بيروت ـ «القدس العربي»: ولد محمود دكور عام 1937 في بلدة قديثا في الجليل الأعلى شمال فلسطين، ونزح عنها لاجئا إلى لبنان في تشرين الأول/اكتوبر عام 1948. تلقى دراسته في مدينة صور اللبنانية، ثم عمل استاذا في مدارس وكالة الأونروا في مخيم البرج الشمالي.
ومنذ عام 1989 بدأ بجمع القطع النقدية والتاريخية والملابس التراثية والكتب والوثائق الفلسطينية، وأنشأ متحفا تراثيا فلسطينيا في مخيم المعشوق قرب مدينة صور، يعتبر من أكبر وأبرز المتاحف التراثية والتاريخية الفلسطينية في لبنان والشتات، بعد أن باتت مجموعته التراثية تتكوّن اليوم من خمسة عشر ألف كتاب، وثلاثة آلاف قطعة تضم جميع ما في الحياة الفلسطينية من أدوات الصناعة والزراعة والتجارة واللباس والزينة والمطرزات والخزفيات بالإضافة إلى مجموعة كاملة من النقود المعدنية من سنة 1927 إلى 1946 ومجموعتين من النقود الورقية بالإضافة إلى وثائق مصورة.
○ كيف ولدت فكرة إنشاء متحف تراثي فلسطيني في لبنان؟
• بدأت العمل فعليا بهذا المتحف سنة 1989 بعد زيارتي لمعرض دمشق الدولي، وتحديدا جناح فلسطين حيث خاب أملي عندما رأيت ان المعرض لا يحتوي عما يعبر عن طموح الفلسطينيين في المحافظة على الإرث، فقررت ان أبدأ بجمع قطع تراثية وتاريخية أصلية تعود لما قبل النكبة كانت مصنوعة في فلسطين أو تم استعمالها أو مرت في فلسطين.
عام 1990 اقترحت على مدراء مدارس الأونروا في صور، إقامة معارض رسم وأشغال يدوية لطلاب المدارس في المخيمات، وطلبت منهم إضافة قطع تراثية وتاريخية وأثرية فلسطينية لهذا المعرض. واستطعنا جمع عدد كبير من القطع وضعت في 5 غرف كاملة، وكانت قطعا من فلسطين وتم العرض في 26 حزيران/يونيو 1990 ليوم واحد فقط وكان العنوان من «الخرزة حتى المحدلة».
طبعا، يوم واحد لم يكف المعرض لأنه كان ناجحا جدا وأعطى حيوية للطلاب والزوار والأهالي والمسؤولين. لذلك قررت إنشاء متحف ثابت ودائم، ملك لفلسطين ويخدم القضية، وبدأت أجمع من القطع من فلسطين ولبنان وسوريا والأردن ومن الوطن العربي وأوروبا وأمريكا واعتبرت ذلك همي الأول وعملي اليومي، وبدأت وضع ما أجمع في غرفة داخل بيتي ولكن لم تتسع لكثير من القطع ونظرا لظروف الحرب التي مررنا بها، اضطررت لاستخدام ملجأ البيت للمحافظة على هذه القطع النادرة ولكن مع الأسف تعرض الكثير منها للاهتراء والعفن.
○ كيف استطعت جمع كل هذه القطع والتحف التراثية؟
• مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة. بدأت العمل على جمع القطع من كافة الأقطار العربية والدول الأجنبية، ومن المخيمات والقرى والمدن والأصدقاء والصديقات وكن أكثر حماسا لهذا الموضوع لانه كان يعني فلسطين، هذا المتحف هو وصية وأمانة إلى ان يتم نقله إلى القدس الشريف عندما تصبح هناك دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
وتم العمل على تجميع القطع يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة وسنة بعد سنة من كل أنحاء العالم ومن فلسطين نفسها من داخل الخط الأخضر ومن الضفة والقطاع ومن الأقطار العربية والأوروبية وأمريكا.
○ كيف كان يتم التواصل للحصول على هذه القطع؟
• تم التواصل ولا يزال من خلال شبكة علاقات مع الأصدقاء والأقارب والأنسباء وأكدنا لهم أن رسالتنا إعلامية موجهة لفلسطين، ولا ندري ما إذا كان من نقوم به من جمع للتراث هو عمل سياسي ولكن القطعة التراثية الفلسطينية تتحدث سياسية لانها تحكي تاريخ فلسطين ونكبة شعب وهذا ما أبلغه للصحافيين والإعلاميين الأوروبيين والعرب.
○ هل تسلمت القطع التراثية والأثرية للمعرض تبرعا أم مقابل مبالغ مالية؟
• هناك قطع أثرية وتراثية غير موجودة في الأسواق المحلية، وهناك قطع كثيرة تم شراؤها من أشخاص وبعضها من لبنان أو سوريا أو الأردن، وصلت تطوعا وتبرعا (بما ان المتحف لفلسطين) لكن البعض حاول التبرع بالقطع «آنيا» أي أن يضعها عندي للعرض كأمانة، لكني رفضت خوفا من ضياعها لذلك كنت أشترط ان تكون ملكا للمتحف وبالتالي لفلسطين.
○ هل هناك علاقات أم اتصالات مع متاحف فلسطينية أخرى؟
• المتحف في مخيم المعشوق هو الوحيد في الشتات، من حيث الحجم وما يحتويه من قطع ووثائق. وهناك اتصالات مع المتحف التراثي في القدس ومتحف التعاون في بير زيت.
هناك 26 متحفا في فلسطين ومتحف صغير في مخيم شاتيلا قرب بيروت وأيضا متحف قديم في روسيا، ولكن أعتقد أن الأكبر والأوسع هو في مخيم المعشوق.
○ ما هي العقبات التي واجهتك في جمع قطع المتحف؟
• لا أستطيع القول ان كل من تعاملت معه كان متجاوبا. العقبة الأولى ان الكثير من الناس كانوا يريدون بيع القطع مقابل مبالغ مالية كبيرة وأحيانا كنت أُعتبر البحث عن القطع الأثرية والتراثية يحرك الأسواق اللبنانية والسورية كبديل للقطع التراثية الفلسطينية الأصلية، وكانت الأسواق كلها تتحرك لأن أغلب التجار يتسابقون لتأمين بعض القطع لحصولهم على «سمسرة البيع» وبعض ممن يملكون القطع التراثية كانوا وما زالوا يبالغون في سعرها ويتمسكون أيضا بها. هذا العمل تكلفته كبيرة، لم أبخل عليه حتى من جيبي الخاص ودفعت مبالغ كبيرة من مدخراتي ثمنا لقطع تراثية وتاريخية. وكنت أشعر أن وجود الثقة بيني وبين الناس يجعلهم يقدمون لي القطع مجانا وعن طيب خاطر، وكانت النساء يتسابقن لتقديم ما لديهن من أدوات زينة وألبسة تراثية فلسطينية.
العقبة الثانية، هي شراء القطع النقدية المعدنية لانها تحتاج إلى مبالغ كبيرة كوجود 7 قطع معدنية في الألبوم يحتاج لمبالغ مالية ولكن بالحقيقة هو كنز للمتحف ولفلسطين.
أسست اللجنة الثقافية الفلسطينية للتراث لأنني أحببت ان يظل اسم فلسطين ولكن في النظام اللبناني غير مسموح بوجود مؤسسة فلسطينية، هناك مؤسسة واحدة باسم فلسطين في لبنان هي الدراسات الفلسطينية وكانت مدعومة سابقا من الرئيس اللبناني السابق شارل الحلو، د.وليد الخالدي، هشام نشابة ود.قسطنيطين زريق.
○ ما هي محتويات المتحف؟
• يحتوي المتحف على 3 آلاف قطعة أثرية وتراثية أصلية لها إحدى الصفات الثلاث إما صنعت أو مرت أو استخدمت في فلسطين، قطع عينية من الإبرة حتى المحراث ومن الخرزة حتى المحدلة، بالإضافة لذلك هناك حوالي 3 آلاف وثيقة تعبر عن الحياة الفلسطينية خلال عصرين، التركي والانتداب البريطاني، بالإضافة للعملة الفلسطينية المجموعة المعدنية كاملة المجموعة الورقية 7 قطع من أصل 16 قطعة.
○ كيف تخدم القضية الفلسطينية في هذا المتحف؟
• أنا لا أحمل السلاح ولكن أحافظ على كنز كبير وهو تراث فلسطين. أشرح للزوار والعرب والأجانب والأجيال الفلسطينية الصاعدة تاريخ حياة شعب، أوضح لهم معاني استخدام هذه القطع، فأنا أنقل التراث والحضارة العربية في فلسطين إلى العالم أجمع. هناك من يسمعني صوت القطعة من خلال قطعة موسيقية صغيرة يضعها على القماش، والبعض يتحسس القطعة بيده وآخرين يعملون على شم هذه القطع.
○ ما هي العوامل التي ساعدتك على هذه الرسالة التراثية؟
• الدافع الأول هو حبي لوطني فلسطين، وأيضا بالعزم والثبات والإصرار يستطيع الإنسان أن يصنع الكثير، ويحقق الإنجازات.
طلب مني تغيير اسم المتحف وأحذف فلسطين وأحصل على الكثير من التبرعات وطلب مني أن أتنازل وأبدل اسم المتحف مقابل مبالغ مالية كبيرة، لكني رفضت أن أفرط في إسم فلسطين وتراث فلسطين والكثير من المؤسسات الفلسطينية عرضت علي مبالغ كبيرة مقابل الحصول على هذا الإرث الوطني منهم: الجبهة الشعبية وفتح والجبهة الديمقراطية وحماس لكني رفضت.
○ من يزور هذا المتحف؟
• طلاب المدارس من الروضات حتى المراحل الثانوية وأيضا طلاب الجامعات وكذلك الباحثون والكتاب والصحافيون لأنهم يعلمون أن في كل زاوية من زوايا المحتف، كل قطعة تتحدث عن تاريخ شعب وأكثر الزوار هم من الأجانب الأوروبيين والأمريكيين.
○ كيف لهذا المتحف ان يؤثر في الرأي العام؟
• القطع الأثرية والتاريخية في المتحف، هي أصلية واضحة للعيان وللباحثين وفي استطاعتهم ملامستها وفحصها بالعين المجردة. كثير من القطع موقعة بتواريخ واسماء من فلسطين، لا سيما أن الفلسطينيين يحفرون اسمائهم على القطع النحاسية بالإضافة إلى اسم الصانع وتاريخ الصنع، هناك وثائق ورقية ومعدنية ونحاسية. وأيضا من الأهمية أن الأجيال الصاعدة عليها ان تتعرف على تراث آبائها وأجدادها وما كان يتم استعماله، كذلك لدينا علاقة مفاتيح تعود لجمعية السيدات العربيات في القدس التي انشئت عام 1938 وهي أول جمعية نقابية نسائية.
أعتقد أن للمتحف تأثير على الرأي العام أولا لما جمعه من قطع تاريخية وأثرية وتراثية وثانيا لصدقية القطع وأصالتها، وهذا كله يؤثر في الرأي العام وفي أوساط الباحثين وقطاعات مختلفة من المجتمع.