يعد جنس الرواية من الأجناس الأدبية التي حظيت بمكانة مهمة في الأدب العربي بعد التأثر المباشر بالثقافة الغربية عموما، خلال الخمسينيات من القرن الماضي التي توجت بظهور مجموعة من الأعمال الروائية العربية، التي صنعت المجد وشقت الطريق نحو التأليف الروائي، فظهرت مجموعة المؤلفات التي حققت نوعا من الاستجابة للعوالم الدلالية، التي دعا لها المنظرون الأوائل في الغرب، فكانت الموضوعات التي عالجتها أو التقنيات التي وظفتها في التعبير في بادئ الأمر، تنم عن واقع اجتماعي عربي مليء بتناقضاته وتفاوتاته الطبقية، تمثل المعطى الأساس في الكتابات المغربية الأولى، مترجمة التحولات التي مست المجتمع المغربي وتطوره، فانبثق عن هذه التمفصلات إعادة التأليف الروائي بأشكال تعبيرية، أكثر تجريدية وتجريبية، لها رؤى معينة تستجيب لرغباتهم أولا وهاجسهم الاجتماعي الذي ينخرطون فيه ثانيا، فكانت رواية «هوت ماروك» للإعلامي ياسين عدنان من بين تلك الروايات التي نجد فيها ملامح التجديد في الخطاب الروائي الحديث، شكلا ومضمونا، بدءا بالعنوان «هوت ماروك» الذي يبدو إلى حد ما غامضا ولا يشي بدلالات، قد تساعد القارئ على فهم محتوى الرواية، وهو عكس العناوين في الخطاب الروائي الكلاسيكي، التي يكون فيها العنوان بطاقة هوية للنص الروائي، وهذا لا ينفي وجود دلالات لغوية تعبر عن جماعة معينة كالدارج المغاربي، الذي يتميز به جل مناطق شمال إفريقيا، خاصة المغرب والجزائر وتونس.
ننتقل إلى المتن الروائي الذي يتكون من ثلاثة أجزاء يتوزع بينها اثنان وثلاثون فصلا، لا يربط بينها سوى التجاور النصي وهو ما كنا نجده نادرا في الروايات الكلاسيكية التي تتضمن قصة واحدة في صفحات متتابعة، بدون تقسيم أو ما شابه، إلا في بعض الروايات التي لا يتعدى مؤلفوها تقسيمها إلى جزأين فقط، إذا ما عرجنا صوب المضمون نجده هو أيضا غير مخلص لمضامين الخطاب الروائي المغربي، أو العربي، فكانت الأحداث التي تطرّق لها الكاتب تتخذ أبعادا اجتماعية وثقافية وسياسية ورمزية، اختلط فيها الحابل بالنابل، فكانت رمزية الحيوانات لصيقة بأسماء الشخصيات التي كانت منتقاة بشكل أكثر واقعية، تعكس بشكل غير مباشر تفاوتات طبقية عميقة، عكستها حلقات اتحاد طلبة المغرب والصراعات الأيديولوجية أكثر مما هي سياسية، بين فصائل المنظمة في كلية الآداب في مراكش؛ والمشاكل التي يتخبط فيها الطلبة، وما تعانيه من ضياع وتشتت فكري، واختلاف مذهبي، وتعدد مبدئي، من أهم الأمور التي تجعل من طالب ما يلتحق بفصيل في ساحة جامع الفنا، هذا فضلا عن أصول التعلم، أهي كلاسيكية تنحصر في الكتاب والمساجد وتقتصر على العلوم الأصيلة، من نحو وصرف وبلاغة وعلوم شرعية؟ أم عصرية منفتحة على اللغات الأجنبية والثقافات الغربية، التي تساهم بشكل أكبر في توجيه الطالب ووضعه في الخانة التي يريد؟.
كانت رمزية الحيوانات لصيقة بأسماء الشخصيات التي كانت منتقاة بشكل أكثر واقعية، تعكس بشكل غير مباشر تفاوتات طبقية عميقة، عكستها حلقات اتحاد طلبة المغرب والصراعات الأيديولوجية أكثر مما هي سياسية.
ثم العلاقات الاجتماعية التي تختلف في الرواية باختلاف مستويات تعلمهم، ودرجتهم المادية، وقربهم العائلي، وكيف تساهم في بلورة نمط عيشهم، أضف إلى ذلك موضوع الانتخابات والسياسة والتحالفات في ما بعد عند الحصول على الحكم، والتلاعبات والمراوغات التي تتبناها الأحزاب من أجل تمويه الشعب وتحقيق مرادها، كذلك الإعلام وما يرتبط به من اختلاف الخلفيات وترد واستغلال وتفاوت مادي ومهني، والأدب وما يشوبه من اختلالات هو أيضا، امتثالا للمثل القائل ليس كل ما يكتب أدبا وليس كل ما يلمع ذهبا، فكان شعر وفيق الذرعي مثالا على ذلك بين مجاملات وضحكات غبية وتملق واضح، وموضوع الاغتصاب والهيمنة والحب من طرف واحد، والتحكم من جهات معينة في وضعيات خفية، والكمائن التي يضعها أشخاص للتخلص من آخرين مقابل السلطة وفرض مبادئهم إلخ؛ فكان رحال العوينة وحسنية بنت ميمون هما بطلي هذه الرواية بلا منازع، كون الأحداث دارت حولهما منذ بدايتهما كطالبين وانتهائهما كزوجين في علاقة كللت بالفشل إلى حد ما، وتوجت بمولود لم يصرح الكاتب بهوية والده، وشخصيات أخرى من قبيل الأسرة الثرية المكونة من الأب الحاج القطيفة مول البزار، وابنه عماد وزوجته هيام وأخيه الأستاذ الجامعي عبد المولى، والملياردير المهد أيت الحاج. والسياسيون كل من البشير المرابطي والأستاذ الجامعي بوشعيب المخلوفي الذي تغير في طبعه وموروثه التقليدي، ورئيس الحكومة موحى الصنهاجي وأخيه سالم الرايس، وصالح الركوك، وأبو أيوب، وتوفيق الباهي.
والصحافيون كل من نعيم المرزوقي وإبراهيم التنوفي وأنور ميمي، وأسرة رحال الفقيرة المكونة من الأب عبد السلام السرعوف والأم حليمة البجعة والعم عياد، وأسرة حسنية المكونة من أمها المسماة أم العيدط، التي تشتغل في دار الحاج القطيفة مول الثوب، والتي لا تعد أقل فقرا من أسرة رحال، وباقي طبقات الشعب كاليزيد ورابح وقمر الدين ابن أستاذ التربية الإسلامية جلال الدين السيوطي، والثلاثة الأجانب، وأصحاب العربات و»مالين الحلزون» والأجانب، وحفاري القبور والفقهاء والنادلة وصاحب المقهى إلخ، كلها شخصيات أخذت من كل طبقة اجتماعية بطرف، ثم المكان والزمان، هما واقعيان أيضا ويعبران عن تناقضات المجتمع، (قهـــــــوة ميلانو، شارع الداخلة، السبير، عين أيطي، الموقف، إعداديـــــة عبد المــــومن، جامع الفنا، مدرسة أشبال الأطلس الخصوصية، الروضة، أثمنة القبوــر، الدواوير، مدينة مراكش، السجن، الشقــة، البراكــــة، الريــــاض، البزار، السوق)، أما على مستوى السرد فنجد الكاتب على معرفة كلية بالسرد وبالشخصيات، وفي بعض الأحيان حتى بتفكيرها وأحاسيسها وآمالها، فنجد شخصيات وهمية مثلا كالذي يكتب على جدران الحمام، هذا بصفة عامة أهم ما يميز هذه الرواية في نظرنا.
نجد التجديد أيضا على مستوى توظيفه للتناص، فنجد الرواية تزخر بمجموعة من التناصات السردية والشعرية والدينية والعقائدية والمذهبية والفكرية واللغوية، فوقع اختيارنا على التناص القرآني كونه أولا الطاغي والمهيمن من بين أنواع التناص في الروايات، وثانيا أنه لعب أدوارا مهمة في الرواية منها تزينية تساهم في بناء النسق اللغوي الروائي ككل، وأخرى موضوعية استشهادية تعزز طرح الكاتب لأفكاره، وأخرى مرجعية يعود لها لحل مسألة من المسائل المجدة ( أكل الحلزون مثلا) ومنها ما يفرضه السياق كما هو الشأن في الجنازة أوالعرس، فكان لزاما على الكاتب إدراجها بدون سابق إنذار، حيث لا يخل بالمتن ولا يحسس القارئ بتغيير في القصة ككل، وهنا تبرز قوة الكاتب الإبداعية، وتتأكد جزالته في نسج الأحداث، فكان من مظاهر التناص منذ الصفحة الثلاثين حين أدرج الكاتب الآية 30 من سورة الكهف بشكل كما لو أنها جملة عادية فجاءت على الشكل الآتي «ولأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، فقد وجد بوشعيب في هدوء القرية ورتابة الحياة فيها فرصة». في حين أن الآية مقتبسة من سورة الكهف وهو تناص داخلي، ونجد تناصا آخر في هذا المقطع «زك نفسك بالذكر والصوم والصلاة، إبدأ صيامك من الغد وواظب عليه إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا»، لينتهي التناص في رسالة تركها الأب عبد السلام صدفة لابنه رحال، وكانت مليئة بعبر دينية وآيات قرآنية أولها قوله تعالى «قل إن كانت لكم دار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين»، حين كان الأب يشرح محنته مع زوجته وأخيه عياد، وجاءت الآية كرد أخير على الأوضاع التي يعيشها زوج داخل أسرة لا تقيم له أي اعتبار، في ظل مجتمع همه الوحيد هو المظاهر، بدون الأخذ بعين الاعتبار لنفسية الأشخاص أو ما يعانون منه، فكان الأب عبد السلام نموذج الزوج التي تحكمه زوجته وقد تخونه أو خانته، وما يعانيه من مذلة وحياة مهمشة، لا وجود لبصيص أمل فيها، أضف إلى ذلك الضغط الذي يمارسه أحد أقرب الأشخاص إليه والإهانة التي يتعامل بها نحوه، فكان الموت هو أول ما يتمناه المرء هذا إذا لم يعرض نفسه للانتحار، وثاني الآية التي وردت في الرسالة وكانت خاتمتها هي «كان وعد الله حقا» التي تؤكد ما جاء في الآية الأولى وتصادق على موت الأب في ظروف غامضة، وتختتم الرواية بالسيناريو الذي عاشه الأب مع زوجته ليتكرر مع ابنه رحال وزوجته حسنية بنت ميمون، ويبدأ بالجنين الذي في بطن حسنية هل هو فعلا ابن رحال العوينة أم عماد القطيفة؟ لتبقى النهاية غير واضحة والبطل أيضا غير واضح، على الرغم من أن الرواية تؤكد على أنه رحال، وهي ملامح تؤكد الطرح الذي انطلقنا منه، وهو وجود ملامح تؤشر على التجديد في هذه الرواية، على مستوى السرد.
ختاما تعج الرواية بمجموعة من المواضيع الواقعية الساخنة التي تطفو فوق السطح، تجعل منها رواية قابلة لتأويلات متعددة، وقراءات تمس جوانب مختلفة، فضلا عن أنها أرض خصب لأطاريح لبحوث تصب في مجار متعددة من دروب العلم؛ كعلم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد والصحافة والتاريخ والإعلام؛ فاتحة أبوابها على مصراعيها لقراءات النقاد قالبا ومضمونا.