تجديد‭ ‬الخطاب‭ ‬الروائي‭ ‬في‭ ‬‮«‬هوت‭ ‬ماروك‮»‬‭ ‬للمغربي‭ ‬ياسين‭ ‬عدنان‭ ‬

يعد‭ ‬جنس‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬التي‭ ‬حظيت‭ ‬بمكانة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬بعد‭ ‬التأثر‭ ‬المباشر‭ ‬بالثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬عموما،‭ ‬خلال‭ ‬الخمسينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬التي‭ ‬توجت‭ ‬بظهور‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬الروائية‭ ‬العربية،‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬المجد‭ ‬وشقت‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬التأليف‭ ‬الروائي،‭ ‬فظهرت‭ ‬مجموعة‭ ‬المؤلفات‭ ‬التي‭ ‬حققت‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الاستجابة‭ ‬للعوالم‭ ‬الدلالية،‭ ‬التي‭ ‬دعا‭ ‬لها‭ ‬المنظرون‭ ‬الأوائل‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬فكانت‭ ‬الموضوعات‭ ‬التي‭ ‬عالجتها‭ ‬أو‭ ‬التقنيات‭ ‬التي‭ ‬وظفتها‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬في‭ ‬بادئ‭ ‬الأمر،‭ ‬تنم‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬اجتماعي‭ ‬عربي‭ ‬مليء‭ ‬بتناقضاته‭ ‬وتفاوتاته‭ ‬الطبقية،‭ ‬تمثل‭ ‬المعطى‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬الكتابات‭ ‬المغربية‭ ‬الأولى،‭ ‬مترجمة‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬مست‭ ‬المجتمع‭ ‬المغربي‭ ‬وتطوره،‭ ‬فانبثق‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬التمفصلات‭ ‬إعادة‭ ‬التأليف‭ ‬الروائي‭ ‬بأشكال‭ ‬تعبيرية،‭ ‬أكثر‭ ‬تجريدية‭ ‬وتجريبية،‭ ‬لها‭ ‬رؤى‭ ‬معينة‭ ‬تستجيب‭ ‬لرغباتهم‭ ‬أولا‭ ‬وهاجسهم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬ينخرطون‭ ‬فيه‭ ‬ثانيا،‭ ‬فكانت‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬هوت‭ ‬ماروك‮»‬‭ ‬للإعلامي‭ ‬ياسين‭ ‬عدنان‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬نجد‭ ‬فيها‭ ‬ملامح‭ ‬التجديد‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الروائي‭ ‬الحديث،‭ ‬شكلا‭ ‬ومضمونا،‭ ‬بدءا‭ ‬بالعنوان‭ ‬‮«‬هوت‭ ‬ماروك‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬غامضا‭ ‬ولا‭ ‬يشي‭ ‬بدلالات،‭ ‬قد‭ ‬تساعد‭ ‬القارئ‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬محتوى‭ ‬الرواية،‭ ‬وهو‭ ‬عكس‭ ‬العناوين‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الروائي‭ ‬الكلاسيكي،‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬العنوان‭ ‬بطاقة‭ ‬هوية‭ ‬للنص‭ ‬الروائي،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬ينفي‭ ‬وجود‭ ‬دلالات‭ ‬لغوية‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬جماعة‭ ‬معينة‭ ‬كالدارج‭ ‬المغاربي،‭ ‬الذي‭ ‬يتميز‭ ‬به‭ ‬جل‭ ‬مناطق‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا،‭ ‬خاصة‭ ‬المغرب‭ ‬والجزائر‭ ‬وتونس‭. ‬

ننتقل‭ ‬إلى‭ ‬المتن‭ ‬الروائي‭ ‬الذي‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬أجزاء‭ ‬يتوزع‭ ‬بينها‭ ‬اثنان‭ ‬وثلاثون‭ ‬فصلا،‭ ‬لا‭ ‬يربط‭ ‬بينها‭ ‬سوى‭ ‬التجاور‭ ‬النصي‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كنا‭ ‬نجده‭ ‬نادرا‭ ‬في‭ ‬الروايات‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬التي‭ ‬تتضمن‭ ‬قصة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬متتابعة،‭ ‬بدون‭ ‬تقسيم‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬شابه،‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يتعدى‭ ‬مؤلفوها‭ ‬تقسيمها‭ ‬إلى‭ ‬جزأين‭ ‬فقط،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬عرجنا‭ ‬صوب‭ ‬المضمون‭ ‬نجده‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬غير‭ ‬مخلص‭ ‬لمضامين‭ ‬الخطاب‭ ‬الروائي‭ ‬المغربي،‭ ‬أو‭ ‬العربي،‭ ‬فكانت‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬تطرّق‭ ‬لها‭ ‬الكاتب‭ ‬تتخذ‭ ‬أبعادا‭ ‬اجتماعية‭ ‬وثقافية‭ ‬وسياسية‭ ‬ورمزية،‭ ‬اختلط‭ ‬فيها‭ ‬الحابل‭ ‬بالنابل،‭ ‬فكانت‭ ‬رمزية‭ ‬الحيوانات‭ ‬لصيقة‭ ‬بأسماء‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬منتقاة‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية،‭ ‬تعكس‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬تفاوتات‭ ‬طبقية‭ ‬عميقة،‭ ‬عكستها‭ ‬حلقات‭ ‬اتحاد‭ ‬طلبة‭ ‬المغرب‭ ‬والصراعات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬هي‭ ‬سياسية،‭ ‬بين‭ ‬فصائل‭ ‬المنظمة‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الآداب‭ ‬في‭ ‬مراكش؛‭ ‬والمشاكل‭ ‬التي‭ ‬يتخبط‭ ‬فيها‭ ‬الطلبة،‭ ‬وما‭ ‬تعانيه‭ ‬من‭ ‬ضياع‭ ‬وتشتت‭ ‬فكري،‭ ‬واختلاف‭ ‬مذهبي،‭ ‬وتعدد‭ ‬مبدئي،‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬طالب‭ ‬ما‭ ‬يلتحق‭ ‬بفصيل‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬جامع‭ ‬الفنا،‭ ‬هذا‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أصول‭ ‬التعلم،‭ ‬أهي‭ ‬كلاسيكية‭ ‬تنحصر‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬والمساجد‭ ‬وتقتصر‭ ‬على‭ ‬العلوم‭ ‬الأصيلة،‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬وصرف‭ ‬وبلاغة‭ ‬وعلوم‭ ‬شرعية؟‭ ‬أم‭ ‬عصرية‭ ‬منفتحة‭ ‬على‭ ‬اللغات‭ ‬الأجنبية‭ ‬والثقافات‭ ‬الغربية،‭ ‬التي‭ ‬تساهم‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬الطالب‭ ‬ووضعه‭ ‬في‭ ‬الخانة‭ ‬التي‭ ‬يريد؟.

كانت رمزية الحيوانات لصيقة بأسماء الشخصيات التي كانت منتقاة بشكل أكثر واقعية، تعكس بشكل غير مباشر تفاوتات طبقية عميقة، عكستها حلقات اتحاد طلبة المغرب والصراعات الأيديولوجية أكثر مما هي سياسية.

‭ ‬ثم‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬باختلاف‭ ‬مستويات‭ ‬تعلمهم،‭ ‬ودرجتهم‭ ‬المادية،‭ ‬وقربهم‭ ‬العائلي،‭ ‬وكيف‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬نمط‭ ‬عيشهم،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬موضوع‭ ‬الانتخابات‭ ‬والسياسة‭ ‬والتحالفات‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬عند‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الحكم،‭ ‬والتلاعبات‭ ‬والمراوغات‭ ‬التي‭ ‬تتبناها‭ ‬الأحزاب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تمويه‭ ‬الشعب‭ ‬وتحقيق‭ ‬مرادها،‭ ‬كذلك‭ ‬الإعلام‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬اختلاف‭ ‬الخلفيات‭ ‬وترد‭ ‬واستغلال‭ ‬وتفاوت‭ ‬مادي‭ ‬ومهني،‭ ‬والأدب‭ ‬وما‭ ‬يشوبه‭ ‬من‭ ‬اختلالات‭ ‬هو‭ ‬أيضا،‭ ‬امتثالا‭ ‬للمثل‭ ‬القائل‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يكتب‭ ‬أدبا‭ ‬وليس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يلمع‭ ‬ذهبا،‭ ‬فكان‭ ‬شعر‭ ‬وفيق‭ ‬الذرعي‭ ‬مثالا‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بين‭ ‬مجاملات‭ ‬وضحكات‭ ‬غبية‭ ‬وتملق‭ ‬واضح،‭ ‬وموضوع‭ ‬الاغتصاب‭ ‬والهيمنة‭ ‬والحب‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬واحد،‭ ‬والتحكم‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬معينة‭ ‬في‭ ‬وضعيات‭ ‬خفية،‭ ‬والكمائن‭ ‬التي‭ ‬يضعها‭ ‬أشخاص‭ ‬للتخلص‭ ‬من‭ ‬آخرين‭ ‬مقابل‭ ‬السلطة‭ ‬وفرض‭ ‬مبادئهم‭ ‬إلخ؛‭ ‬فكان‭ ‬رحال‭ ‬العوينة‭ ‬وحسنية‭ ‬بنت‭ ‬ميمون‭ ‬هما‭ ‬بطلي‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬بلا‭ ‬منازع،‭ ‬كون‭ ‬الأحداث‭ ‬دارت‭ ‬حولهما‭ ‬منذ‭ ‬بدايتهما‭ ‬كطالبين‭ ‬وانتهائهما‭ ‬كزوجين‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬كللت‭ ‬بالفشل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما،‭ ‬وتوجت‭ ‬بمولود‭ ‬لم‭ ‬يصرح‭ ‬الكاتب‭ ‬بهوية‭ ‬والده،‭ ‬وشخصيات‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬الأسرة‭ ‬الثرية‭ ‬المكونة‭ ‬من‭ ‬الأب‭ ‬الحاج‭ ‬القطيفة‭ ‬مول‭ ‬البزار،‭ ‬وابنه‭ ‬عماد‭ ‬وزوجته‭ ‬هيام‭ ‬وأخيه‭ ‬الأستاذ‭ ‬الجامعي‭ ‬عبد‭ ‬المولى،‭ ‬والملياردير‭ ‬المهد‭ ‬أيت‭ ‬الحاج‭. ‬والسياسيون‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬البشير‭ ‬المرابطي‭ ‬والأستاذ‭ ‬الجامعي‭ ‬بوشعيب‭ ‬المخلوفي‭ ‬الذي‭ ‬تغير‭ ‬في‭ ‬طبعه‭ ‬وموروثه‭ ‬التقليدي،‭ ‬ورئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬موحى‭ ‬الصنهاجي‭ ‬وأخيه‭ ‬سالم‭ ‬الرايس،‭ ‬وصالح‭ ‬الركوك،‭ ‬وأبو‭ ‬أيوب،‭ ‬وتوفيق‭ ‬الباهي‭.

والصحافيون‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬نعيم‭ ‬المرزوقي‭ ‬وإبراهيم‭ ‬التنوفي‭ ‬وأنور‭ ‬ميمي،‭ ‬وأسرة‭ ‬رحال‭ ‬الفقيرة‭ ‬المكونة‭ ‬من‭ ‬الأب‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬السرعوف‭ ‬والأم‭ ‬حليمة‭ ‬البجعة‭ ‬والعم‭ ‬عياد،‭ ‬وأسرة‭ ‬حسنية‭ ‬المكونة‭ ‬من‭ ‬أمها‭ ‬المسماة‭ ‬أم‭ ‬العيدط،‭ ‬التي‭ ‬تشتغل‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬الحاج‭ ‬القطيفة‭ ‬مول‭ ‬الثوب،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تعد‭ ‬أقل‭ ‬فقرا‭ ‬من‭ ‬أسرة‭ ‬رحال،‭ ‬وباقي‭ ‬طبقات‭ ‬الشعب‭ ‬كاليزيد‭ ‬ورابح‭ ‬وقمر‭ ‬الدين‭ ‬ابن‭ ‬أستاذ‭ ‬التربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬جلال‭ ‬الدين‭ ‬السيوطي،‭ ‬والثلاثة‭ ‬الأجانب،‭ ‬وأصحاب‭ ‬العربات‭ ‬و‮»‬مالين‭ ‬الحلزون‮»‬‭ ‬والأجانب،‭ ‬وحفاري‭ ‬القبور‭ ‬والفقهاء‭ ‬والنادلة‭ ‬وصاحب‭ ‬المقهى‭ ‬إلخ،‭ ‬كلها‭ ‬شخصيات‭ ‬أخذت‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬طبقة‭ ‬اجتماعية‭ ‬بطرف،‭ ‬ثم‭ ‬المكان‭ ‬والزمان،‭ ‬هما‭ ‬واقعيان‭ ‬أيضا‭ ‬ويعبران‭ ‬عن‭ ‬تناقضات‭ ‬المجتمع،‭ (‬قهـــــــوة‭ ‬ميلانو،‭ ‬شارع‭ ‬الداخلة،‭ ‬السبير،‭ ‬عين‭ ‬أيطي،‭ ‬الموقف،‭ ‬إعداديـــــة‭ ‬عبد‭ ‬المــــومن،‭ ‬جامع‭ ‬الفنا،‭ ‬مدرسة‭ ‬أشبال‭ ‬الأطلس‭ ‬الخصوصية،‭ ‬الروضة،‭ ‬أثمنة‭ ‬القبوــر،‭ ‬الدواوير،‭ ‬مدينة‭ ‬مراكش،‭ ‬السجن،‭ ‬الشقــة،‭ ‬البراكــــة،‭ ‬الريــــاض،‭ ‬البزار،‭ ‬السوق‭)‬،‭ ‬أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬السرد‭ ‬فنجد‭ ‬الكاتب‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬كلية‭ ‬بالسرد‭ ‬وبالشخصيات،‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬حتى‭ ‬بتفكيرها‭ ‬وأحاسيسها‭ ‬وآمالها،‭ ‬فنجد‭ ‬شخصيات‭ ‬وهمية‭ ‬مثلا‭ ‬كالذي‭ ‬يكتب‭ ‬على‭ ‬جدران‭ ‬الحمام،‭ ‬هذا‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬نظرنا‭.‬

نجد‭ ‬التجديد‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬توظيفه‭ ‬للتناص،‭ ‬فنجد‭ ‬الرواية‭ ‬تزخر‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬التناصات‭ ‬السردية‭ ‬والشعرية‭ ‬والدينية‭ ‬والعقائدية‭ ‬والمذهبية‭ ‬والفكرية‭ ‬واللغوية،‭ ‬فوقع‭ ‬اختيارنا‭ ‬على‭ ‬التناص‭ ‬القرآني‭ ‬كونه‭ ‬أولا‭ ‬الطاغي‭ ‬والمهيمن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أنواع‭ ‬التناص‭ ‬في‭ ‬الروايات،‭ ‬وثانيا‭ ‬أنه‭ ‬لعب‭ ‬أدوارا‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬منها‭ ‬تزينية‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬النسق‭ ‬اللغوي‭ ‬الروائي‭ ‬ككل،‭ ‬وأخرى‭ ‬موضوعية‭ ‬استشهادية‭ ‬تعزز‭ ‬طرح‭ ‬الكاتب‭ ‬لأفكاره،‭ ‬وأخرى‭ ‬مرجعية‭ ‬يعود‭ ‬لها‭ ‬لحل‭ ‬مسألة‭ ‬من‭ ‬المسائل‭ ‬المجدة‭ ( ‬أكل‭ ‬الحلزون‭ ‬مثلا‭) ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬يفرضه‭ ‬السياق‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬في‭ ‬الجنازة‭ ‬أوالعرس،‭ ‬فكان‭ ‬لزاما‭ ‬على‭ ‬الكاتب‭ ‬إدراجها‭ ‬بدون‭ ‬سابق‭ ‬إنذار،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يخل‭ ‬بالمتن‭ ‬ولا‭ ‬يحسس‭ ‬القارئ‭ ‬بتغيير‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬ككل،‭ ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬قوة‭ ‬الكاتب‭ ‬الإبداعية،‭ ‬وتتأكد‭ ‬جزالته‭ ‬في‭ ‬نسج‭ ‬الأحداث،‭ ‬فكان‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬التناص‭ ‬منذ‭ ‬الصفحة‭ ‬الثلاثين‭ ‬حين‭ ‬أدرج‭ ‬الكاتب‭ ‬الآية‭ ‬30‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬الكهف‭ ‬بشكل‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬جملة‭ ‬عادية‭ ‬فجاءت‭ ‬على‭ ‬الشكل‭ ‬الآتي‭ ‬‮«‬ولأن‭ ‬الله‭ ‬لا‭ ‬يضيع‭ ‬أجر‭ ‬من‭ ‬أحسن‭ ‬عملا،‭ ‬فقد‭ ‬وجد‭ ‬بوشعيب‭ ‬في‭ ‬هدوء‭ ‬القرية‭ ‬ورتابة‭ ‬الحياة‭ ‬فيها‭ ‬فرصة‮»‬‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الآية‭ ‬مقتبسة‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬الكهف‭ ‬وهو‭ ‬تناص‭ ‬داخلي،‭ ‬ونجد‭ ‬تناصا‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقطع‭ ‬‮«‬زك‭ ‬نفسك‭ ‬بالذكر‭ ‬والصوم‭ ‬والصلاة،‭ ‬إبدأ‭ ‬صيامك‭ ‬من‭ ‬الغد‭ ‬وواظب‭ ‬عليه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يقضي‭ ‬الله‭ ‬أمرا‭ ‬كان‭ ‬مفعولا‮»‬،‭ ‬لينتهي‭ ‬التناص‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬تركها‭ ‬الأب‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬صدفة‭ ‬لابنه‭ ‬رحال،‭ ‬وكانت‭ ‬مليئة‭ ‬بعبر‭ ‬دينية‭ ‬وآيات‭ ‬قرآنية‭ ‬أولها‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ ‬‮«‬قل‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬لكم‭ ‬دار‭ ‬الآخرة‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬خالصة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الناس‭ ‬فتمنوا‭ ‬الموت‭ ‬إن‭ ‬كنتم‭ ‬صادقين‮»‬،‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬الأب‭ ‬يشرح‭ ‬محنته‭ ‬مع‭ ‬زوجته‭ ‬وأخيه‭ ‬عياد،‭ ‬وجاءت‭ ‬الآية‭ ‬كرد‭ ‬أخير‭ ‬على‭ ‬الأوضاع‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬زوج‭ ‬داخل‭ ‬أسرة‭ ‬لا‭ ‬تقيم‭ ‬له‭ ‬أي‭ ‬اعتبار،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مجتمع‭ ‬همه‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬المظاهر،‭ ‬بدون‭ ‬الأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬لنفسية‭ ‬الأشخاص‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعانون‭ ‬منه،‭ ‬فكان‭ ‬الأب‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬نموذج‭ ‬الزوج‭ ‬التي‭ ‬تحكمه‭ ‬زوجته‭ ‬وقد‭ ‬تخونه‭ ‬أو‭ ‬خانته،‭ ‬وما‭ ‬يعانيه‭ ‬من‭ ‬مذلة‭ ‬وحياة‭ ‬مهمشة،‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لبصيص‭ ‬أمل‭ ‬فيها،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الضغط‭ ‬الذي‭ ‬يمارسه‭ ‬أحد‭ ‬أقرب‭ ‬الأشخاص‭ ‬إليه‭ ‬والإهانة‭ ‬التي‭ ‬يتعامل‭ ‬بها‭ ‬نحوه،‭ ‬فكان‭ ‬الموت‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يتمناه‭ ‬المرء‭ ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يعرض‭ ‬نفسه‭ ‬للانتحار،‭ ‬وثاني‭ ‬الآية‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬الرسالة‭ ‬وكانت‭ ‬خاتمتها‭ ‬هي‭ ‬‮«‬كان‭ ‬وعد‭ ‬الله‭ ‬حقا‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬الآية‭ ‬الأولى‭ ‬وتصادق‭ ‬على‭ ‬موت‭ ‬الأب‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬غامضة،‭ ‬وتختتم‭ ‬الرواية‭ ‬بالسيناريو‭ ‬الذي‭ ‬عاشه‭ ‬الأب‭ ‬مع‭ ‬زوجته‭ ‬ليتكرر‭ ‬مع‭ ‬ابنه‭ ‬رحال‭ ‬وزوجته‭ ‬حسنية‭ ‬بنت‭ ‬ميمون،‭ ‬ويبدأ‭ ‬بالجنين‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬بطن‭ ‬حسنية‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬فعلا‭ ‬ابن‭ ‬رحال‭ ‬العوينة‭ ‬أم‭ ‬عماد‭ ‬القطيفة؟‭ ‬لتبقى‭ ‬النهاية‭ ‬غير‭ ‬واضحة‭ ‬والبطل‭ ‬أيضا‭ ‬غير‭ ‬واضح،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الرواية‭ ‬تؤكد‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬رحال،‭ ‬وهي‭ ‬ملامح‭ ‬تؤكد‭ ‬الطرح‭ ‬الذي‭ ‬انطلقنا‭ ‬منه،‭ ‬وهو‭ ‬وجود‭ ‬ملامح‭ ‬تؤشر‭ ‬على‭ ‬التجديد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية،‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬السرد‭. ‬

ختاما‭ ‬تعج‭ ‬الرواية‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬المواضيع‭ ‬الواقعية‭ ‬الساخنة‭ ‬التي‭ ‬تطفو‭ ‬فوق‭ ‬السطح،‭ ‬تجعل‭ ‬منها‭ ‬رواية‭ ‬قابلة‭ ‬لتأويلات‭ ‬متعددة،‭ ‬وقراءات‭ ‬تمس‭ ‬جوانب‭ ‬مختلفة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أنها‭ ‬أرض‭ ‬خصب‭ ‬لأطاريح‭ ‬لبحوث‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬مجار‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬دروب‭ ‬العلم؛‭ ‬كعلم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وعلم‭ ‬النفس‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والصحافة‭ ‬والتاريخ‭ ‬والإعلام؛‭ ‬فاتحة‭ ‬أبوابها‭ ‬على‭ ‬مصراعيها‭ ‬لقراءات‭ ‬النقاد‭ ‬قالبا‭ ‬ومضمونا‭. ‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية