فيلم‭ ‬‮«‬أوتويا‭ ‬ــ‭ ‬أيلول‭ ‬22‮»‬‭ ‬للنرويجي‭ ‬إريك‭ ‬بوبـه: إعادة‭ ‬تجسيد‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬نسخته‭ ‬الأوروبية‭ ‬

عدنان‭ ‬حسين‭ ‬أحمد‭
حجم الخط
0

لندن‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»: ‬ بين‭ ‬آونة‭ ‬وأخرى‭ ‬يتحفنا‭ ‬المخرج‭ ‬النرويجي‭ ‬إريك‭ ‬بوبـه‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أفلامه‭ ‬الروائية‭ ‬أو‭ ‬الوثائقية‭ ‬المميزة‭ ‬التي‭ ‬يلمس‭ ‬فيها‭ ‬المتلقّي‭ ‬براعة‭ ‬فنية‭ ‬في‭ ‬الشكل‭ ‬والمضمون،‭ ‬أو‭ ‬المبنى‭ ‬والمعنى‭ ‬السينمائيَين،‭ ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬مُستغرَبا‭ ‬على‭ ‬فنّان‭ ‬متعدد‭ ‬المواهب‭ ‬والاختصاصات‭ ‬فهو‭ ‬كاتب‭ ‬سيناريو،‭ ‬ومصوِّر،‭ ‬ومُنتِج،‭ ‬ومُخرِج‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭.‬

تعتمد‭ ‬قصة‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬أوتويا‭ – ‬أيلول‭ ‬22‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كتبتها‭ ‬سيف‭ ‬راجيندرام‭ ‬وآنا‭ ‬باخ‭ ‬على‭ ‬شهادات‭ ‬الناجين‭ ‬من‭ ‬مجزرة‭ ‬شبيبة‭ ‬أوتويا‭ ‬التي‭ ‬نفّذها‭ ‬المتطرِّف‭ ‬النرويجي‭ ‬أندرس‭ ‬بهرنغ‭ ‬بريفيك‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬وراح‭ ‬ضحيتها‭ ‬69‭ ‬شابا‭ ‬من‭ ‬كلا‭ ‬الجنسين،‭ ‬و99‭ ‬جريحا‭ ‬إصاباتهم‭ ‬خطيرة،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬300‭ ‬شاب‭ ‬مازالوا‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬أضرار‭ ‬واضطرابات‭ ‬نفسية‭ ‬كبيرة،‭ ‬وهو‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬بعملية‭ ‬تفجير‭ ‬المبنى‭ ‬الحكومي‭ ‬في‭ ‬أوسلو،‭ ‬وقتل‭ ‬فيه‭ ‬ثمانية‭ ‬مواطنين‭ ‬قبل‭ ‬ساعة‭ ‬ونصف‭ ‬الساعة‭ ‬من‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬جزيرة‭ ‬أوتويا‭. ‬وكان‭ ‬بريفيك‭ (‬32‭ ‬عاما‭) ‬متنكرا‭ ‬في‭ ‬زي‭ ‬ضابط‭ ‬شرطة،‭ ‬وقد‭ ‬تبيّن‭ ‬لاحقا‭ ‬أنه‭ ‬يحمل‭ ‬أفكارا‭ ‬فاشية،‭ ‬ولديه‭ ‬مواقف‭ ‬متشددة‭ ‬ضد‭ ‬المهاجرين‭ ‬الأجانب‭. ‬وقد‭ ‬استسلم‭ ‬بريفيك‭ ‬إلى‭ ‬شرطة‭ ‬المهمات‭ ‬الخاصة‭ ‬بعد‭ ‬90‭ ‬دقيقة‭ ‬من‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬ذخيرة‭ ‬متبقية‭ ‬لديه‭. ‬

يتمتع‭ ‬إريك‭ ‬بوبـه‭ ‬برؤية‭ ‬إخراجية‭ ‬متفردة،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يمنعه‭ ‬من‭ ‬التلاقح‭ ‬مع‭ ‬رؤى‭ ‬وأفكار‭ ‬مُخرجين‭ ‬كبار‭ ‬قد‭ ‬يستعير‭ ‬منهم‭ ‬بعض‭ ‬أدواتهم،‭ ‬وتقنياتهم،‭ ‬ولمساتهم‭ ‬الفنية‭. ‬فشخصيات‭ ‬القصة‭ ‬التي‭ ‬يقدّمها‭ ‬المُخرج‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬خيالية‭ ‬وحتى‭ ‬الإرهابي‭ ‬النرويجي‭ ‬الذي‭ ‬تقمص‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬مارتن‭ ‬نيلسن‮»‬‭ ‬لم‭ ‬يرِد‭ ‬ذكره‭ ‬بالإسم‭ ‬أو‭ ‬الصورة‭ ‬وإنما‭ ‬ظهر‭ ‬بشكل‭ ‬شبحي‭ ‬في‭ ‬لقطة‭ ‬بعيدة،‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬كنّا‭ ‬نسمع‭ ‬صوت‭ ‬الرصاص‭ ‬وأزيزه‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬الجاني‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬التي‭ ‬ضاقت‭ ‬بروّادها‭ ‬اليافعين‭.‬

تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬المخرج‭ ‬الإبداعية‭ ‬في‭ ‬تعويله‭ ‬على‭ ‬الصورة‭ ‬السينمائية‭ ‬التي‭ ‬حوّلها‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬خطاب‭ ‬بَصَري‮»‬‭ ‬ذي‭ ‬لقطة‭ ‬طويلة‭ ‬واحدة‭  ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬ثيمة‭ ‬‮«‬الهلع‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تكاد‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬‮«‬المتلازمة‭ ‬المرَضَية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أصابت‭ ‬شخصيات‭ ‬الفيلم‭ ‬برمتهم،‭ ‬فلا‭ ‬أحد‭ ‬يستطيع‭ ‬الادّعاء‭ ‬بأنه‭ ‬غير‭ ‬مذعور،‭ ‬وأنّ‭ ‬الرُعب‭ ‬لم‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬جَنَانه،‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬بطلة‭ ‬الفيلم‭ ‬‮«‬كايا‮»‬‭ ‬التي‭ ‬جسّدت‭ ‬دورها‭ ‬بإتقان‭ ‬شديد‭ ‬الممثلة‭ ‬أندريا‭ ‬بيرنتزن،‭ ‬مرورا‭ ‬بالفتاة‭ ‬الجريحة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬نعرف‭ ‬لها‭ ‬اسما‭ ‬وقد‭ ‬مثّلت‭ ‬دورها‭ ‬‮«‬سلوفيك‭ ‬كولن‭ ‬بيركلاند‮»‬،‭ ‬وكريستين‭ ‬‮«‬إينيَبورغ‭ ‬أَينِس‭ ‬كيّيفِك‮»‬،‭ ‬وعيسى‭ ‬‮«‬سوروش‭ ‬سادات‮»‬،‭ ‬وانتهاء‭ ‬بكارولين‭ ‬‮«‬آدا‭ ‬أيدا‮»‬‭ ‬وماغنوس‭ ‬‮«‬ألكساندر‭ ‬هولمن‮»‬‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬إلى‭ ‬المخيّم‭ ‬الصيفي‭ ‬لحزب‭ ‬العمّال‭ ‬النرويجي‭ ‬الذي‭ ‬يحضره‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬نحو‭ ‬600‭ ‬شاب‭ ‬تقريبا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عام‭.‬

لايزجّنا‭ ‬المخرج‭ ‬دُفعة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحدث،‭ ‬وإنما‭ ‬ينقلنا‭ ‬إليه‭ ‬بالتدريج‭ ‬بواسطة‭ ‬المكالمة‭ ‬الهاتفية‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬بين‭ ‬‮«‬كايا‮»‬‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬وأمها‭ ‬في‭ ‬أوسلو

تفجير‭ ‬أوسلو

تبدأ‭ ‬قصة‭ ‬الفيلم‭ ‬من‭ ‬تفجير‭ ‬أوسلو‭ ‬الذي‭ ‬استهدف‭ ‬فيه‭ ‬الإرهابي‭ ‬بريفيك‭ ‬مقرات‭ ‬حكومية،‭ ‬وقد‭ ‬أفاد‭ ‬المخرج‭ ‬من‭ ‬تصوير‭ ‬كاميرات‭ ‬المراقبة‭  CCTV،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬يبدأ‭ ‬بداية‭ ‬توثيقية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينعطف‭ ‬إلى‭ ‬الدراما‭ ‬والإثارة‭ ‬التي‭ ‬تحبس‭ ‬الأنفاس،‭ ‬وقد‭ ‬نجح‭ ‬غالبية‭ ‬الممثلين‭ ‬في‭ ‬الأدوار‭ ‬التي‭ ‬أُسندت‭ ‬إليهم‭ ‬في‭ ‬الشق‭ ‬الروائي‭ ‬من‭ ‬القصة‭ ‬السينمائية،‭ ‬والفيلم‭ ‬الذي‭ ‬بين‭ ‬أيدينا‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬تمثيل‭ ‬لأحداث‭ ‬مجزرة‭ ‬الشبيبة‭ ‬المروِّعة‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬أوتويا،‭ ‬فحينما‭ ‬جاء‭ ‬بريفيك‭ ‬متنكرا‭ ‬في‭ ‬زي‭ ‬ضابط‭ ‬شرطة‭ ‬لحفظ‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬اطمأن‭ ‬له‭ ‬الجميع‭ ‬تقريبا‭ ‬وكان‭ ‬يحمل‭ ‬بندقية‭ ‬نصف‭ ‬آلية‭ ‬وكمية‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الذخيرة‭ ‬الحيّة‭ ‬المجوّفة‭ ‬والانشطارية‭ ‬التي‭ ‬تفاقم‭ ‬جروح‭ ‬المصابين،‭ ‬وتجعل‭ ‬شفاءهم‭ ‬عسيرا‭.‬

لا‭ ‬يزجّنا‭ ‬المخرج‭ ‬دُفعة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحدث،‭ ‬وإنما‭ ‬ينقلنا‭ ‬إليه‭ ‬بالتدريج‭ ‬بواسطة‭ ‬المكالمة‭ ‬الهاتفية‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬بين‭ ‬‮«‬كايا‮»‬‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬وأمها‭ ‬في‭ ‬أوسلو،‭ ‬حيث‭ ‬تخبرها‭ ‬الأخيرة‭ ‬بأن‭ ‬انفجارا‭ ‬قد‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الحكومية‭ ‬وأن‭ ‬الخسائر‭ ‬لم‭ ‬تتكشف‭ ‬بعد،‭ ‬ثم‭ ‬تطلب‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬تتأكد‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬شقيقتها‭ ‬‮«‬إيميليا‮»‬‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ترد‭ ‬على‭ ‬المكالمات‭ ‬الهاتفية‭ ‬ربما‭ ‬بسبب‭ ‬الإهمال‭ ‬أو‭  ‬نفاد‭ ‬البطارية‭ ‬أو‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل‭. ‬فتتوجه‭ ‬‮«‬كايا‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬خيمتها‭ ‬وتدخل‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬مشادّة‭ ‬خفيفة‭ ‬منتقدة‭ ‬إياها‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬اهتمامها‭ ‬بمكالمات‭ ‬أمها،‭ ‬وقلقها‭ ‬الشديد‭ ‬عليها،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬مزاج‭ ‬إيميليا‭ ‬متعكر‭ ‬قليلا‭ ‬وربما‭ ‬لا‭ ‬تحضر‭ ‬حفلة‭ ‬الشواء‭ ‬ولا‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬الغناء‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬العامة‭. ‬وحينما‭ ‬تعود‭ ‬‮«‬كايا‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬شلتها‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬نقاشات‭  ‬سياسية‭ ‬إثر‭ ‬تفجير‭ ‬العاصمة،‭ ‬فبيتر‭ ‬‮«‬بريدا‭ ‬فريستاد‮»‬‭ ‬يقول‭ ‬بأن‭ ‬الخبر‭ ‬لم‭ ‬يتأكد‭ ‬بعد‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬الهجوم‭ ‬إرهابيا‭ ‬أم‭ ‬لا؟‭ ‬بينما‭ ‬يتخوف‭ ‬عيسى‭ ‬‮«‬سوروش‭ ‬سادات‮»‬‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الإرهابي‭ ‬مسلما‭ ‬فتتحول‭ ‬حياة‭ ‬اللاجئين‭ ‬إلى‭ ‬جحيم‭ ‬لا‭ ‬يُطاق‭. ‬ثم‭ ‬يقفزون‭ ‬في‭ ‬نقاشاتهم‭ ‬إلى‭ ‬قوات‭ ‬حفظ‭ ‬السلام‭ ‬النرويجية‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬ودورها‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬إيجابيا‭ ‬أم‭ ‬سلبيا‭ ‬هناك‭ ‬فترد‭ ‬عليهم‭ ‬‮«‬كايا‮»‬‭ ‬بأن‭ ‬دورها‭ ‬هو‭ ‬حفظ‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬وليس‭ ‬المناوشات‭ ‬أو‭ ‬إثارة‭ ‬الحروب‭. ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬17‭ ‬دقيقة‭ ‬تحدث‭ ‬انعطافة‭ ‬درامية‭ ‬مفاجئة‭ ‬تخترق‭ ‬الوضع‭ ‬السائد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬آمنا‭ ‬حتى‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬يتراكض‭ ‬الشباب‭ ‬ونراهم‭ ‬يهربون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الاتجاهات‭ ‬حتى‭ ‬نفهم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬خطرا‭ ‬داهما‭ ‬قد‭ ‬فاجأهم‭ ‬على‭ ‬حين‭ ‬غرّة،‭ ‬فتركض‭ ‬مجموعة‭ ‬كبيرة‭ ‬منهم‭ ‬صوب‭ ‬بناية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬محصنة‭ ‬كليا‭ ‬لكنهم‭ ‬يختبئون‭ ‬فيها‭ ‬لبعض‭ ‬الوقت‭. ‬وحينما‭ ‬تراودهم‭ ‬الهواجس‭ ‬السيئة‭ ‬يغادرون‭ ‬المكان‭ ‬ويبحثون‭ ‬عن‭ ‬مهرب‭ ‬آمن‭ ‬ـيقيهم‭ ‬شرّ‭ ‬الموت‭.‬

استطاع  إريك بوﭘبه في تقنية اللقطة الطويلة الواحدة التي تضطر المُشاهِد لأن يركِّز في الحدث الأبرز للقصة السينمائية ولا يحيد عنها أبدا

متلازمة‭ ‬الفزع

يلعب‭ ‬المُخرج‭ ‬على‭ ‬متلازمة‭ ‬الفزع‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬بهورمون‭ ‬الأدرينالين‭ ‬إلى‭ ‬ذروته‭ ‬خصوصا‭ ‬حينما‭ ‬تتيقن‭ ‬‮«‬كايا‮»‬‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬منْ‭ ‬يطلق‭ ‬عليهم‭ ‬الرصاص‭ ‬وقد‭ ‬أوقع‭ ‬بعض‭ ‬الضحايا‭ ‬في‭ ‬شبيبة‭ ‬الحزب‭ ‬العمالي،‭ ‬وتتعقد‭ ‬الأمور‭ ‬أكثر‭ ‬حينما‭ ‬يخبرهم‭ ‬أحد‭ ‬المصابين‭ ‬بأن‭ ‬الذي‭ ‬يطلق‭ ‬النار‭ ‬عليهم‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬ضباط‭ ‬الشرطة،‭ ‬فكيف‭ ‬لضابط‭ ‬نرويجي‭ ‬مكلّف‭ ‬بحماية‭ ‬المواطنين‭ ‬أن‭ ‬يقتلهم‭ ‬في‭ ‬رابعة‭ ‬النهار؟‭ ‬تتصاعد‭ ‬حدّة‭ ‬التوتّر‭ ‬والانفعال‭ ‬لدى‭ ‬‮«‬كايا‮»‬‭ ‬وبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تهرب‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬المعاكس‭ ‬عادت‭ ‬إلى‭ ‬المخيّم‭ ‬كي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬أختها،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬تلج‭ ‬خيمتها‭ ‬رأت‭ ‬طفلا‭ ‬يرتدي‭ ‬سترة‭ ‬صفراء‭ ‬لعله‭ ‬يُذكِّرنا‭ ‬بالطفلة‭ ‬البولندية‭ ‬أوليفيا‭ ‬دومبروفسكا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ترتدي‭ ‬معطفا‭ ‬أحمرَ‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬قائمة‭ ‬شندلر‮»‬‭  ‬لستيفن‭ ‬سبيلبرغ‭. ‬طلبت‭ ‬من‭ ‬الطفل‭ ‬توبياس‭ ‬‮«‬ماغناس‭ ‬موين‮»‬‭ ‬أن‭ ‬يرافقها‭ ‬لكنه‭ ‬رفض‭ ‬بشدة‭ ‬لأنه‭ ‬ينتظر‭ ‬أخاه‭ ‬‮«‬يوناس‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أخبره‭ ‬بأنه‭ ‬سيعود‭ ‬قريبا‭. ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬الجزيرة‭ ‬صغيرة‭ ‬المساحة‭ ‬ويصعب‭ ‬فيها‭ ‬الاختباء‭ ‬فقد‭ ‬قررت‭ ‬‮«‬كايا‮»‬‭ ‬أن‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬حافتها‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬المياه‭ ‬علّها‭ ‬تعبر‭ ‬سباحة‭ ‬أو‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬الزوارق‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬حافة‭ ‬الجزيرة‭ ‬التي‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الشقوق‭ ‬التي‭ ‬تؤمِّن‭ ‬بعضا‭ ‬من‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬طلقات‭ ‬الإرهابي‭ ‬الذي‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الجبل‭ ‬ويطلق‭ ‬النار‭ ‬عشوائيا‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬بغية‭ ‬إسقاط‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭. ‬وبما‭ ‬أنّ‭ ‬البعض‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬لـ«كايا‮»‬‭ ‬أن‭ ‬تضايقه‭ ‬في‭ ‬الملاذات‭ ‬الصغيرة‭ ‬فقد‭ ‬بحثت‭ ‬طويلا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وافق‭ ‬ماغنوس‭ ‬‮«‬ألكساندر‭ ‬هولمن‮»‬‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬الشق‭ ‬الصخري‭ ‬الذي‭ ‬يوفر‭ ‬لها‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬رصاص‭ ‬الإرهابي‭ ‬المتعطش‭ ‬للدماء‭. ‬

لم‭ ‬يتطفل‭ ‬المخرج‭ ‬على‭ ‬القصة‭ ‬السينمائية‭ ‬وإنما‭ ‬ترك‭ ‬أمرها‭ ‬لكاتبتين‭ ‬محترفتين،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفعهما‭ ‬لكسر‭ ‬النَفَس‭ ‬التراجيدي‭ ‬بقليل‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬الجانبية،‭ ‬والحوارات‭ ‬الطريفة،‭ ‬وبعض‭ ‬الغناء‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬‮«‬كايا‮»‬‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬فرقة‭ ‬موسيقية‭. ‬يثير‭ ‬ماغنوس‭ ‬بعض‭ ‬الأسئلة‭ ‬الافتراضية‭ ‬من‭ ‬قبيل‭: ‬ماذا‭ ‬كنتِ‭ ‬ستفعلين‭ ‬لو‭ ‬كنتِ‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬الآن؟‭ – ‬استحم‭ ‬بحمّام‭ ‬ساخن‭. ‬وماذا‭ ‬كنتَ‭ ‬ستفعلُ‭ ‬أنت؟‭ ‬سأشتري‭ ‬كبابا‭ ‬كبير‭ ‬الحجم،‭ ‬وسأذهب‭ ‬لنهائي‭ ‬دوري‭ ‬أبطال‭ ‬أوروبا‭. ‬ثم‭ ‬يتواصل‭ ‬الحوار‭ ‬لنعرف‭ ‬أنها‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬البرلمان،‭ ‬وهو‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬ممثلا‭ ‬مشهورا،‭ ‬ويتزوج‭ ‬ويتمنى‭ ‬أن‭ ‬يُرزق‭ ‬بطفلين‭. ‬ثم‭ ‬تبدأ‭ ‬بالغناء‭ ‬بينما‭ ‬يغوص‭ ‬ماغنوس‭ ‬في‭ ‬ذكرياته‭ ‬التي‭ ‬أيقظها‭ ‬هذا‭ ‬الصوت‭ ‬الشجي‭ ‬الناعم‭. ‬الطفل‭ ‬ذو‭ ‬السترة‭ ‬الصفراء‭ ‬وجدناه‭ ‬مقتولا‭ ‬لكن‭ ‬‮«‬كايا‮»‬‭ ‬تحمّل‭ ‬نفسها‭ ‬مسؤولية‭ ‬موته،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تصطحبه‭ ‬معها،‭ ‬لكنه‭ ‬أصرّ‭ ‬على‭ ‬انتظار‭ ‬شقيقه‭. ‬وبينما‭ ‬يتفادى‭ ‬الناس‭ ‬طلقات‭ ‬الإرهابي‭ ‬وهم‭ ‬يركضون‭ ‬صوب‭ ‬زورق‭ ‬مطاطي‭ ‬جاء‭ ‬لينقذ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬إنقاذه‭ ‬أصيبت‭ ‬‮«‬كايا‮»‬‭ ‬بطلق‭ ‬ناري‭ ‬وسقطت‭ ‬أرضا‭ ‬فلَم‭ ‬يجد‭ ‬ماغنوس‭ ‬بُدا‭ ‬من‭ ‬الصعود‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬الزورق‭ ‬وهناك‭ ‬نشاهد‭ ‬إيميليا‭ ‬وهي‭ ‬ترتدي‭ ‬كنزتها‭ ‬الصفراء‭ ‬أيضا‭. ‬فمن‭ ‬كنّا‭ ‬نظنها‭ ‬ضحية‭ ‬وجدناها‭ ‬حيّة‭ ‬تُرزق،‭ ‬أما‭ ‬شقيقتها‭ ‬القلقة‭ ‬فقد‭ ‬واجهت‭ ‬مصيرها‭ ‬المحتوم‭.‬

برع‭ ‬المخرج‭ ‬إريك‭ ‬بوﭘبه‭ ‬في‭ ‬تقنية‭ ‬اللقطة‭ ‬الطويلة‭ ‬الواحدة‭ ‬التي‭ ‬تضطر‭ ‬المُشاهِد‭ ‬لأن‭ ‬يركِّز‭ ‬في‭ ‬الحدث‭ ‬الأبرز‭ ‬للقصة‭ ‬السينمائية‭ ‬ولا‭ ‬يحيد‭ ‬عنها‭ ‬أبدا،‭ ‬وهناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬التي‭ ‬أُنتجت‭ ‬بهذه‭ ‬التقنية‭ ‬نذكر‭ ‬منها‭ ‬‮«‬سمكة‭ ‬وقطة‮»‬‭ ‬لشهرام‭ ‬مكري،‭ ‬و«فكتوريا‮»‬‭ ‬لسباستيان‭ ‬شيبر،‭ ‬و«الملك‭ ‬ديف‮»‬‭ ‬لدانييل‭ ‬غرو‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬المستقرة‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬المتلقّين‭.‬

جدير‭ ‬ذكره‭ ‬أن‭ ‬إريك‭ ‬بوبـه‭ ‬أنجز‭ ‬سبعة‭ ‬أفلام‭ ‬روائية‭ ‬ووثائقية‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مسلسل‭ ‬تلفزيوني‭ ‬واحد‭ ‬نذكر‭ ‬منها‭ ‬‮«‬رجال‭ ‬الأطفاء‮»‬،‭ ‬‮«‬هاواي‭- ‬أوسلو‮»‬،‭ ‬‮«‬مياه‭ ‬مضطربة‮»‬‭ ‬و«ليلة‭ ‬سعيدة‭ ‬ألف‭ ‬مرة‮»‬‭. ‬ويُعد‭ ‬المخرج‭ ‬النرويجي‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬نال‭ ‬جائزة‭ ‬نقاد‭ ‬السينما‭ ‬الوطنية‭ ‬النرويجية‭ ‬أربع‭ ‬مرات،‭ ‬كما‭ ‬نال‭ ‬جوائز‭ ‬أخرى‭ ‬محلية‭ ‬وعالمية‭ ‬عن‭ ‬مجمل‭ ‬أفلامه‭ ‬السينمائية‭ ‬التي‭ ‬لفتت‭ ‬انتباه‭ ‬المتلقين‭ ‬والنقّاد‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية