قد يدخل الإنسان التاريخ نتيجة عمل كبير أو عمل خارق للعادة فيسجل اسمه في موسوعة غينيس. أو يخترق المُتعارف عليه في منظومة السلوك فيتسلل دون إذن إلى ثقافة الناس فيخلدونه.تتحدث الروايات في كامل البلاد العربية على أشخاص أشقياء يمارسون شقاواتهم على البسطاء من الناس ويتجاوزون المألوف، ومن بين هؤلاء علي الزئبق ودليلة، وأسود الزبد … وهناك من تولى أمر بعض الأقاليم في بلاد الشام وتونس رغم كونهم من شذاذ الآفاق.تحكي رواية عن دليلة الشاطرة في السرقة، وتحكي رواية أخرى عن سلمون الدمشقية المتمردة على العرف المحلي. كانت سلمون هذه قد انتهت قبل غيرها إلى حقيقة المجتمع الذي ألف الخمول في ظل ولاة عثمانيين مستهترين شغلهم الشاغل تحصيل الجباية وترويع الرعايا، كما فهمت أن المواطن يمكن أن يقتطع لنفسه شيئا من السلطة إذا أراد فرض إرادته على الإرادات الغائبة. فقررت أن تحتسي الخمر كالرجال وأن تتسلح بموسى كبعض الرجال وتنزل إلى الشارع تروع المارة بالتهديد كما يفعل الذين يتحررون من قيد العيب… إذ لا نص صريحا في حرابة المرأة.ربما استفادت سلمون من هذه الفجوة التشريعية، فكانت بذلك تخرج إلى الشارع سكرانة وتروع المارة في درب الصالحية الذين يزورون منها خوفا وتأففا. وفي يوم معلوم أغدقت على نفسها وبالغت في شربها فتطورت بالنتيجة جرعة العنف عندها فأخافت المارة في الدرب المذكور. انتشر الخبر في المدينة إلى غاية باب الوالي في قصر العظم، اغتاظ ساكن القصر من قليلة الحياء هذه، فخرج ينفر مزمجرا واعدا متوعدا ومن شدة الغضب انتعل فردة حذاء واحدة وامتطى جواده باحثا عنها في دروب المدينة… لم يجدها أهدر دمها. فقد هربت سلمون إذ سهل لها أصدقاؤها التسلل إلى بيروت حيث مكثت فترة من الزمن إلى أن تناسى الوالي تهديده فهو لا يختلف عنها في شيء، فهو يسكر وله سيف بتار ويهدد الناس كذلك ولا يقام عليه حد الحرابة أيضا.. فهو من حيث تجانس الفعل أخو سلمون في الرضاعة لكن الموقع الاجتماعي هو الذي يحدد التوصيف. اشتهرت سلمون في دمشق وصارت حديث النساء فانتبه النساجون ونسجوا قماشا سموه السلموني. فغدا لباسا رائجا واستمر في التاريخ به خلدت سلمون وذهب الوالي في حنايا التاريخ وربما يعود الفضل في ذكر هذا الوالي إلى سلطانة درب الصالحية ولابسات السلموني. لا أعرف هل كانت سلــــمون هذه يهودية أم لا. إلا أن عربدتها في شارع الصالحية تشبه إلى حد كبير ما تفعله إسرائيل الآن في بعض العواصم العربية… ولإسرائيل فينا علم نحن سائرون إليه.منصور بوليفة ـ تونس[email protected]