د. ريتا فرج لم يحدث في التاريخ العربي الحديث أن دخلت المسيحية الشرقية في هواجس وجودية كما هي حالها اليوم، بعد أن أنتج المعطى العراقي إثر الغزو الامريكي لبلاد الرافدين، تحولاً خطيراً في إفراغ الشرق من تعدده الديني، الذي طالما شكل رافداً من روافد التثاقف والحوار بين أبناء الديانات التوحيدية، وإن شهدت في بعض محطاتها التاريخية لمحات من العنف السياسي وليس الديني. وفي الوقت الذي ينعقد فيه سينودس الشرق الأوسط للبحث في حال ومآل المسيحيين، الذين تتناقص أعدادهم لأسباب شديدة التشابك، على وقع نزف الهجرة، وتبدل خارطة انتشارهم الجغرافية في عالم عربي يغزوه التوتر والصراع السياسي والمذهبي، وغرب اعتمد في سياساته الخارجية على استنزاف شعوب المنطقة وأنظمتها الرخوة، لا يبدو أن النتائج المنتظرة من الفاتيكان ستصل الى النتائج المطلوبة. الخطوط العريضة التي أشارت اليها ورقة عمل السينودس تحمل عناوين متعددة، ولكن هاجسها الأساسي يتمحور حول هجرة المسيحيين من الشرق الأوسط؛ هجرة تدل على مؤشرات مفصلية، سواء في العراق أم في فلسطين المحتلة أم في مصر أم في لبنان. وإذا قاربنا الأرقام من الواقع السياسي المأزوم، أقله منذ أحداث 1860، وما تبعها من انفجارات، لعل أخطرها قيام دولة إسرائيل عام 1948، وما أنتجته الحرب الأهلية اللبنانية من مخاضات ساهمت بتهجير عدد لا يستهان به من كافة الطوائف، وفي مقدمتهم المسيحيون، لوجدنا أن الأزمات السياسية رافقت أقطاب التعدد الديني منذ عام 1860. اللافت في ورقة السينودس معطيات ثلاثة، أولها، دعوة المسيحية الشرقية الى الاندماج في مواطنها؛ ثانيها، المطالبة ببناء ثقافة مشتركة مع الإسلام؛ ثالثها، تداعيات الحركات الإسلامية منذ السبعينات على أطراف التعدد بعد رفع شعار ‘الإسلام هو الحل’؛ وعليه، كيف يمكن قراءة المعطيات المشار اليها؟ وما معنى الحديث عن ثقافة مشتركة بين أبناء التوحيد؟ وهل الواقع السياسي المأزوم يقدم جواباً نهائياً عن هواجس المسيحية الشرقية في مجال جغرافي لم يعرف الاستقرار، بدءاً من مرحلة نشوء الدولية الوطنية؟ تاريخياً، شهدت العلاقة بين المسيحية والإسلام حالات من التوتر في حقبات محدودة، وباستثناء حادثة دمشق التي وقعت عام 1860، التي اتخذت طابعاً دينياً، غير أن التشنجات التي وقعت قبلها، ظلت محكومة بالطابع السياسي، تحديداً إبان عهد الخليفة المتوكل على الله (847-861)، الذي أعاد ما فرضه عمر بن عبد العزيز على المسيحيين، فمنعهم من الاحتفال بأعيادهم خارج بيوتهم، ولم يحترم ملكياتهم وكنائسهم، ومعلوم أن فترة حكمه تقاطعت في ظل صراعه مع البيزنطيين، كما أن الحروب الصليبية أو حروب الفرنجة، كما تسميها المصادر الإسلامية، أطلقت العنان بعد إخراج الصليبيين من الشرق، لسلاطين المماليك، الذين اعتبروا أن المسيحيين تعاونوا مع هؤلاء، فنكلّوا بهم، فهاجر قسم من الموارنة الى قبرص؛ الاضطهاد المملوكي تعرض له الشيعة أيضاً، بما يعرف بالحملات الكسروانية، ولعل رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية الى السلطان الناصر محمد بن قلاوون، تعبر بشكل واضح عن هذه الوقائع التاريخية التي رافقتها متغيرات سياسية طوال مراحل الخلافات المتعاقبة على ديار الإسلام. وبالعودة الى المعطيات الثلاثة التي حددها سينودس الشرق الأوسط في ورقته، وبشكل أخص ما يتعلق بالثقافة المشتركة، وتنامي الحركات الإسلامية؛ يمكن استقراء العديد من الحيثيات والبناء عليها، ورغم أن دعوة الفاتيكان للمسيحيين للانصهار مع ثقافتهم المحلية، ما قدمت جديداً فقد سبق التركيز عليها في السينودس من أجل لبنان أواسط التسعينيات، لكن تظهيرها في الوقت الراهن، وسط قلق الهويات الدينية يعطيها حيزاً، يطرحه هذه المرة الصراع السني ـ الشيعي، ومآل المسيحيين بينهم. وبصرف النظر عن السيناريوهات المذهبية المرتقبة أو المحتملة، يأتي تنامي الحركات الإسلامية من المحيط الى الخليج، ليرسخ هواجس المسيحية الشرقية، فبعض الاسلامويين اعتمدوا خطاباً تكفيرياً، وبنوا علائقهم مع الآخر على قاعدة النبذ والإقصاء، وإلغاء التعدد الذي أغنى الحضارة الإسلامية طوال تجربتها لا سيما في الأندلس، وهؤلاء التكفيريون، يلجأون الى فتاوى المشايخ، من الجيل الجديد لورثة ابن تيمية، مع العلم بأن شيخ الإسلام عايش مرحلة حكم المماليك وصراعهم مع المغول والفرنجة، وشهد طفرة الحركة الصوفية، وشارك في الجدال الفقهي بين المذاهب الإسلامية وصل الى حدود التخاصم إذا لم نقل التكفير. ولا شك أن الحركات الإسلامية في العالم العربي، لا تقلق المسيحيين فقط، بل المسلمين المعتدلين والليبراليين، وحتى التقليديين منهم، والأهم من الصحوة الإحيائية على ضفتي الإسلام السني والشيعي، أن نمط الأسلمة المتزايد في المجالين العربي والإسلامي، يترافق مع تراجع الاتجاهات اليسارية والقومية، ودعاة بناء المجتمع المدني والمواطنَة، لا ندعي بأن الأسلمة تسبب صدمة ثقافية بالنسبة لأطراف التعدد، وإن بدت حيثياته واضحة للعيان، لكن هذا النمط من الإسلام الجديد القائم على أسلمة المجتمع عبر الجمهور، وإدراجه في حجم من الفتاوى، تحدد مسالكه ما بين المحرّم والمحلّل، يشكل صدى سلبيا عند المسيحيين وسواهم من المنادين بالعلمانية والمجتمع المدني؛ والأسلمة التي نجدها في السياقات المجتمعية والثقافية والاقتصادية وحتى السياسية، تجبر المسيحيين في مواطنهم على الانسحاب التدريجي، إما عبر الهجرة، وإما عبر التقوقع على الذات، وإما عبر الاحتماء بالدين للتصدي للأسلمة المتزايدة، التي تعتبر بدورها رد فعل على فشل المشروع السياسي عند الحركات الإسلامية. المسيحيون في المشرق العربي، يمرون اليوم في أخطر مراحلهم، فالواقع السياسي المأزوم، والاضطرابات السياسية في أكثر من بلد عربي، في مصر ولبنان والعراق وفلسطين المحتلة، تفرض وطأتها عليهم، وهم ما عادوا كما في السابق يمتلكون حجماً ديموغرافياً وسياسياً فاعلاً ومؤثراً في صناعة القرار، وهذا ما يؤرقهم، خصوصاً في الأنموذج اللبناني الذي قلص نفوذهم بعد اتفاق الطائف عام 1989؛ وهم اليوم، يمثلون أطراف ‘الأمة القلقة’؛ هذا المصطلح الذي أطلقه وضاح شرارة على الشيعة، الآخذين في بلورة مجالهم السياسي والنضالي، يطال في الواقع، المسيحية الشرقية على مدار امتدادها، في محيط عربي يُنذر بتغليب الجواب الديني على دور الدولة في احتضان التعدد. ‘ كاتبة وباحثة لبنانية