سُكَّر‭ ‬النسيم‭ ‬في‭ ‬‮«‬الأعمال‭ ‬الشعرية‭ ‬الكاملة‮»‬‭ ‬للإيرانية‭ ‬فروغ‭ ‬فرخزاد‭ ‬

هاشم‭ ‬شفيق
حجم الخط
0

للشعر‭ ‬الفارسي‭ ‬تاريخ‭ ‬من‭ ‬الغبطة،‭ ‬ومراحل‭ ‬من‭ ‬الإبهار‭ ‬والصنعة‭.  ‬شعر‭ ‬حمل‭ ‬تقنيات‭ ‬التركيب‭ ‬والإتقان‭ ‬والفتنة،‭ ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬هذه‭ ‬الميّزات،‭ ‬تبزغ‭ ‬الحكمة‭ ‬والدوال‭ ‬والقرائن‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بماضي‭ ‬الأزمنة‭ ‬وتواريخ‭ ‬تحولاتها‭ ‬الكبرى،‭ ‬ليزامن‭ ‬هذا‭ ‬الشعر‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الكبار‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬الفرس‭ ‬حياة‭ ‬الروح‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬مرت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬مناقب‭ ‬وجوائح‭ ‬ومشكلات‭ ‬أنطولوجية،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬سعدي‭ ‬الشيرازي‭ ‬وتولهاته‭ ‬بالمحبوب‭ ‬غير‭ ‬المعلوم،‭ ‬والمتماهي‭ ‬مع‭ ‬الكون‭ ‬والمجهول‭ ‬والمبهم،‭ ‬وكذلك‭ ‬المعلوم‭ ‬والمتجسد‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬الأنثى‭ ‬غير‭ ‬المصرح‭ ‬به‭ ‬علناً،‭ ‬بل‭ ‬المكتوم‭ ‬والمتوارى‭ ‬في‭ ‬خلجات‭ ‬النفس‭ ‬وطواياها،‭ ‬وحتى‭ ‬مراحل‭ ‬شعراء‭ ‬الحداثة‭ ‬والتجديد،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬دشنها‭ ‬نيما‭ ‬يوشج،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬شعراء‭ ‬،‭ ‬كالأخوين‭ ‬ثالث‭ ‬مهدي،‭ ‬وسُهراب‭ ‬سِبهري،‭ ‬ثم‭ ‬السطوع‭ ‬الكبير‭ ‬لرائد‭ ‬الحداثة‭ ‬الثاني‭ ‬أحمد‭ ‬شاملو،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬التوهج‭ ‬الحداثي‭ ‬الذي‭ ‬ظهر‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الشاعرة‭ ‬والفنانة‭ ‬فروغ‭ ‬فرخزاد،‭ ‬التي‭ ‬قضت‭ ‬في‭ ‬حادث‭ ‬مؤسف‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬عطائها‭ ‬الشعري،‭ ‬الفني‭ ‬والجمالي‭ .‬

كانت‭ ‬الحياة‭ ‬الأدبية‭ ‬للشاعرة‭ ‬قصيرة،‭ ‬والشوط‭ ‬الجمالي‭ ‬لفنها‭ ‬السينمائي‭ ‬أيضاً‭ ‬لا‭ ‬يتعدى‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة،‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬فلقد‭ ‬حققت‭ ‬وعلى‭ ‬طريقة‭ ‬الكبار،‭ ‬مجدها‭ ‬وخلودها‭ ‬الأدبي‭ ‬والفني،‭ ‬مختصرة‭ ‬بذلك‭ ‬الأزمان،‭ ‬ولكأنها‭ ‬كانت‭ ‬تعرف‭ ‬أنها‭ ‬راحلة‭ ‬باكراً،‭ ‬وعليها‭ ‬أن‭ ‬تعطي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تغرب‭ ‬شمسها‭ ‬وتحين‭ ‬ساعتها‭. ‬فلقد‭ ‬كانت‭ ‬تسابق‭ ‬الزمن‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬العطاء‭ ‬الخلاق،‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬مسيرتها‭ ‬الشعرية‭ ‬التي‭ ‬أنتجت‭ ‬وأعطت‭ ‬خمسة‭ ‬دواوين‭ ‬شعرية،‭ ‬قليلة‭ ‬قياساً‭ ‬بعطاء‭ ‬الآخرين،‭ ‬ولكنها‭ ‬كثيرة‭ ‬بحساب‭ ‬الكيفية‭ ‬وليس‭ ‬الكمية،‭ ‬وبحساب‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬فاتحة‭ ‬عهد‭ ‬للتحولات‭ ‬الشعرية‭ ‬والتعبيرية‭ ‬الجدية‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬الفارسي،‭ ‬فزمان‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬كان‭ ‬يقاس‭ ‬الإبداع‭ ‬بقصيدة‭ ‬مهمة‭ ‬ومؤثرة‭ ‬وبارزة،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬ديوان‭ ‬جامع‭ ‬ومخلخل‭ ‬للثابت‭ ‬والراسخ‭ ‬والمؤبد،‭ ‬كديوان‭ ‬‮«‬أنشودة‭ ‬المطر‮»‬‭ ‬للسياب،‭ ‬و»أغاني‭ ‬مهيار‭ ‬الدمشقي‮»‬‭ ‬لأدونيس،‭ ‬و»أباريق‭ ‬مهشمة‮»‬‭ ‬للبياتي،‭ ‬فكذلك‭ ‬كانت‭ ‬فروغ‭ ‬فرخزاد‭ ‬في‭ ‬ديوانها‭ ‬الأول‭ ‬‮«‬الأسيرة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تجاوز‭ ‬المحظور‭ ‬وتخطى‭ ‬المكرّس‭ ‬والمعلوم،‭ ‬ليعلن‭ ‬هو‭ ‬تحوله‭ ‬الجمالي،‭ ‬ففيه‭ ‬تظهر‭ ‬فروغ‭ ‬كمتمردة‭ ‬وخلاقة‭ ‬ومتخطية‭ ‬بأشعارها‭ ‬كل‭ ‬القيم‭ ‬والمفاهيم‭ ‬والمسالك‭ ‬التقليدية،‭ ‬لتقول‭ ‬رأيها‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬والحب،‭ ‬وفي‭ ‬الفن‭ ‬والشعر،‭ ‬ولترسم‭ ‬طريقة‭ ‬مغايرة‭ ‬وغير‭ ‬مألوفة‭ ‬سابقاً‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬الفارسي،‭ ‬تقول‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يعتمل‭ ‬في‭ ‬دواخلها‭ ‬من‭ ‬أشواق،‭ ‬ولواعج‭ ‬وتحديات‭ ‬للعادي،‭ ‬والمتداول‭ ‬والمألوف‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الإيرانية‭ ‬آنذاك‭ ‬من‭ ‬مطلع‭ ‬الخمسينيات،‭ ‬وبصدور‭ ‬ديوانها‭ ‬الأول‭ ‬تعرضت‭ ‬فروغ‭ ‬فرخزاد‭ ‬للأقاويل‭ ‬والإفتاء‭ ‬والمحاربة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬العقليات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬بالجديد،‭ ‬ولا‭ ‬ترضى‭ ‬بالتحولات‭ ‬الدينامية‭ ‬والمتفاعلة‭ ‬مع‭ ‬الحب‭ ‬وعالم‭ ‬الأشواق‭ ‬وقول‭ ‬المكبوت‭ ‬وبث‭ ‬المسكوت‭ ‬عنه،‭ ‬وطرح‭ ‬الأفكار‭ ‬الجديدة‭ ‬حول‭ ‬العلاقات‭ ‬الحبية‭ ‬بين‭ ‬شخصين،‭ ‬وإيراد‭ ‬تمثلات‭ ‬الأشواق‭ ‬والجوانيات‭ ‬المحمولة‭ ‬على‭ ‬الرغبة‭ ‬والهجس‭ ‬بالأفق‭ ‬الفني‭ ‬لعوالم‭ ‬الإيروتيكا‭ ‬الرومانسية،‭ ‬والمصحوبة‭ ‬بتطلعات‭ ‬الجسد‭ ‬ورغباته،‭ ‬تجاه‭ ‬المحبوب‭ ‬والمعشوق،‭ ‬والرجل‭ ‬المفتقد‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬عالم‭ ‬الأنوثة،‭ ‬تلك‭ ‬الأنوثة‭ ‬المُحاربة‭ ‬أمانيها‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬سلفية،‭ ‬وتقليدية،‭ ‬وتحارب‭ ‬عطاء‭ ‬الحب‭ ‬بشتى‭ ‬الوسائل‭ ‬المتاحة‭ ‬لها،‭ ‬لكبح‭ ‬جماح‭ ‬الأشواق‭ ‬والتولّه،‭ ‬أو‭ ‬نشدان‭ ‬الرغبة‭ ‬واللذة‭ ‬والتطلع‭ ‬نحو‭ ‬الشق‭ ‬الثاني‭ ‬المتمثل‭ ‬بعالم‭ ‬الذكورة‭.‬

‮«‬‭ ‬آهٍ‭ ‬أيها‭ ‬الرجلُ‭ ‬الذي‭ ‬أحرق‭ ‬شفتيَّ‭ ‬بالقُبل،

هل‭ ‬رأيتَ‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬عينيَّ،

هل‭ ‬قرأت‭ ‬يوماً‭ ‬سرَّ‭ ‬هذا‭ ‬الجنون،

هل‭ ‬تعرف‭ ‬حقّاً‭ ‬أنني‭ ‬أخفي‭ ‬بقلبي‭ ‬نقشاً

من‭ ‬هذا‭ ‬الحب؟

قالوا‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬مجنونة،

وتسمح‭ ‬أنْ‭ ‬يقبلوا‭ ‬شفتيها‭ ‬بسهولةٍ،

ربما‭ … ‬لكنَّ‭ ‬القبلة‭ ‬من‭ ‬شفتيكَ

تمنح‭ ‬شفتي‭ ‬الميَّتة‭ ‬الحياة‮»‬‭.‬

كانت‭ ‬هذه‭ ‬الأشعار‭ ‬تثير‭ ‬حفيظة‭ ‬المحافظين،‭ ‬وما‭ ‬أكثرهم‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الشرقية،‭ ‬الإسلامية،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تحلل‭ ‬العهر‭ ‬الواضح‭ ‬والمفضوح،‭ ‬مثل‭ ‬زواج‭ ‬المِتعة،‭ ‬وهو‭ ‬دعارة‭ ‬علنية‭ ‬يحللها‭ ‬الفقيه‭ ‬المذهبي،‭ ‬بينما‭ ‬يحرِّم‭ ‬الحب‭ ‬والعشق‭ ‬والتواصل‭ ‬الإنساني‭ ‬بين‭ ‬كائنين‭. ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬وغيره،‭ ‬كتبت‭ ‬فروغ‭ ‬بتحد،‭ ‬ودون‭ ‬خوف،‭ ‬وبلا‭ ‬رقيب‭ ‬داخلي،‭ ‬عن‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية‭ ‬الحميمة‭ ‬والدافئة،‭ ‬وهي‭ ‬غير‭ ‬العلاقة‭ ‬الداعرة،‭ ‬والمشتراة‭ ‬والمبصومة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الراعي‭ ‬الديني،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تنتهي‭ ‬بانتهاء‭ ‬زمن‭ ‬الشهوة‭ ‬وقصر‭ ‬حبلها‭ ‬المتواطئ،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬كائنين‭ ‬ينشدانها‭ ‬بواسطة‭ ‬رقيب‭ ‬بطرياركي،‭ ‬يبصم‭ ‬في‭ ‬الخفاء‭ ‬بيد،‭ ‬ويقبض‭ ‬العمولة‭ ‬بيد‭ ‬أُخرى‭ .‬

‮«‬‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعرف‭ ‬أنَّ‭ ‬وجوه‭ ‬الناس‭ ‬ملونة‭ ‬بالخداع،

أهٍ‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬المُخادع

بوجوهٍ‭ ‬تنشلني،

وهذه‭ ‬أنا‭ ‬امرأة‭ ‬متعبة‭ ‬من‭ ‬الخداع‭ ‬والمكر،

إنني‭ ‬أرجع‭ ‬إلى‭ ‬قفصك،

إفتح‭ ‬لي‭ ‬الأبواب‭ ‬واسجني،

أنا‭ ‬فقط‭ ‬وراء‭ ‬القضبان‭ ‬سعيدة‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬النماذج‭ ‬الشعرية‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬ديوان‭ ‬‮«‬الأسيرة‮»‬‭ ‬الصادر‭ ‬عام‭ ‬1953‭ ‬بعدها‭ ‬وفي‭ ‬العقد‭ ‬ذاته،‭ ‬أي‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬أصدرت‭ ‬ديوانها‭ ‬‮«‬جدار‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أكد‭ ‬على‭ ‬غنى‭ ‬تجربتها‭ ‬الشعرية‭ ‬واتساع‭ ‬أفقها‭ ‬التعبيري،‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬رافقت‭ ‬تحولات‭ ‬زمنها‭ ‬الشعري،‭ ‬غب‭ ‬اطلاعها‭ ‬على‭ ‬الأنسقة‭ ‬الشعرية‭ ‬الأخرى،‭ ‬ومحاولاتها‭ ‬لهضم‭ ‬تلك‭ ‬التحولات‭ ‬الفنية،‭ ‬لصالح‭ ‬فنها‭ ‬الشعري‭ ‬وأفقها‭ ‬الإبداعي‭ ‬الحافل‭ ‬بالقضايا‭ ‬والمواضيع‭ ‬والأبحاث‭ ‬الحبية،‭ ‬محاكية‭ ‬الآخر‭ ‬بأسلوبها‭ ‬ليستجيب‭ ‬لنداءاتها‭ ‬الداخلية‭ ‬وأحلامها‭ ‬القلبية،‭ ‬ودواخلها‭ ‬المستعرة‭ ‬والفائرة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تفيض‭ ‬بالنشدان‭ ‬والاغتلام‭ ‬والسعي‭ ‬المشوب‭ ‬بإيقاعات‭ ‬الجسد،‭ ‬وتموجاته‭ ‬الرغبوية‭ :‬

‮«‬‭ ‬اقترفتُ‭ ‬ذنباً‭ ‬مليئاً‭ ‬باللذة،‭ ‬قرب‭ ‬جسدٍ‭ ‬مندهش‭ ‬مرتجف،‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬يا‭ ‬ربُّ

ماذا‭ ‬فعلت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬العتمةِ،‭ ‬نظرتُ‭ ‬إلى‭ ‬عينيه‭ ‬الفائضتينِ‭ ‬بالأسرارِ،

قلبي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬رجاءاته‭ ‬وعينيه‭ ‬يرتجف‭ ‬في‭ ‬صدري،‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الفراغ‭ ‬المظلم،

كعاشقة‭ ‬جلستُ‭ ‬قربَهُ،‭ ‬شفتاه‭ ‬صبَّتا‭ ‬على‭ ‬شفتيَّ‭ ‬اللذة،‭ ‬وفرّ‭ ‬الحزنُ‭ ‬من‭ ‬قلبي،‭ ‬قرأتُ

على‭ ‬مسامعهِ‭ ‬حديث‭ ‬العشق‭ ‬وقلتُ‭ : ‬أُريدك‭ ‬يا‭ ‬روحي،‭ ‬أريدك‭ ‬أيها‭ ‬الحضن‭ ‬المعطاء،‭ ‬أُريدكَ‭ ‬يا‭ ‬معشوقي،‭ ‬الشهوةُ‭ ‬كانت‭ ‬تتعالى‭ ‬من‭ ‬عينيه،‭ ‬النبيذ‭ ‬الأحمرُ‭ ‬رقص‭ ‬في‭ ‬الكأس،‭ ‬جسدي‭ ‬رجفَ‭ ‬فوق‭ ‬صدره‭ ‬في‭ ‬سرير‭ ‬ناعم‮»‬‭ . ‬من‭ ‬ديوان‭ ‬‮«‬جدار‮»‬‭ .‬

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬الشاعرة‭ ‬الطليعية،‭ ‬المأخوذة‭ ‬بشغف‭ ‬الحب،‭ ‬المتمردة‭ ‬والمُصرِّحة‭ ‬برغباتها‭ ‬الجسدية،‭ ‬والمنطوية‭ ‬على‭ ‬لوعة‭ ‬شهوية،‭ ‬ووله‭ ‬جامح‭ ‬بالآخر،‭ ‬تطرح‭ ‬في‭ ‬ديوانها‭ ‬الثالث‭ ‬‮«‬العصيان‮»‬‭ ‬صورة‭ ‬مغايرة‭ ‬لتلك‭ ‬العاشقة،‭ ‬هنا‭ ‬نراها‭ ‬تمارس‭ ‬النقد‭ ‬تجاه‭ ‬من‭ ‬تحب،‭ ‬وتفكر‭ ‬بصورة‭ ‬المرأة‭ ‬المستعبَدة‭ ‬والمستبعَدة‭ ‬في‭ ‬آن،‭ ‬صورة‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬يراد‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تخضع‭ ‬للرجل‭ ‬الذي‭ ‬يتمثل‭ ‬بالسلطة‭ ‬العليا‭ ‬والربوبية،‭ ‬إنه‭ ‬السيد‭ ‬القوام‭ ‬على‭ ‬كلّ‭ ‬شيء،‭ ‬الرجل‭ ‬المسوق‭ ‬بفكرة‭ ‬بطرياركية،‭ ‬تؤله‭ ‬المذكر،‭ ‬وتجعل‭ ‬من‭ ‬الأنوثة‭ ‬كملحقات‭ ‬تزيينية‭ ‬تُجمِّل‭ ‬صورة‭ ‬الرجل،‭ ‬وتُعلي‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬وتخدمه‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬وتلمِّع‭ ‬ذكورته‭ ‬كإله‭ ‬صغير‭ ‬يحيا‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬ويحاول‭ ‬بجبروته‭ ‬الذكوري،‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬المرأة‭ ‬دمية‭ ‬بين‭ ‬يديه،‭ ‬يلعب‭ ‬بها‭ ‬ويوجهها‭ ‬كما‭ ‬يشاء،‭ ‬لتلبي‭ ‬رغباته‭ ‬وطلباته‭ ‬كعبدة،‭ ‬يسيِّرها‭ ‬بالاتجاه‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬ويرغب‭ ‬ويشتهي‭ .‬

‮«‬‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أحدِّثك‭ ‬اليوم،

عن‭ ‬سرِّ‭ ‬ضياع‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬العاصية،

رغم‭ ‬أنك‭ ‬تطردني‭ ‬من‭ ‬محرابكَ،

لأنني‭ ‬هنا‭ ‬عبدة،‭ ‬وأنت‭ ‬هناك‭ ‬الرب‭ ‬‮«‬‭. ‬من‭ ‬قصيدة‭ ‬تمرُّد‭ ‬العبودية‭ .‬

عاشت‭ ‬فروغ‭ ‬فرخزاد‭ ‬حياة‭ ‬قلقة،‭ ‬أحبت‭ ‬وتزوجت‭ ‬مَن‭ ‬أحبت،‭ ‬وأنجبت‭ ‬ولدها‭ ‬الوحيد،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحب‭ ‬العاصف،‭ ‬كانت‭ ‬نهايته‭ ‬مدمرة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬افترق‭ ‬العاشقان،‭ ‬بعد‭ ‬مضي‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬فانهارت‭ ‬فروغ‭ ‬حين‭ ‬تم‭ ‬أخذ‭ ‬وحيدها،‭ ‬لتظل‭ ‬صريعة‭ ‬الأفكار‭ ‬والهواجس‭ ‬والقلق‭ ‬الدائم‭ ‬وهي‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬فلذة‭ ‬كبدها،‭ ‬فانهارت‭ ‬نفسياً‭ ‬وسكنت‭ ‬المستشفيات،‭ ‬ولكنها‭ ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬والزمن‭ ‬تغلبت‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬المآسي‭ ‬بعد‭ ‬طلاقها،‭ ‬فأخذت‭ ‬تكتب‭ ‬رسائل‭ ‬إلى‭ ‬ولدها‭ ‬مليئة‭ ‬بالحب‭ ‬واللوعة‭ ‬والشوق‭ ‬العارم،‭ ‬سافرت‭ ‬إلى‭ ‬ايطاليا‭ ‬وألمانيا‭ ‬وإنكلترا،‭ ‬تدربت‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬صناعة‭ ‬الأفلام،‭ ‬عملت‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬كندية‭ ‬لصناعة‭ ‬الأفلام‭ ‬كممثلة،‭ ‬وأخرجتْ‭ ‬أفلاماً‭ ‬وثائقية،‭ ‬وتعاونت‭ ‬مع‭ ‬الشاعر‭ ‬سهراب‭ ‬سبهري‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬أحد‭ ‬الأفلام‭. ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عُرضتْ‭ ‬تلك‭ ‬الأفلام،‭ ‬نالت‭ ‬جوائز‭ ‬عديدة،‭ ‬مما‭ ‬دفعها‭ ‬إلى‭ ‬نسيان‭ ‬الماضي،‭ ‬لتكون‭ ‬صريعة‭ ‬حب‭ ‬جديد،‭ ‬حب‭ ‬حميمي‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬قيود‭ ‬ومراسم‭ ‬وأوراق‭ ‬مختومة،‭ ‬ورسمية‭ ‬تقيد‭ ‬الحريات‭ ‬الشخصية،‭ ‬حبيبها‭ ‬الثاني‭ ‬كان‭ ‬مثقفاً،‭ ‬قاصاً‭ ‬وفناناً‭ ‬معروفاً،‭ ‬قضّت‭ ‬بقية‭ ‬أيامها‭ ‬معه،‭ ‬حتى‭ ‬واتتها‭ ‬المنية‭ ‬في‭ ‬حادث‭ ‬سيارة‭ ‬لم‭ ‬تنج‭ ‬منه،‭ ‬فرحلت‭ ‬فروغ‭ ‬لتترك‭ ‬لآلئ‭ ‬شعرها‭ ‬تضيء‭ ‬زمنها‭ ‬الماضي،‭ ‬وتضيء‭ ‬بأنوار‭ ‬كلماتها‭ ‬الزمن‭ ‬القادم،‭ ‬حتى‭ ‬صارت‭ ‬أيقونة‭ ‬الشعر‭ ‬النسوي‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬ومثالا‭ ‬للمرأة‭ ‬العاشقة،‭ ‬والناشدة‭ ‬لسبيلها‭ ‬دون‭ ‬عوائق‭ ‬وأسوار‭ ‬وحدود،‭ ‬سبيل‭ ‬تمهِّده‭ ‬ومضات‭ ‬الحرية‭ .‬

فروغ‭ ‬فرخزاد‭: ‬

‮«‬الأعمال‭ ‬الشعرية‭ ‬الكاملة‮»‬‭ ‬

‭ ‬ترجمة‭ ‬مريم‭ ‬العطار

دار‭ ‬المدى،‭ ‬بيروت‭ ‬2017‭ ‬

395‭  ‬صفحة‭. ‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية