الرّومانسيّة الإعلاميّة الجديدة

حجم الخط
0

عندما نتحدّث عن الرّومانسيّة في الإعلام الجديد، نحن لا نخصّ بالحديث لونا معيّنا من الإنتاج الإعلامي، ولا أسلوبا خصوصيّا تميّزت به الصّناعات الإعلاميّة، كما لا نخصّ بالحديث أعمالا فكريّة بعينها، تناقلتها الميديا الحديثة، وبثّتها على نطاق جماهيري واسع، إنّما الحديث عن الرّومانسيّة الإعلاميّة يعني، في المقام الأوّل، الطبيعة الحسّية الداخليّة التي يعيشها الباثّ، بالمعنى الميديولوجي والسّوسيولوجي للمصطلح، بوصفه منتجا للمعنى. فهي، مثلما كتب بودلير (Baudelaire) عن رومانسيّة عصره ليست في الخارج، بل هيّ مكنونة في الداخل، ومن العبث البحث عنها في غير هذا الموطن.
ولكونها حسّا داخليّا يسكن الإنسان، تبقى الرّومانسيّة الإعلاميّة، بهذه الكيفيّة، مناخا عامّا يسود مجتمع ‘ما بعد الحداثة’ الموصوف بالمجتمع متعدّد الثقافات والذي برزت فيه الفردانية ‘كقوّة مجهولة خارجة عن كلّ تحكّم’، تجلّت صورها سياسيّا وفنيّا واقتصاديا وإعلاميّا.
إنّ هذه هيّ البيئة الفكريّة والثقافيّة التي نمت فيها الرّومانسيّة الإعلاميّة، بيئة اتسمت ‘بسقوط كثير من الإيديولوجيات الجماهيريّة، وبانتصار الخاصّ على العامّ، وبالنقد الجذري للنزعة الإنسانيّة’، بيئة يتحرّك فيها كلّ شيء كمفرد، ترفض الأنساق المهيمنة ومقاومة الاستبعاد، بكلّ أصنافه، الذي يُمارَس عبر المؤسّسة الإعلاميّة. فإذا كانت الرّومانسيّة الأولى، رومانسية القرن الثامن عشر، ثورة ضدّ العقلانيّة الفلسفيّة والانتظام والضبط الكلاسيكيين، فإن رومانسيّة القرن الحادي والعشرين ثورة ضدّ العقلانيّة الإعلاميّة التي أولدت أنماطا مختلفة من الهيمنة السّياسية والاقتصاديّة والثقافيّة، وجذّرت واقع الاستبعاد في الواقع الاجتماعي للافراد الذي حجبته المؤسّسة الإعلاميّة مقابل صناعة مبنيّة ‘لخدمة’ التطوّر.
إنّ عودة اكتشاف الذات في الإعلام الجديد المتجليّة أساسا في ظاهرة التدوين المتنامية منذ عقد من الزمن، لم تكن منطلقاتها فلسفيّة كما هوّ الحال لرومانسيّة القرن الثامن عشر، ولم تكن، في ذاتها، حدثا محليّا أو إقليميّا مخصوصا بمجتمع محدّد، إنّما الحالة تمثّل سلوكا عامّا يختزل قيم ‘ما بعد الحداثة’ المتناثرة، بل السارية في أنحاء العالم.
فالتمركز حول الذات، كسلوك ميّز خصائص الإعلام الجديد وأفرز صنفا جديدا من السّير الذاتيّة، والمذكرات، والرّوايات، وسرد التجارب الشخصيّة، واليوميات الخاصّة عبر صفحات الويب، مرجعه إلى فكرة المركز المهيمنة أوّلا (Centre)، المركز السّياسي والإيديولوجي، والمركز الثقافي، ثمّ إلى العنف الاقتصادي والإعلامي والثقافي، المنتج للإقصاء والاستبعاد .
لقد خلخل تدفق المواقع الإخباريّة الجامعة والمتخصّصة، والمدوّنات ومنتديات الحوار مركزيّة الصناعات الميدياتيكيّة، وواقعيّة الوجود المادي والفكري لخطاب السّلطة الإعلامي المنتج للاستبعاد، ليظلّ كلّ فرد مركزا بذاته منتجا للتعدّد والاختلاف، وتجذّرت بذلك نزعة استكشاف الأنا التي نادى بها شاتوبريان (Chateaubriand) أواخر القرن الثامن عشر، وغرسها في جيله من الرّوائيين والشعراء، كشكل من أشكال الانطلاق، وكنوع من التبرّم من الحاضر المشحون بالانكسارات، وفي أحيان كثيرة بالخوف من الأنساق والأنظمة المهيمنة، الرّافضة للتنوع الفكري والإيديولوجي.
د. عبدالله الزين الحيدري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية