للشعر الفارسي تاريخ من الغبطة، ومراحل من الإبهار والصنعة. شعر حمل تقنيات التركيب والإتقان والفتنة، وإلى جانب هذه الميّزات، تبزغ الحكمة والدوال والقرائن التي ارتبطت بماضي الأزمنة وتواريخ تحولاتها الكبرى، ليزامن هذا الشعر على يد الكبار من الشعراء الفرس حياة الروح الاجتماعية، بكل ما مرت به من مناقب وجوائح ومشكلات أنطولوجية، بدءاً من سعدي الشيرازي وتولهاته بالمحبوب غير المعلوم، والمتماهي مع الكون والمجهول والمبهم، وكذلك المعلوم والمتجسد في جسد الأنثى غير المصرح به علناً، بل المكتوم والمتوارى في خلجات النفس وطواياها، وحتى مراحل شعراء الحداثة والتجديد، تلك التي دشنها نيما يوشج، ومن ثم شعراء ، كالأخوين ثالث مهدي، وسُهراب سِبهري، ثم السطوع الكبير لرائد الحداثة الثاني أحمد شاملو، ومن ثم التوهج الحداثي الذي ظهر على يد الشاعرة والفنانة فروغ فرخزاد، التي قضت في حادث مؤسف وهي في أوج عطائها الشعري، الفني والجمالي .
كانت الحياة الأدبية للشاعرة قصيرة، والشوط الجمالي لفنها السينمائي أيضاً لا يتعدى السنوات القليلة، ورغم ذلك فلقد حققت وعلى طريقة الكبار، مجدها وخلودها الأدبي والفني، مختصرة بذلك الأزمان، ولكأنها كانت تعرف أنها راحلة باكراً، وعليها أن تعطي قبل أن تغرب شمسها وتحين ساعتها. فلقد كانت تسابق الزمن من أجل العطاء الخلاق، ذلك الذي تمثل في مسيرتها الشعرية التي أنتجت وأعطت خمسة دواوين شعرية، قليلة قياساً بعطاء الآخرين، ولكنها كثيرة بحساب الكيفية وليس الكمية، وبحساب ذلك الزمن الذي كان فاتحة عهد للتحولات الشعرية والتعبيرية الجدية في الشعر الفارسي، فزمان ذلك الوقت كان يقاس الإبداع بقصيدة مهمة ومؤثرة وبارزة، أو على شكل ديوان جامع ومخلخل للثابت والراسخ والمؤبد، كديوان «أنشودة المطر» للسياب، و»أغاني مهيار الدمشقي» لأدونيس، و»أباريق مهشمة» للبياتي، فكذلك كانت فروغ فرخزاد في ديوانها الأول «الأسيرة» الذي تجاوز المحظور وتخطى المكرّس والمعلوم، ليعلن هو تحوله الجمالي، ففيه تظهر فروغ كمتمردة وخلاقة ومتخطية بأشعارها كل القيم والمفاهيم والمسالك التقليدية، لتقول رأيها في الحياة والحب، وفي الفن والشعر، ولترسم طريقة مغايرة وغير مألوفة سابقاً في الشعر الفارسي، تقول فيها ما يعتمل في دواخلها من أشواق، ولواعج وتحديات للعادي، والمتداول والمألوف في الحياة الإيرانية آنذاك من مطلع الخمسينيات، وبصدور ديوانها الأول تعرضت فروغ فرخزاد للأقاويل والإفتاء والمحاربة من قبل العقليات التي لا تقبل بالجديد، ولا ترضى بالتحولات الدينامية والمتفاعلة مع الحب وعالم الأشواق وقول المكبوت وبث المسكوت عنه، وطرح الأفكار الجديدة حول العلاقات الحبية بين شخصين، وإيراد تمثلات الأشواق والجوانيات المحمولة على الرغبة والهجس بالأفق الفني لعوالم الإيروتيكا الرومانسية، والمصحوبة بتطلعات الجسد ورغباته، تجاه المحبوب والمعشوق، والرجل المفتقد تحت سقف عالم الأنوثة، تلك الأنوثة المُحاربة أمانيها في مجتمعات سلفية، وتقليدية، وتحارب عطاء الحب بشتى الوسائل المتاحة لها، لكبح جماح الأشواق والتولّه، أو نشدان الرغبة واللذة والتطلع نحو الشق الثاني المتمثل بعالم الذكورة.
« آهٍ أيها الرجلُ الذي أحرق شفتيَّ بالقُبل،
هل رأيتَ يوماً ما يوجد في أعماق عينيَّ،
هل قرأت يوماً سرَّ هذا الجنون،
هل تعرف حقّاً أنني أخفي بقلبي نقشاً
من هذا الحب؟
قالوا تلك المرأة مجنونة،
وتسمح أنْ يقبلوا شفتيها بسهولةٍ،
ربما … لكنَّ القبلة من شفتيكَ
تمنح شفتي الميَّتة الحياة».
كانت هذه الأشعار تثير حفيظة المحافظين، وما أكثرهم في المجتمعات الشرقية، الإسلامية، تلك التي تحلل العهر الواضح والمفضوح، مثل زواج المِتعة، وهو دعارة علنية يحللها الفقيه المذهبي، بينما يحرِّم الحب والعشق والتواصل الإنساني بين كائنين. عن هذا وغيره، كتبت فروغ بتحد، ودون خوف، وبلا رقيب داخلي، عن العلاقات الإنسانية الحميمة والدافئة، وهي غير العلاقة الداعرة، والمشتراة والمبصومة من قبل الراعي الديني، تلك التي تنتهي بانتهاء زمن الشهوة وقصر حبلها المتواطئ، من قبل كائنين ينشدانها بواسطة رقيب بطرياركي، يبصم في الخفاء بيد، ويقبض العمولة بيد أُخرى .
« لم أكن أعرف أنَّ وجوه الناس ملونة بالخداع،
أهٍ من ألم هذا العالم المُخادع
بوجوهٍ تنشلني،
وهذه أنا امرأة متعبة من الخداع والمكر،
إنني أرجع إلى قفصك،
إفتح لي الأبواب واسجني،
أنا فقط وراء القضبان سعيدة».
هذه النماذج الشعرية هي من ديوان «الأسيرة» الصادر عام 1953 بعدها وفي العقد ذاته، أي بعد مرور أربع سنوات أصدرت ديوانها «جدار» الذي أكد على غنى تجربتها الشعرية واتساع أفقها التعبيري، ذلك أنها رافقت تحولات زمنها الشعري، غب اطلاعها على الأنسقة الشعرية الأخرى، ومحاولاتها لهضم تلك التحولات الفنية، لصالح فنها الشعري وأفقها الإبداعي الحافل بالقضايا والمواضيع والأبحاث الحبية، محاكية الآخر بأسلوبها ليستجيب لنداءاتها الداخلية وأحلامها القلبية، ودواخلها المستعرة والفائرة، تلك التي تفيض بالنشدان والاغتلام والسعي المشوب بإيقاعات الجسد، وتموجاته الرغبوية :
« اقترفتُ ذنباً مليئاً باللذة، قرب جسدٍ مندهش مرتجف، لا أعرف يا ربُّ
ماذا فعلت في تلك العتمةِ، نظرتُ إلى عينيه الفائضتينِ بالأسرارِ،
قلبي كان من رجاءاته وعينيه يرتجف في صدري، في ذلك الفراغ المظلم،
كعاشقة جلستُ قربَهُ، شفتاه صبَّتا على شفتيَّ اللذة، وفرّ الحزنُ من قلبي، قرأتُ
على مسامعهِ حديث العشق وقلتُ : أُريدك يا روحي، أريدك أيها الحضن المعطاء، أُريدكَ يا معشوقي، الشهوةُ كانت تتعالى من عينيه، النبيذ الأحمرُ رقص في الكأس، جسدي رجفَ فوق صدره في سرير ناعم» . من ديوان «جدار» .
غير أنَّ الشاعرة الطليعية، المأخوذة بشغف الحب، المتمردة والمُصرِّحة برغباتها الجسدية، والمنطوية على لوعة شهوية، ووله جامح بالآخر، تطرح في ديوانها الثالث «العصيان» صورة مغايرة لتلك العاشقة، هنا نراها تمارس النقد تجاه من تحب، وتفكر بصورة المرأة المستعبَدة والمستبعَدة في آن، صورة المرأة التي يراد لها أن تخضع للرجل الذي يتمثل بالسلطة العليا والربوبية، إنه السيد القوام على كلّ شيء، الرجل المسوق بفكرة بطرياركية، تؤله المذكر، وتجعل من الأنوثة كملحقات تزيينية تُجمِّل صورة الرجل، وتُعلي من شأنه وتخدمه على الدوام، وتلمِّع ذكورته كإله صغير يحيا على الأرض، ويحاول بجبروته الذكوري، أن يجعل من المرأة دمية بين يديه، يلعب بها ويوجهها كما يشاء، لتلبي رغباته وطلباته كعبدة، يسيِّرها بالاتجاه الذي يريد ويرغب ويشتهي .
« أريد أن أحدِّثك اليوم،
عن سرِّ ضياع هذه الروح العاصية،
رغم أنك تطردني من محرابكَ،
لأنني هنا عبدة، وأنت هناك الرب «. من قصيدة تمرُّد العبودية .
عاشت فروغ فرخزاد حياة قلقة، أحبت وتزوجت مَن أحبت، وأنجبت ولدها الوحيد، غير أن هذا الحب العاصف، كانت نهايته مدمرة بعد أن افترق العاشقان، بعد مضي خمس سنوات، فانهارت فروغ حين تم أخذ وحيدها، لتظل صريعة الأفكار والهواجس والقلق الدائم وهي بعيدة عن فلذة كبدها، فانهارت نفسياً وسكنت المستشفيات، ولكنها وبعد مرور الوقت والزمن تغلبت على تلك المآسي بعد طلاقها، فأخذت تكتب رسائل إلى ولدها مليئة بالحب واللوعة والشوق العارم، سافرت إلى ايطاليا وألمانيا وإنكلترا، تدربت هناك من أجل صناعة الأفلام، عملت في مؤسسة كندية لصناعة الأفلام كممثلة، وأخرجتْ أفلاماً وثائقية، وتعاونت مع الشاعر سهراب سبهري على إنتاج أحد الأفلام. بعد أن عُرضتْ تلك الأفلام، نالت جوائز عديدة، مما دفعها إلى نسيان الماضي، لتكون صريعة حب جديد، حب حميمي من غير قيود ومراسم وأوراق مختومة، ورسمية تقيد الحريات الشخصية، حبيبها الثاني كان مثقفاً، قاصاً وفناناً معروفاً، قضّت بقية أيامها معه، حتى واتتها المنية في حادث سيارة لم تنج منه، فرحلت فروغ لتترك لآلئ شعرها تضيء زمنها الماضي، وتضيء بأنوار كلماتها الزمن القادم، حتى صارت أيقونة الشعر النسوي في إيران، ومثالا للمرأة العاشقة، والناشدة لسبيلها دون عوائق وأسوار وحدود، سبيل تمهِّده ومضات الحرية .
فروغ فرخزاد:
«الأعمال الشعرية الكاملة»
ترجمة مريم العطار
دار المدى، بيروت 2017
395 صفحة.