أخيرا، وبعد تخفيض كل الأمراض، نكتشف أن المرض الأساسي، أساس كل الكوارث، هو فائض القوة لدى إسرائيل. لو لم تكن قوية جدًا لكانت أكثر عدلًا. لو لم تكن قادرة على القيام بكل ما يخطر ببالها لكان سلوكها أخلاقيًا وكانت ستهتم وتراعي أكثر. جزء كبير من الجرائم والأخطاء ينبع من ثمل قوتها، وجزء كبير مما تفعله ينبع من أنها ـ ببساطة ـ تستطيع. هي تستطيع أن تستخف بكل العالم وأحيانًا بالقانون الدولي، وأن تسيطر وتحكم شعبًا آخر بالقوة لأجيال، وأن تخرق سيادة جيرانها، وأن تتصرف وكأنها هي الواحدة والوحيدة وليس هناك سواها، فقط بفضل قوتها.
مثل أي دولة، إسرائيل تحتاج إلى القوة، فضعفها ربما حقًا كان سيؤدي إلى فنائها، كما يعلّمون الإسرائيليين منذ الولادة، لكن فائض القوة أفسدها وسبب لها أضرارًا من نوع آخر. ليس ضعفها ـ كما اعتادت أن تصف نفسها محاطة بأعداء يريدون تدميرها، داوود الصغير أمام جوليات ـ هو ما رسم صورتها. فالقوة الزائدة التي راكمتها شكلتها أكثر من أي شيء آخر، ولو كانت أكثر ضعفًا لكانت ستحاول أكثر أن تكون مقبولة في المنطقة، ولو كانت أقل قوة حينئذ ستضطر إلى وضع حد لمرض الاحتلال.
حتى لو كانت ولادتها اقترنت بخطيئة، فإن إسرائيل ليست أرض أشخاص سيئين بشكل خاص، وإن التعالي الذي يظهره الإسرائيليون على كل العالم ليس صفة منذ الولادة. مشكوك في أن إسرائيل تنوي أن تكون ما هي عليه الآن: دولة عظمى إقليمية، تملي بدرجة كبيرة على أكبر دولة في العالم، الولايات المتحدة، سلوكها، التي دول كثيرة تسعى إلى أعتابها، وفي الوقت نفسه تعدّ دولة مجذومة في نظر كل صاحب ضمير. تحولت إسرائيل إلى هذا بفضل مرض القوة الزائدة، لقد راكمته بالتدريج، والآن وصل إلى الذروة، وهي لم تكن في أي يوم قوية بهذه الدرجة. وليس صدفة أن صورتها الآن بالذات في الدرك الأسفل في تاريخها، هذا هو ثمن فائض القوة.
انتصرت إسرائيل على كل العالم، ليس بواسطة الاحتلال فقط الذي تواصله دون عائق رغم معارضة معظم العالم؛ وليس بالحصار الفظيع فقط الذي تفرضه على القطاع والهجمات الوحشية ضده، التي تشمل جرائم حرب لم تعاقب عليها إسرائيل في أي يوم، وليس فقط بالمستوطنات التي لا يعترف معظم العالم بشرعيتها ـ سياستها الخارجية والأمنية الدالة على الغطرسة. قصف يومي في سوريا وفي دول أخرى وطلعات معتادة في سماء لبنان وكأنه لا توجد حدود، ولا يوجد غد، تصفيات دولية وقحة وجنائية لا حدود لها، ثم جر العالم إلى صراع ضد السلاح النووي الإيراني، وحملة تجريم دولية مدهشة ضد بي.دي.اس، وعدم الانضمام لمواثيق دولية التي كل الدول الديمقراطية وقعت عليها، وتجاهل عدد لا يحصى من قرارات المؤسسات الدولية، ومحاولة التدخل في الشؤون الداخلية لجاراتها، والتدخل في حروب ليست لها، وحتى محاولة إثارة الخلافات في الاتحاد الأوروبي وتقويض وحدته، ونشاطات تآمرية ضد الرئيس الأمريكي السابق، وإغلاق السفارة في بورغواي لأنها اتخذت خطوة لم تعجب إسرائيل ـ كل ذلك لأنها دولة عظمى. يصعب التفكير بأن دولة أخرى غير الولايات المتحدة، روسيا أو الصين مثلاً، كانت ستتجرأ على التصرف بهذا الشكل، لكن إسرائيل تستطيع.
نجاح كبير جدًا للمشروع الصهيوني، من كان يحلم بأننا سنكون بهذه الصورة؟! وفعليًا إن التهديد الأخطر هو تهديد مصداقيتنا. وباستثناء بعض العثرات مثلما في 1973، فإن ثمن هذه القوة انتهى حتى الآن دون الطلب من إسرائيل أن تدفع مقابله أي ثمن مهم، باستثناء صورتها التي تعلمت تجاهلها أيضًا. في بداية عام 2019 لم تقف إسرائيل أمام تحديات تهدد مكانة قوتها الزائدة، ويبدو أنها تستطيع المواصلة كما هي ـ في مناطق الاحتلال، في الشرق الأوسط وفي كل العالم.
وزير للتاريخ يصر على أن يذكر في كل مرة أن هذه هي عروض ثمن القوة وستنتهي بشكل عام بصورة سيئة، وسيئة جدًا.
جدعون ليفي
هآرتس 9/9/2018