مكانته‭ ‬الأدبية‭. ‬ولم‭ ‬يستطع‭ ‬الرصافي‭ ‬المكوث‭ ‬فيها‭ ‬طويلا،‭ ‬فحاول‭ ‬دخول‭ ‬انتخابات‭ ‬المجلس‭ ‬التأسيسي،‭ ‬ٳلا‭ ‬أنه‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬مسعاه‭. ‬ونلاحظ‭ ‬هنا‭ ‬الطريقة‭ ‬العراقية‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأعداء‭ ‬السياسيين‭ ‬آنذاك،‭ ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬معاداة‭ ‬الطبقة‭ ‬الحاكمة‭ ‬العراقية‭ ‬للرصافي،‭ ‬فكل‭ ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬كان‭ ‬ازعاجه‭ ‬ماليا‭ ‬وسياسيا،‭ ‬ولم‭ ‬تعتقله‭ ‬أو‭ ‬تغتاله‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الرصافي‭ ‬داعيا‭ ‬للعنف‭ ‬أو‭ ‬المؤامرات‭ ‬السرية،‭ ‬فكل‭ ‬طرف‭ ‬كان‭ ‬يحترم‭ ‬حدوده‭ ‬ويتبع‭ ‬التقاليد‭ ‬العراقية‭. ‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬نتيجة‭ ‬إزعاجات‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬له‭ ‬سوى‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬غضبه‭ ‬نحوها،‭ ‬فعندما‭ ‬زار‭ ‬الكاتب‭ ‬والأديب‭ ‬والسياسي‭ ‬اللبناني‭ ‬امين‭ ‬الريحاني‭ ‬بغداد‭ ‬وهو‭ ‬صديق‭ ‬مقرب‭ ‬للرصافي،‭ ‬ألقى‭ ‬الأخير‭ ‬قصيدة‭ ‬اعتبرت‭ ‬الأروع‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬السياسي‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬عندما‭ ‬قال‭:‬

أأمين‭ ‬جئت‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬لكي‭ ‬ترى

ما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬غرر‭ ‬العلي‭ ‬وحجوله

عفوا‭ ‬فذاك‭ ‬النجم‭ ‬أصبح‭ ‬آفلا

والقوم‭ ‬محتربون‭ ‬بعد‭ ‬أفوله‭ ‬

أحس‭ ‬الرصافي‭ ‬بشدة‭ ‬عداء‭ ‬الملك‭ ‬فيصل‭ ‬له،‭ ‬وكان‭ ‬على‭ ‬فيصل‭ ‬الأول‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الخلاف،‭ ‬وهو‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭. ‬وقد‭ ‬ذكر‭ ‬الرصافي‭ ‬هذا‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬إلى‭ ‬فيصل،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬الخلاف‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أصبح‭ ‬شخصيا،‭ ‬وأن‭ ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬الرصافي‭ ‬ويعطيه‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الحكومي،‭ ‬وهو‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬وأعلى‭ ‬شأنا‭ ‬من‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬وزراء‭ ‬فيصل،‭ ‬ثقافة‭ ‬وتاريخا‭ ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬طائل‭. ‬وشعر‭ ‬الرصافي‭ ‬بالغبن‭ ‬وهاجم‭ ‬فيصل‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مناسبات‭.‬

ولم‭ ‬ينج‭ ‬نوري‭ ‬السعيد‭ ‬الشخصية‭ ‬الوطنية‭ ‬بدوره‭ ‬من‭ ‬هجاء‭ ‬الرصافي‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬فيه‭:‬

إن‭ ‬نوري‭ ‬السعيد‭ ‬قد‭ ‬كان‭ ‬قبلا

آدميا‭ ‬فصار‭ ‬بالمسخ‭ ‬قردا

المفاجاة‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬الملك‭ ‬فيصل‭ ‬الأول‭ ‬غير‭ ‬رأيه‭ ‬تجاه‭ ‬الرصافي‭ ‬بعد‭ ‬وساطة‭ ‬من‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬آنذاك‭ ‬عبد‭ ‬المحسن‭ ‬السعدون‭ ‬ودعم‭ ‬ترشيحه‭ ‬لمجلس‭ ‬النواب،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬عام‭ ‬1928‭ ‬فدخله‭ ‬وبقي‭ ‬في‭ ‬المجلس‭ ‬حتى‭ ‬1939‭.‬

وعندما‭ ‬زار‭ ‬السياسي‭ ‬السوري‭ ‬عادل‭ ‬أرسلان‭ ‬بغداد‭ ‬عام‭ ‬1930‭ ‬وقرر‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬آنذاك‭ ‬ياسين‭ ‬الهاشمي‭ ‬إقامة‭ ‬حفل‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬سينما‭ ‬‮«‬رويال‮»‬‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الرصافي‭ ‬لم‭ ‬يستلم‭ ‬أي‭ ‬دعوة‭ ‬لحضور‭ ‬الحفل،‭ ‬وحدث‭ ‬أثناء‭ ‬جلوسه‭ ‬مع‭ ‬الشاعر‭ ‬الشعبي‭ ‬عبود‭ ‬الكرخي‭ ‬وبديوي‭ ‬الحاج‭ ‬رحومي‭ ‬في‭ ‬منزله‭ ‬أن‭ ‬دخل‭ ‬شفيق‭ ‬نوري‭ ‬السعيدي،‭ ‬وسلم‭ ‬وجلس،‭ ‬وكلم‭ ‬الرصافي‭ ‬والكرخي‭ ‬قائلا‭ ‬‮«‬ٳن‭ ‬ياسين‭ ‬الهاشمي‭ ‬يعتذر‭ ‬لعدم‭ ‬إيصال‭ ‬بطاقتي‭ ‬الدعوة‭ ‬لكما،‭ ‬وهو‭ ‬يدعوكما‭ ‬للحضور‭ ‬الآن‮»‬،‭ ‬فرفض‭ ‬الرصافي‭ ‬وسكت‭ ‬الكرخي،‭ ‬فعندها‭ ‬كرر‭ ‬شفيق‭ ‬الكلام‭ ‬والتمس‭ ‬من‭ ‬الرصافي‭ ‬تلبية‭ ‬الدعوة‭ ‬فرفض‭ ‬ثانية‭ ‬وبإصرار‭. ‬فعاد‭ ‬شفيق‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أتى‭. ‬وبعد‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭ ‬أتى‭ ‬ياسين‭ ‬الهاشمي‭ ‬بنفسه‭ ‬وهو‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة،‭ ‬ومعه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬إلى‭ ‬دار‭ ‬الرصافي‭ ‬ودعاهما‭ ‬لحضور‭ ‬الحفلة‭ ‬معتذرا‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬وصول‭ ‬الدعوتين‭. ‬وعند‭ ‬ذلك‭ ‬وافقا‭ ‬على‭ ‬الحضور‭ ‬ولما‭ ‬وصل‭ ‬الرصافي‭ ‬والكرخي‭ ‬وبديوي،‭ ‬ٳلى‭ ‬مكان‭ ‬الحفلة‭ ‬وجدوا‭ ‬القاعة‭ ‬مليئة‭ ‬بالمدعوين‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬مقعد‭ ‬شاغر،‭ ‬فأحضرت‭ ‬لهم‭ ‬الكراسي‭ ‬وصُفت‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬الشاشة‭ ‬وألقى‭ ‬الرصافي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المناسبة‭ ‬قصيدة‭ ‬ارتجالية‭ ‬رائعة،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬كتم‭ ‬غضبه‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬استلامه‭ ‬بطاقة‭ ‬الدعوة‭ ‬فأنهاها‭ ‬بقوله‭:‬

يا‭ ‬عادلا‭ ‬كاسمه‭ ‬لا‭ ‬تنسَ‭ ‬مظلمتي‭     ‬عندي‭ ‬خصوم‭ ‬وما‭ ‬عندي‭ ‬لهم‭ ‬حكم‭ ‬

فدوى‭ ‬التصفيق‭ ‬زهاء‭ ‬ربع‭ ‬ساعة،‭ ‬وهو‭ ‬يشير‭ ‬بهذا‭ ‬البيت‭ ‬ٳلى‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬ياسين‭ ‬الهاشمي‭ ‬وينحي‭ ‬عليه‭ ‬باللائمة،‭ ‬لعدم‭ ‬توجيه‭ ‬الدعوة‭ ‬له‭ ‬مسبقا‭ ‬ليكون‭ ‬مستعدا‭ ‬أكثر‭ ‬ولو‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يقصر‭ ‬وان‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬حضر‭ ‬متأخرا‭. ‬

لم تكن السياسة سوى أحد اهتمامات الرصافي، فقد أهتم كثيرا باحوال الطبقات الفقيرة

ولم‭ ‬تكن‭ ‬السياسة‭ ‬سوى‭ ‬أحد‭ ‬اهتمامات‭ ‬الرصافي،‭ ‬فقد‭ ‬أهتم‭ ‬كثيرا‭ ‬باحوال‭ ‬الطبقات‭ ‬الفقيرة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬أشهر‭ ‬قصائده‭ ‬كانت‭ ‬عنهم‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬اليتيم‭ ‬في‭ ‬العيد‮»‬‭ ‬وكان‭ ‬تصويره‭ ‬لفقراء‭ ‬العراق‭ ‬نابضا‭ ‬بالحياة‭ ‬ودقيق‭ ‬الوصف‭ ‬وكم‭ ‬طالب‭ ‬بدعم‭ ‬الفقراء‭ ‬وتخفيف‭ ‬معاناتهم،‭ ‬وكان‭ ‬مطلع‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬اليتيم‭ ‬في‭ ‬العيد‮»‬‭:‬

لقيتها‭ ‬ليتني‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬ألقاها

تمشي‭ ‬وقد‭ ‬أثقل‭ ‬الٳملاق‭ ‬ممشاها

أثوابها‭ ‬رثة‭ ‬والرجل‭ ‬حافية

والدمع‭ ‬تذرفه‭ ‬في‭ ‬الخد‭ ‬عيناها

وكان‭ ‬الرصافي‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬المنادين‭ ‬بحرية‭ ‬المرأة‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬جميل‭ ‬صدقي‭ ‬الزهاوي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬سبقه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المضمار،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الزهاوي‭ ‬انسحب‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬عند‭ ‬مواجهته‭ ‬لمعارضة‭ ‬شديدة،‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬الزهاوي‭ ‬رجل‭ ‬مواجهات،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬الرصافي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬بدأ‭ ‬معركة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المضمار‭ ‬واستمر‭ ‬فيها‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تشجيع‭ ‬دراسة‭ ‬العلوم‭ ‬الحديثة،‭ ‬فقد‭ ‬دعا‭ ‬إليها‭ ‬بكل‭ ‬قواه‭ ‬وهاجم‭ ‬المحافظين‭ ‬الرجعيين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬ضد‭ ‬التقدم‭ ‬العلمي،‭ ‬حيث‭ ‬قال‭ ‬فيهم‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬قصائده‭ ‬عام‭ ‬1922‭:‬

ألم‭ ‬ترهم‭ ‬أمسوا‭ ‬عبيدا‭ ‬لأنهم

على‭ ‬الذل‭ ‬شبّوا‭ ‬في‭ ‬جحور‭ ‬ٳماء

وقال‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬ثانية‭ ‬كان‭ ‬مطلعها‭:‬

ابنو‭ ‬المدارس‭ ‬واستقصوا‭ ‬بها‭ ‬الأملا

حتى‭ ‬نطاول‭ ‬في‭ ‬بنيانها‭ ‬زحلا

وكبقية‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬للرصافي‭ ‬غزل‭ ‬ومنه‭ ‬ما‭ ‬يقول‭ ‬فيه‭:‬

هي‭ ‬غمازة‭ ‬اللحاظ‭ ‬لعوب

ذات‭ ‬دل‭ ‬ظريفة‭ ‬لحانها

وقد‭ ‬هاجم‭ ‬الرصافي‭ ‬التقاليد‭ ‬العشائرية‭ ‬بقسوة‭ ‬معتبرا‭ ‬إياها‭ ‬رموزا‭ ‬للتخلف،‭ ‬وانتقد‭ ‬قانون‭ ‬العشائر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬معمولا‭ ‬به‭ ‬آنذاك‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الخرافات‭ ‬الشعبية‭ ‬الكثيرة،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أنصار‭ ‬التفسير‭ ‬العلمي‭ ‬للحياة‭ ‬ولم‭ ‬يخفِ‭ ‬هذا‭. ‬وكدليل‭ ‬على‭ ‬ثقافته‭ ‬الواسعة‭ ‬وعمله‭ ‬الدؤوب‭ ‬فإن‭ ‬له‭ ‬تسعة‭ ‬عشر‭ ‬كتابا‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬واللغة‭ ‬والتاريخ،‭ ‬كان‭ ‬لبعضها‭ ‬شهرة‭ ‬واسعة‭ ‬ومن‭ ‬يدرس‭ ‬أعماله‭ ‬يكتشف‭ ‬أنها‭ ‬دراسات‭ ‬متعمقة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬والمجتمع‭ ‬العراقي‭ ‬بشكل‭ ‬أدبي‭ ‬ساحر‭. ‬كما‭ ‬ترك‭ ‬عددا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬الشخصية‭ ‬الممتعة‭. ‬وأود‭ ‬أن‭ ‬أخص‭ ‬بالذكر‭ ‬ٳحداها‭ ‬وكانت‭ ‬موجهة‭ ‬ٳلى‭ ‬الصحافي‭ ‬والرحالة‭ ‬العراقي‭ ‬يونس‭ ‬بحري،‭ ‬الذي‭ ‬لقب‭ ‬الرصافي‭ ‬بأمير‭ ‬الشعراء‭ ‬في‭ ‬جريدته‭ ‬‮«‬العقاب‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬رفض‭ ‬الرصافي‭ ‬اللقب‭ ‬محتجا‭ ‬بشدة‭ ‬ولم‭ ‬يقبل‭ ‬بأي‭ ‬لقب،‭ ‬واعتبر‭ ‬منح‭ ‬القابا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬عادة‭ ‬مصرية‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يستحبها‭.‬

ومما‭ ‬هو‭ ‬جدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أن‭ ‬الرصافي‭ ‬نتاج‭ ‬المجتمع‭ ‬العراقي‭ ‬المؤمن‭ ‬بتقاليد‭ ‬عريقة‭ ‬تطورت‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قرون‭ ‬عديدة‭ ‬لتميز‭ ‬الشخصية‭ ‬العراقية‭ ‬الخجولة‭ ‬والمؤدبة،‭ ‬التي‭ ‬تحترم‭ ‬العلم‭ ‬والسن،‭ ‬وأنتجت‭ ‬الثقافة‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سائدة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬الرصافي‭ ‬آخر‭ ‬معالمها‭ ‬تاركا‭ ‬فراغا‭ ‬ثقافيا‭ ‬هائلا،‭ ‬حيث‭ ‬تغيرت‭ ‬الثقافة‭ ‬العراقية‭ ‬بعده‭ ‬وفقدت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬خصوصيتها‭ ‬وتحولت‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬ممل‭ ‬لا‭ ‬طعم‭ ‬له‭. ‬

كانت‭ ‬متعة‭ ‬الرصافي‭ ‬الاختلاط‭ ‬بالأصدقاء‭ ‬وتبادل‭ ‬النكات‭ ‬معهم،‭ ‬وذكره‭ ‬الجميع‭ ‬خيرا‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يخفي‭ ‬واقعه‭ ‬المرير،‭ ‬حيث‭ ‬قضى‭ ‬سنواته‭ ‬الأخيرة‭ ‬مريضا‭ ‬في‭ ‬فقر‭ ‬مدقع‭ ‬ليموت‭ ‬عام‭ ‬1945‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬وضيع‭ ‬وهكذا‭ ‬يموت‭ ‬الأسود‭ ‬عندنا‭.‬

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية