أسمهان‭ ‬تلك‭ ‬الحياة التي‭ ‬ستظلّ‭ ‬تدهشنا

حجم الخط
0

فاجأَنا‭ ‬محمود‭ ‬زيباوي‭ ‬حين‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬مستهلّ‭ ‬محاضرته‭ ‬عن‭ ‬الفنانة‭ ‬أسمهان،‭ ‬إن‭ ‬الشهرة‭ ‬التي‭ ‬تحقّقت‭ ‬لها‭ ‬بدأت‭ ‬بُعيد‭ ‬رحيلها‭. ‬لم‭ ‬تُجر‭ ‬لها‭ ‬مقابلة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬والمجلات‭ ‬الفنية،‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬قال‭. ‬بالطبع‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬أخبار‭ ‬عن‭ ‬حفلات‭ ‬أقامتها‭ (‬تحت‭ ‬اسم‭ ‬أمل‭ ‬الأطرش‭ ‬في‭ ‬البداية‭) ‬أشارت‭ ‬خصوصا‭ ‬إلى‭ ‬جمال‭ ‬صوتها‭ ‬وحداثة‭ ‬سنها‭. ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الأخبار‭ ‬نشر‭ ‬بإيعاز‭ ‬أو‭ ‬بتوسط‭ ‬من‭ ‬شركتي‭ ‬الأسطوانات‭ ‬كولومبيا‭ ‬ثم‭ ‬بيضافون‭ ‬تتاليا‭. ‬ثم‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يرجّح‭ ‬الحضور‭ ‬الفنيّ‭ ‬القليل‭ ‬للفنانة‭ ‬هو‭ ‬قلة‭ ‬عدد‭ ‬الأغنيات‭ ‬التي‭ ‬أنشدتها‭ ‬حيث،‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬ليلى‭ ‬مراد‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬عشرة‭ ‬بين‭ ‬1931‭ ‬و1944،غنّت‭ ‬الأخيرة‭ ‬ثلاثين‭ ‬ضعف‭ ‬ما‭ ‬غنته‭ ‬الأولى،‭ ‬وأيضا‭ ‬بحسب‭ ‬المحاضر‭. ‬وفي‭ ‬مجال‭ ‬السينما‭ ‬لم‭ ‬يزد‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬أسمهان‭ ‬ببطولته‭ ‬عن‭ ‬فيلمين‭ ‬اثنين‭ ‬كان‭ ‬العرض‭ ‬الأول‭ ‬لثانيهما‭ ‬‮«‬انتصار‭ ‬الشباب‮»‬‭ ‬قد‭ ‬جرى‭ ‬إثر‭ ‬حادثة‭ ‬غرقها‭ ‬الشهيرة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الترعة،‭ ‬فكان‭ ‬العرض‭ ‬افتتاحا‭ ‬احتفاليا‭ ‬للفيلم‭ ‬وتأبينا‭ ‬لبطلته‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬معا‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الرحيل‭ ‬المبكر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وحده‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬تراث‭ ‬أسمهان‭ ‬القليل؛‭ ‬وربما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذاك‭ ‬الرحيل،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬أوصل‭ ‬شهرتها‭ ‬لاحقا‭ ‬إلى‭ ‬المستوى‭ ‬الذي‭ ‬بلغته‭. ‬ذاك‭ ‬أن‭ ‬أدوارا‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬والعشق‭ ‬والسياسة‭ ‬والفن‭ ‬اختلطت‭ ‬معا‭ ‬في‭ ‬شخصيتها‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬تزال،‭ ‬منذ‭ ‬وفاتها‭ ‬قبل‭ ‬اثنين‭ ‬وسبعين‭ ‬عاما‭ ‬وحتى‭ ‬الآن،‭ ‬الأكثر‭ ‬إثارة‭ ‬للجدل‭ ‬بين‭ ‬النساء‭ ‬العربيات‭ ‬جميعهن‭ ‬وليس‭ ‬بين‭ ‬الفنّانات‭ ‬وحدهنّ‭. ‬

لم‭ ‬يتقادم‭ ‬الزمن‭ ‬على‭ ‬أسطورتها‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬فتئ‭ ‬أفقها‭ ‬يتسع‭ ‬ترافقا‭ ‬مع‭ ‬اتساع‭ ‬الوعي‭ ‬الدرامي‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬التبلور‭ ‬جيلا‭ ‬عربيا‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭. ‬وها‭ ‬إننا‭ ‬نشهد‭ ‬تزايد‭ ‬الاهتمام‭ ‬بفنها‭ ‬وسيرتها،‭ ‬سواء‭ ‬بسواء،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬نرى‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬بطلات‭ ‬الشاشة‭ ‬ورائدات‭ ‬التحرّر‭ ‬على‭ ‬اختلافهنّ،‭ ‬جرى‭ ‬تأطير‭ ‬شهرتهنّ‭ ‬في‭ ‬تصورات‭ ‬قليلة‭ ‬عنهن،‭ ‬قابلة‭ ‬للتقلّص‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬هي‭ ‬قابلة‭ ‬للاتساع‭. ‬أتذكر‭ ‬هنا‭ ‬ذلك‭ ‬الاحتفال‭ ‬الذي‭ ‬أعده‭ ‬كتّاب‭ ‬مصريون‭ ‬لنجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬في‭ ‬عيد‭ ‬ميلاده‭ ‬الثاني‭ ‬والتسعين‭. ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬يوسف‭ ‬القعيد‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬سأله‭ ‬من‭ ‬بينهم،‭ ‬ماذا‭ ‬يفعل‭ ‬الروائي‭ ‬الكبير‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬منفردا‭ ‬بنفسه‭. ‬‮«‬باغنّي‮»‬‭ ‬أجاب‭ ‬محفوظ،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يضيف‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يغنّيه،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يترنّم‭ ‬به،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يسمعه‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬شبابه‭ ‬من‭ ‬أغنيات‭ ‬منيرة‭ ‬المهدية‭. ‬وإذ‭ ‬يسمع‭ ‬واحدنا‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬على‭ ‬اليوتيوب‭ ‬يروح‭ ‬يتساءل‭ ‬عن‭ ‬منيرة‭ ‬المهدية‭ ‬الباقية‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬محفوظ،‭ ‬فيخالها‭ ‬محبوسة‭ ‬هناك،‭ ‬في‭ ‬مربّع‭ ‬صغير‭ ‬وقديم‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الذاكرة‭. ‬

‭ ‬كيف‭ ‬حصل‭ ‬لامرأة‭ ‬عربية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الثلاثينيات‭ ‬والأربعينيات‭ ‬أن‭ ‬النجومية‭ ‬والشهرة‭ ‬كانتا‭ ‬دون‭ ‬طموحها‭ ‬فلجأت‭ ‬إلى‭ ‬مجالات‭ ‬أخرى‭ ‬لتحقق‭ ‬ذاتها

في‭ ‬ما‭ ‬خصّ‭ ‬أسمهان‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬الاحتفال‭ ‬بها‭ ‬متفاعلا‭ ‬ومتناميا‭ ‬مع‭ ‬توالي‭ ‬السنوات‭. ‬بين‭ ‬فترة‭ ‬وأخرى‭ ‬يحدث‭ ‬أن‭ ‬تحظى‭ ‬بموجة‭ ‬اهتمام‭ ‬فيسرع‭ ‬سينمائيون‭ ‬أو‭ ‬تلفزيونيون‭ ‬أو‭ ‬كتّاب‭ ‬إلى‭ ‬إلقاء‭ ‬ضوء‭ ‬جديد‭ ‬عليها‭ ‬فنفكّر‭ ‬أننا‭ ‬بإزاء‭ ‬مرحلة‭ ‬اكتشاف‭ ‬جديدة‭ ‬لها،‭ ‬أو‭ ‬هي‭ ‬مرحلة‭ ‬أخرى‭ ‬لتجديد‭ ‬أسمهان،‭ ‬التجديد‭ ‬المستمر،‭ ‬حيث‭ ‬يفكّر‭ ‬جيل‭ ‬جمهورها‭ ‬الجديد،‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كتب‭ ‬عنها‭ ‬أو‭ ‬أنجز‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬السابقين‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬متاحا‭ ‬له‭ ‬فهم‭ ‬ظاهرتها‭. ‬

وها‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأمسية،‭ ‬نكتشف‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬لا‭ ‬نعرفها‭ ‬عن‭ ‬أسمهان‭. ‬كنا‭ ‬نظن‭ ‬مثلا‭ ‬أنها‭ ‬جاءت‭ ‬إلى‭ ‬الفن‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سبقها‭ ‬إليه‭ ‬أخوها‭ ‬فريد‭ ‬الأطرش‭. ‬كما‭ ‬أننا‭ ‬بدونا‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أننا‭ ‬نفاجأ‭ ‬بما‭ ‬كنا‭ ‬على‭ ‬علم‭ ‬به‭ ‬أصلا،‭ ‬وهو‭ ‬أنها‭ ‬توفيت‭ ‬ولم‭ ‬يتجاوز‭ ‬عمرها‭ ‬السبعة‭ ‬وعشرين‭ ‬عاما‭. ‬أقصد‭ ‬أننا،‭ ‬حيال‭ ‬عمرها،‭ ‬تلقينا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأمسية‭ ‬تأكيدا‭ ‬لما‭ ‬نعرفه،‭ ‬لكننا‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬واثقين‭ ‬من‭ ‬إمكان‭ ‬تحقّقه‭. ‬إذ‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لكل‭ ‬هذه‭ ‬الحياة،‭ ‬حياة‭ ‬أسمهان،‭ ‬أن‭ ‬تتسع‭ ‬لها‭ ‬تلك‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭. ‬هي‭ ‬ثلاثة‭ ‬عشر‭ ‬عاما‭ ‬فقط،‭ ‬وما‭ ‬يزيدها‭ ‬كثافة‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬عاشتها‭ ‬اعتزلت‭ ‬عملها‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬مرّتين‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬استمرت‭ ‬إحداهما‭ ‬سنتين‭ ‬كاملتين‭. ‬ثم‭ ‬هناك‭ ‬الوجوه‭ ‬الأخرى‭ ‬لتلك‭ ‬الحياة‭: ‬السياسة‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬غير‭ ‬جزئي‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬أنها‭ ‬تورطت‭ ‬مع‭ ‬القيادات‭ ‬المحلية‭ ‬لدول‭ ‬الحلفاء،‭ ‬ولكي‭ ‬تزيد‭ ‬تورّطها‭ ‬تعقيدا،‭ ‬بدأت‭ ‬محادثات‭ ‬مع‭ ‬الألمان‭. ‬ثم‭ ‬هناك‭ ‬سيرتها‭ ‬الشخصية،‭ ‬زيجاتها‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬ذكر‭ ‬جوانب‭ ‬منها‭ ‬الجنرال‭ ‬غورو‭ ‬نفسه،‭ ‬ثم‭ ‬إنفاقها،‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬استهلك‭ ‬ثروات،‭ ‬ثم‭ ‬قيادتها‭ ‬لتحرك‭ ‬غير‭ ‬واضح‭ ‬قادت‭ ‬فيه‭ ‬مقاتلين‭ ‬في‭ ‬جبل‭ ‬العرب،‭ ‬ثم‭ ‬حياتها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬حيث‭ ‬عُرضت‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأمسية‭ ‬صورة‭ ‬لحفل‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬بيتها‭ ‬ضم‭ ‬وجوه‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬ألفرد‭ ‬نقاش‭. ‬وما‭ ‬يوازي‭ ‬ذلك‭ ‬أهمية‭ ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬المشاهد‭ ‬الجزئية‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬أحدها‭ ‬معتلية‭ ‬ظهر‭ ‬حصان‭ ‬وهي‭ ‬بين‭ ‬مؤيديها،‭ ‬وأيضا‭ ‬تلك‭ ‬السيرة‭ ‬الأكثر‭ ‬إيجازا‭ ‬عن‭ ‬حياتها،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتعدى‭ ‬ثلاث‭ ‬كلمات‭ ‬أو‭ ‬أربع‭ ‬كلمات،‭ ‬ومفادها‭ ‬أنها‭ ‬ولدت‭ ‬في‭ ‬الماء‭ ‬وماتت‭ ‬في‭ ‬الماء‭. ‬وهذا‭ ‬كلام،‭ ‬على‭ ‬شعبيته،‭ ‬يبدو‭ ‬كأنه‭ ‬كتب‭ ‬بلغة‭ ‬الأساطير‭.‬

كنا‭ ‬نردّد،‭ ‬متسائلين‭ ‬ومتعجيين،‭ ‬كيف‭ ‬حصل‭ ‬لامرأة‭ ‬عربية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الثلاثينيات‭ ‬والأربعينيات‭ ‬أن‭ ‬النجومية‭ ‬والشهرة‭ ‬كانتا‭ ‬دون‭ ‬طموحها‭ ‬فلجأت‭ ‬إلى‭ ‬مجالات‭ ‬أخرى‭ ‬لتحقق‭ ‬ذاتها‭. ‬لكن،‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬ذكره‭ ‬زيباوي‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬هذين‭ ‬لم‭ ‬يتحقّقا‭ ‬لها،‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬طموحها‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬أخذت‭ ‬تفتح‭ ‬أبوابا‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬صعوبة‭. ‬على‭ ‬أي‭ ‬حال‭ ‬تظل‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬الأكثر‭ ‬التباسا‭ ‬وغنى‭ ‬دراميا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الشهيرات،‭ ‬والأكثر‭ ‬مدعاة‭ ‬للتفكير‭ ‬والدهشة‭. ‬هي‭ ‬شخصية‭ ‬للسينما،‭ ‬لا‭ ‬لفيلم‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬لمقتربات‭ ‬سينمائية‭ ‬متتالية‭. ‬‭*‬في‭ ‬دار‭ ‬النمر‭ (‬كليمنصو‭) ‬أحيا‭ ‬محمود‭ ‬زيباوي‭ ‬في‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭/‬أيلول‭ ‬الجاري‭ ‬أمسية‭ ‬كان‭ ‬موضوعها‭ ‬الفنانة‭ ‬أسمهان‭. 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية