على مدى يومين وبواقع خمسة محاور من الدراسات والشهادات الروائية، إضافة إلى ثلاث جلسات نقدية وحفل افتتاح، وتجمع احتجاجي اختتمت قبل أيام فعاليات ملتقى الرواية العراقية الثالث ــ دورة محمود جنداري ــ الذي أقيم تحت شعار «الرواية العراقية.. الراهن والتحوّلات».
بداية لم يكن الملتقى اعتياديا، بل نظم في ظرف حرج وطارئ حتى أنه عد ملتقى التحدي، كونه عقد في ظروف تشهد البصرة ثورتها التي أطلق عليها ثورة الماء، فالمدينة شهدت تظاهرات واحتجاجات تطورت إلى مواجهات شبه مسلحة وعمليات إحراق للمؤسسات والمباني الحكومية والأحزاب وبعض القنصليات الأجنبية. وقد حتمت هذه الظروف على بعض المدعوين من الأدباء عدم الحضور لفرض حظر التجوال في المدينة، حتى أن حفل الافتتاح تم تأجيله من مساء الخميس إلى صباح الجمعة لإقامة وقفة احتجاج للأدباء المشاركين، باسم الأدباء العراقيين، عند تمثال الشاعر العراقي بدر شاكر السياب على ضفة شط العرب، ألقيت فيها كلمات اتحاد الأدباء العراقيين ووزارة الثقافة واتحاد الأدباء الكرد وبعض الأدباء الذين صدحوا بالحب للبصرة وشبابها.
حفل الافتتاح
حفل الافتتاح كانت أغلب الكلمات فيه إن لم تكن جميعها تضمنت إدانة واسعة للحكومتين المحلية والمركزية، مثلما كانت تحمل دعما واضحا ومباشرا للشباب الثائرين المطالبين بأبسط حقوقهم وهو الماء. وكان أول من تحدث باسم الملتقى الشاعر العراقي كاظم الحجاج، وكانت كلمته إدانة واضحة لما يحصل في البصرة مدينة الطيب والنخل والماء والنفط ودخانه، واعتبر أن كل الطوائف والقوميات الشيعية والسنية والكردية هي المسؤولة عن تدهور البلاد والعباد، وأن كلا منهم يعمل لطائفته وعائلته وزعيمه بقوة الدستور، فبسبب هؤلاء الشعب الشيعي في الوسط والجنوب جائع وعطشان، والشعب السني في شمال وغرب العراق مشرد ومهدم وجائع، وشعب الجبال عائد قريبا إلى ما كان عليه من فقر، ولا أمل لهذه الفئات العراقية الثلاث: الشيعة، السنة، والكرد، إلا بالعودة الحاسمة إلى عراقيتها القديمة تحت علم واحد.
وكانت كلمة وزير الثقافة فرياد راوندوزي التي ألقاها آوات حسن أمين قد أشارت إلى تلك الآصرة المحببة بين الشمال والجنوب، معتدا بتاريخ البصرة وأرضها الخصبة بالثقافة والأدباء والعلماء الكبار، وقال إن هذا الملتقى يعقد في ظروف صعبة وعصيبة. والمشاركون يتحدون السواد ففي الوقت الذي فيه شح للمياه الصالحة للشرب، يفكر الادباء برافد من روافد الثقافة من خلال مساهمة فعالة للباحثين الموجودين في العراق والروائيين العراقيين.
كذلك دعا الشاعر إبراهيم الخياط في كلمة اتحاد الأدباء والكتاب، أهالي البصرة إلى التمسك بمطالبهم لأنها مشروعة، فلا طلب أحق وأكثر مشروعية وشرعية ودستورية من توفير الماء الصالح للشرب. فيما ألقى الناقد علي حسن الفواز كلمة نيابة عن المشاركين قال فيها: وأنتم تلتقون اليوم عند جرح البصرة وعند محبتها ومحنتها، تحتفون بها وتشدّون أزرها وتشاطرونها أحلامها وأحزانها وقلقها وأسئلتها، فإن الجميع يروي حكاية البصرة حكاية الماء والعطش والنفط والكلام، ونكتب لها سرديات الآتي، نتدثر معها عند سوانح الحلم المذبوح، لكننا لا نبكيها، ولا نكتب لها المراثي، بل سنكون معها واقعيين جداً، ومسؤولين جداً، معها في التحدي والحرية والصبر والرفض والاحتجاج. اما رئيس اتحاد أدباء البصرة سلمان كاصد، فقد عاتب المقاطعين، أو الذين طالبوا بتأجيل الملتقى، وقال أنا أحترم اعتذار من اعتذر، لأنني مثلكم، ولكنني أتمنى أن أراهم وسط حشود المتظاهرين اليوم، على الرغم من أنني أعرف أنهم لن يمروا بالشارع المجاور للتظاهرات. وأضاف أن البصرة عطشى مصفرة الوجه محترقة ويصفق لاحتراقها البعض، لا يمكنني أن أتشفى بخزائن مكتبة أبي الخصيب ولا وجه بناية محافظة البصرة، فهذه ليست ملكاً لأحد فيها، إنها ملكنا جميعا. وعاتب أيضا بعض أدباء البصرة الذين عبّروا عن امتعاضهم من إقامة الملتقى في مثل هذه الظروف التي تمر بها المدينة، وقال لهم ألستم أصحاب الجدل المعتزلي، حاوروا، جادلوا حتى تنشف الشفاه من الكلام مثلما نشفت الشفاه من قلة الماء. ألستم أنتم من صنع منطق الشعر وأرسى القواعد، اكتبوا إذن قواعد جديدة للاحتجاج. البصرة تريد روحاً جديدة كروح علي حينما احتكم للحق، فهي أول الخطابات وأول المقامات وأول الحكايات وأول الحروب وأول الخلال، ولكنها أول الحرائق.
الفعاليات
بداية تم افتتاح معرض تشكيلي بعنوان (رحلة اللون والتحدي) للفنان عادل فاضل الإبراهيمي، وضم أكثر من 20 لوحة. ليبدأ الملتقى ومحاوره، التي تضمنت واقع الرواية العراقية في راهنها وتحوّلاتها، وفاعلية الأجناس السردية والرواية النسوية، ورواية الرحلات، والرواية والسينما، فضلاً عن الاحتفاء بسيرة ومنجز الروائي العراقي الراحل محمود جنداري، ومحور الرواية العراقية ما بعد التغيير. ومن الأسماء المشاركة عبد الكريم يحيى الزيباري بدراسته عن الرواية الكردية، ورواية الأقليات في العراق. والناقد جميل الشبيبي بورقته (ملامح عامة في الرواية العراقية). وحامد عبد الحسين حميدي (الرواية العراقية في الخارج). وزهير الجبوري (مهدي عيسى الصقر روائياً). وكذلك مقداد مسعود (الرواية البصرية النسوية). وأيضا كانت هناك قراءتان للقاص محمد خضير والناقد بشير حاجم عن المحتفى به القاص والروائي محمود جنداري، وأيضا كان محور عن الرواية النسوية شاركت فيه نادية هناوي، والناقد عبد الغفار العطوي وأيضا الناقد عبد علي حسن وآخرون، فيما قرأ الشهادات الروائية خضير فليح الزيدي ووارد بدر السالم ومحمد علوان جبر وبلقيس خالد وعيسى عبد الملك.
بيان الختام
وقرأ الروائي عبد الستار البيضاني في ختام الفعاليات البيان الختامي باسم المشاركين حيث اعتبر أن انتظام أعمال الملتقى في هذه الظروف يمثل وعيا عاليا بالمسؤولية الثقافية وتحديا لواقعها وتداعياتها، وإصرارا على أهمية حضور المثقف العراقي في اللحظة الوجودية الفارقة، للتعبير عن الانتماء والوفاء والالتزام، وفي الدفاع عن الحق في الحرية والعيش الكريم، وتضامنا مع أدباء محافظة البصرة الذين أصروا على انعقاد هذا الملتقى، إيمانا منهم بأن المثقف البصري والمثقف العراقي بشكل عام، هما صنّاع أسئلة وهما في الواجهة دائماً لاستشراف مستقبل عراقي يضع نصب العين الثقافة صناعة وإبداعاً وموقفاً وتأسيساً لرفد مسيرة التقدم والبناء الديمقراطي، ودعماً لكل مطالب البصريين في تظاهراتهم السلمية، وفي سعيهم لحياة آمنة كريمة في مدينة كانت عنواناً تاريخياً للتطوّر والرقي والعمران والاجتماع والمعرفة.