أدب‭ ‬السيرة‭ ‬والبوح‭ ‬النادر‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬أمين‭ ‬الريحاني‭ ‬مع‭ ‬مي‭ ‬زيادة

لم‭ ‬يكن‭ ‬أمين‭ ‬الريحاني‭ (‬1876‭ ‬ـ‭ ‬1940‭) ‬رائدا‭ ‬من‭ ‬رواد‭ ‬الأدب‭ ‬المهجري‭ ‬في‭ ‬القارتين‭ ‬الأمريكيتين‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬19‭ ‬ومطلع‭ ‬القرن‭ ‬20‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬رائدا‭ ‬من‭ ‬رواد‭ ‬النهضة،‭ ‬وفارسا‭ ‬من‭ ‬فرسان‭ ‬التحرر‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭. ‬وجسرا‭ ‬ثقافيا‭ ‬وحضاريا‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭. ‬هو‭ ‬أمين‭ ‬فارس‭ ‬أنطون‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬المطران‭ ‬باسيل‭ ‬البجاني،‭ ‬من‭ ‬بلدة‭ ‬الفريكة‭ ‬في‭ ‬جبل‭ ‬لبنان،‭ ‬الملقب‭ ‬بـ«الريحاني‮»‬‭ ‬لكثرة‭ ‬شجر‭ ‬الريحان‭ ‬في‭ ‬جوار‭ ‬منزله‭. ‬جمعه‭ ‬الإيمان‭ ‬بالانفتاح‭  ‬والتحرر‭ ‬بأدباء‭ ‬محليين‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬أحمد‭ ‬لطفي‭ ‬السيد‭ ‬ومي‭ ‬زيادة‭ (‬1886-1941‭). ‬وبهذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬جمعته‭ ‬علاقةٌ‭ ‬حميمة‭ ‬راج‭ ‬حولها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الإشاعات‭. ‬وبعد‭ ‬أربعين‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬وفاته،‭ ‬صدرت‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬عن‭ ‬المؤسسة‭ ‬العربية‭ ‬للدراسات‭ ‬والنشر‭ ‬مخطوطة‭ ‬‮«‬قصتي‭ ‬مع‭ ‬مي‮»‬،‭ ‬تلقي‭ ‬الأضواء‭ ‬على‭ ‬علاقته‭ ‬بها،‭ ‬ومعاناتها‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬الأمراض‭ ‬العقلية،‭ ‬واعترافه‭ ‬بذنبه‭ ‬تجاهها‭ ‬واعتذاره‭ ‬لها‭. ‬

أصدقاء‭ ‬في‭ ‬السراء‭ ‬غرباء‭ ‬في‭ ‬الضراء‭ ‬

مي‭ ‬زيادة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬ما‭ ‬محاطة‭ ‬بكوكبة‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬الأدباء‭ ‬والمفكرين‭ ‬والسياسيين،‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬عباس‭ ‬محمود‭ ‬العقاد‭ ‬ومصطفى‭ ‬صادق‭ ‬الرافعي‭ ‬ومصطفى‭ ‬لطفي‭ ‬المنفلوطي‭ ‬وطه‭ ‬حسين‭ ‬وأحمد‭ ‬لطفي‭ ‬السيد،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬وحيدة‭ ‬ساعة‭ ‬العسر،‭ ‬عندما‭ ‬خانتها‭ ‬ظروفها‭ ‬الصحية،‭ ‬حيث‭ ‬اقتادها‭ ‬أهلها‭ ‬إلى‭ ‬مستشفى‭ ‬الأمراض‭ ‬العقلية،‭ ‬وتنكّر‭ ‬لها‭ ‬معارفها‭ ‬وصدقوا‭ ‬ما‭ ‬سمعوه‭ ‬عنها،‭ ‬و«تنافست‭ ‬الجرائد‭ ‬على‭ ‬بهذلتها‭ ‬بدون‭ ‬أي‭ ‬خجل‭ ‬أو‭ ‬حياء‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬رحمة‭. ‬الكل‭ ‬يتنافس‭ ‬على‭ ‬التفاصيل‭ ‬في‭ ‬ممارسات‭ ‬هذه‭ ‬المجنونة‮»‬،‭ ‬مثلما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬مخطوطة‭ ‬‮«‬مي‭ ‬ليالي‭ ‬إيزيس‭ ‬كُوبيا‮»‬‭ ‬لواسيني‭ ‬الأعرج‭. ‬

أمين الريحاني: “قبل ان أبدأ بهذه الصفحة من قصة مي المفجعة، عليّ ان أعترف بذنبي، فقد كنت مقصرا في واجب الزمالة والحب»

اعتراف‭ ‬بالذنب‭ 

من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬تخلوا‭ ‬عنها‭ ‬أمين‭ ‬الريحاني‭ ‬نفسه،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬انفرد‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الأصدقاء‭ ‬بمزية‭ ‬نادرة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬اعترافه‭ ‬بالذنب‭. ‬يتجلّى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مستهل‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬قصتي‭ ‬مع‭ ‬مي‮»‬‭: ‬‮«‬قبل‭ ‬ان‭ ‬أبدأ‭ ‬بهذه‭ ‬الصفحة‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬مي‭ ‬المفجعة،‭ ‬عليّ‭ ‬ان‭ ‬أعترف‭ ‬بذنبي‮»‬‭. ‬ويوضح‭ ‬الريحاني‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬المخطوطة‭ ‬سبب‭ ‬شعوره‭ ‬بالذنب‭: ‬‮«‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬مقصرا‭ ‬في‭ ‬واجب‭ ‬الزمالة‭ ‬والحب،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬واجب‭ ‬الصداقة‭ ‬المقدس‭. ‬صدقت‭ ‬ما‭ ‬صدقه‭ ‬جميع‭ ‬الناس‭. ‬صدقت‭ ‬الإشاعات‭ ‬المحزنة‭ ‬عندما‭ ‬جيء‭ ‬بمي‭ ‬من‭ ‬القاهرة‭ ‬إلى‭ ‬بيروت‭ ‬قبل‭ ‬سنة‭ ‬وعشرة‭ ‬أشهر،‭ ‬فأمسكت‭ ‬عن‭ ‬زيارتها،‭ ‬واستطلاع‭ ‬حقيقة‭ ‬حالها‭. ‬أمسكت‭ ‬عن‭ ‬الزيارة‭ ‬وأنا‭ ‬أبرر‭ ‬عملي‭ ‬بما‭ ‬تطور‭ ‬من‭ ‬مزاجي‭. ‬فإنني‭ ‬في‭ ‬مواصلة‭ ‬العاقلين‭ ‬قليل‭ ‬الرغبة،‭ ‬فكيف‭ ‬بي‭ ‬في‭ ‬مواصلة‭ ‬غير‭ ‬العاقلين؟‭ ‬إن‭ ‬الروح‭ ‬مصدر‭ ‬الصداقة،‭ ‬وإن‭ ‬العقل‭ ‬مختلط‭ ‬اختلاطا‭ ‬قاهرا‭ ‬بالروح،‭ ‬فمتى‭ ‬ذهب‭ ‬العقل‭ ‬ذهب‭ ‬خير‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الروح‭ ‬كذلك‮»‬‭.‬

من‭ ‬مظاهر‭ ‬الشعور‭ ‬بالذنب‭ ‬التي‭ ‬نلتمسها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المخطوطة‭ ‬تأنيب‭ ‬الضمير‭ ‬والانزعاج‭ ‬والألم،‭ ‬في‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬فأنا‭ ‬أحمل‭ ‬وزر‭ ‬الصداقة‭ ‬وذكراها،‭ ‬وأقف‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحايين‭ ‬مفكرا‭ ‬في‭ ‬تقاعدي‭ ‬عن‭ ‬الواجب‭ ‬المألوف،‭ ‬فيزعجني‭ ‬الفكر‭ ‬ويؤلمني‮»‬‭. ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬كوابيس‭ ‬وأحلام‭ ‬مزعجة‭: ‬‮«‬نهضت‭ ‬من‭ ‬سريري‭ ‬واسم‭ ‬مي‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬قلبي،‭ ‬وذكريات‭ ‬مي‭ ‬تتزاحم‭ ‬في‭ ‬ذهني‮»‬‭. ‬واللافت‭ ‬للانتباه‭ ‬هو‭ ‬أنّ‭ ‬الشعور‭ ‬بالذنب‭ ‬لا‭ ‬يصدر‭ ‬عن‭ ‬الإحساس‭ ‬بارتكاب‭ ‬خطأ‭ ‬وحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬بقيمة‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭ ‬ومؤلفاتنا‭: ‬‮«‬نهضت‭ ‬من‭ ‬سريري‭ ‬وشخصية‭ ‬مي‭ ‬وعبقريتها‭ ‬وأدبها‭ ‬تملأ‭ ‬وتهيج‭ ‬نفسي‮»‬‭.‬

عيادة‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭ ‬

وقد‭ ‬انتابه‭ ‬الشعور‭ ‬بالذنب‭ ‬المرير‭ ‬هذا‭ ‬لمدة‭ ‬سنة‭ ‬وبضعة‭ ‬أشهر‭. ‬ورافقه‭ ‬في‭ ‬رحلته‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا‭ ‬ورحلة‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬لبنان،‭ ‬وبلغ‭ ‬مبلغا‭ ‬جعله‭ ‬يذهب‭ ‬ليسأل‭ ‬عنها‭ ‬فقيل‭ ‬له‭ ‬إنها‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ (‬نقولا‭ ‬ربيز‭) ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬حيث‭ ‬أجمع‭ ‬أمره‭ ‬على‭ ‬عيادتها‭. ‬

زارها‭ ‬أواخر‭ ‬ديسمبر‭/‬كانون‭ ‬الأول‭ ‬1937‭ ‬لكنها،‭ ‬رفضت‭ ‬لقاءه‭: ‬‮«‬عندما‭ ‬رأتني‭ ‬مي،‭ ‬سارعت‭ ‬إلى‭ ‬تغطية‭ ‬زندها‭ ‬المكشوف،‭ ‬ثم‭ ‬رفعت‭ ‬الغطاء‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬فوق‭ ‬عنقها،‭ ‬وأشاحت‭ ‬بوجهها‭ ‬عني‮»‬‭. ‬فانصرف‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬المحاولات‭ ‬الفاشلة،‭ ‬لم‭ ‬ير‭ ‬فيها‭ ‬غير‭ ‬‮«‬سكوت‭ ‬هائل‭ ‬تتخلله‭ ‬نظرات‭ ‬جامدة‭ ‬قاسية‭ ‬محزنة‮»‬‭.‬

موقف‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭ ‬هذا‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬يبرره‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬بحكم‭ ‬الظروف‭ ‬القاسية‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬العصفورية،‭ ‬وتخلي‭ ‬الأقرباء‭ ‬والأصدقاء‭ ‬عنها،‭ ‬حيث‭ ‬امتنعوا‭ ‬عن‭ ‬زيارتها‭. ‬والقليلون‭ ‬الذين‭ ‬زاروها‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬نادرة‭ ‬شمتوا‭ ‬فيها‭ ‬مثلما‭ ‬كشفت‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭: ‬‮«‬كان‭ ‬أقاربي‭ ‬في‭ ‬زيارتهم‭ ‬النادرة‭ ‬لي‭ ‬يستمعون‭ ‬إليّ‭ ‬بسرور‭ ‬وأنا‭ ‬أصف‭ ‬نكالي‭ ‬وشقائي‭ ‬راجية‭ ‬منهم‭ ‬عبثا‭ ‬أن‭ ‬يرحموني‭ ‬ويخرجوني‭ ‬من‭ ‬العصفورية‮»‬‭.‬

رفض‭ ‬اعتذار‭ ‬الريحاني‭ ‬

لم‭ ‬يفقد‭ ‬أمين‭ ‬الريحاني‭ ‬الرجاء‭ ‬فبعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬الزيارة‭ ‬الأولى،‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭ ‬وهذه‭ ‬المرة‭ ‬قطعت‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭ ‬صمتها‭ ‬وتحدثت‭ ‬إليه‭ ‬معبِّرة‭ ‬عن‭ ‬رفضها‭ ‬اعتذاره‭ ‬لأنّه‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬عندما‭ ‬جيء‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬مصر،‭ ‬وكان‭ ‬هناك‭ ‬عندما‭ ‬نقلت‭ ‬إكراها‭ ‬إلى‭ ‬العصفورية،‭ ‬وكان‭ ‬حاضرا‭ ‬أيضا‭ ‬أثناء‭ ‬وجودها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجحيم،‭ ‬مضيفة‭: ‬‮«‬كم‭ ‬مرة‭ ‬فكرت‭ ‬فيك‭ ‬وأنا‭ ‬ناقمة‭ ‬حانقة‭. ‬أيصدق‭ ‬الأستاذ‭ ‬الريحاني‭ ‬ما‭ ‬يصدقه‭ ‬الناس‭… ‬يجب‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يجيء‭ ‬بنفسه‭ ‬ويرى‭ ‬بعينه،‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أقول‭ ‬لنفسي‭ ‬وهذا‭ ‬سبب‭ ‬نقمتي‭ ‬عليك‮»‬‭.‬

بيد‭ ‬أنّ‭ ‬أمين‭ ‬الريحاني‭ ‬لم‭ ‬يفقد‭ ‬الأمل‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة،‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭ ‬مجددا‭ ‬بعد‭ ‬لقائه‭ ‬القنصل‭ ‬المصري‭ ‬ليبشرها‭ ‬بخبر‭ ‬الإفراج‭ ‬عنها‭. ‬لكنّ‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بتلك‭ ‬السهولة‭ ‬نتيجة‭ ‬تدخل‭ ‬قريبها‭ ‬يوسف‭ ‬زيادة‭ ‬المعارض‭ ‬لخروجها‭ ‬من‭ ‬المستشفى،‭ ‬وما‭ ‬تبع‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬عراقيل‭ ‬إدارية‭ ‬وقانونية،‭ ‬مطلع‭ ‬عام‭ ‬1938‭. ‬وواصل‭ ‬الريحاني‭ ‬مسعاه‭ ‬الإنساني،‭ ‬وبعده‭ ‬المسعى‭ ‬القانوني،‭ ‬فكللت‭ ‬جهوده‭ ‬في‭ ‬الأخير‭ ‬بإحالة‭ ‬القضية‭ ‬أمام‭ ‬المدعي‭ ‬العام،‭ ‬ما‭ ‬سمح‭ ‬بخروجها‭ ‬من‭ ‬مستشفى‭ ‬ربيز‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭ ‬الأمريكي‭ ‬بتاريخ‭ ‬22‭ ‬يناير‭/‬كانون‭ ‬الثاني‭ ‬1938‭ ‬بقرار‭ ‬من‭ ‬المدعي‭ ‬العام،‭ ‬ومنه‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬خاص‭ ‬بعد‭ ‬تقرير‭ ‬لجنة‭ ‬من‭ ‬الأطباء‭ ‬نشر‭ ‬في‭ ‬الجرائد‭ ‬يوم‭ ‬10‭ ‬مارس‭/‬آذار‭ ‬1938‭. ‬

المرجع‭ ‬الأكثر‭ ‬مصداقية‭  

لقد‭ ‬عرف‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬والمفكرين‭ ‬والسياسيين‭. ‬وكان‭ ‬لبعضهم‭ ‬علاقة‭ ‬حميمة‭ ‬طويلة‭ ‬بها‭ ‬كجبران‭ ‬خليل‭ ‬جبران‭ (‬20‭ ‬سنة‭). ‬وكان‭ ‬بعضهم‭ ‬بارعا‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬المقالات‭ ‬كجبران‭ ‬أيضا‭. ‬لكن،‭ ‬لم‭ ‬يملك‭ ‬أي‭ ‬منهم‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬الشجاعة‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬صفاء‭ ‬النوايا‭ ‬وصدق‭ ‬المشاعر‭ ‬للكتابة‭ ‬عن‭ ‬تجربته‭ ‬معها‭ ‬ومعاناتها،‭ ‬عدا‭ ‬أمين‭ ‬الريحاني‭ ‬الذي‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الاعتراف‭ ‬بذنبه‭ ‬تجاهها‭ ‬والاستغفار‭ ‬في‭ ‬مخطوطة‭ ‬تُعدُّ‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬وأصدق‭ ‬ما‭ ‬كُتب‭ ‬في‭ ‬أدب‭ ‬السيرة‭ ‬والبوح‭ ‬النادر‭ ‬في‭ ‬أدبنا‭ ‬العربي‭. ‬

اللافت‭ ‬للانتباه‭ ‬أنّ‭ ‬أمين‭ ‬الريحاني‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬هذه‭ ‬المقالات‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬عمره‭ ‬لتكون‭ ‬كتابا‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬رصيده‭ ‬الأدبي،‭ ‬ولا‭ ‬لأجل‭ ‬إثارة‭ ‬الاهتمام‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬شهرة،‭ ‬وإنما‭ ‬للاعتراف‭ ‬بالذنب‭ ‬والاعتذار‭ ‬وإراحة‭ ‬الضمير‭. ‬فالريحاني‭ ‬كان‭ ‬معروفا‭ ‬في‭ ‬مشارق‭ ‬الدنيا‭ ‬ومغاربها‭. ‬ولم‭ ‬ير‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المقالات‭ ‬النور‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬وفاته‭. ‬

واللافت‭ ‬للاهتمام‭ ‬أيضا‭ ‬احتواء‭ ‬المخطوطة‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬مفصلة‭ ‬وتواريخ‭ ‬دقيقة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬ملحق‭ ‬يضم‭ ‬خطابات‭ ‬تبادلها‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬يهمه‭ ‬الأمر‭ ‬بخصوص‭ ‬مي‭ ‬زيادة،‭ ‬وتقارير‭ ‬طبية‭ ‬وشهادات‭ ‬وصورا،‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نقول‭ ‬بكل‭ ‬ثقة‭ ‬إنها‭ ‬أصدق‭ ‬مرجع‭ ‬للاطلاع‭ ‬على‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭ ‬لحياة‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬وظروف‭ ‬خروجها‭ ‬منه،‭ ‬وأيضا‭ ‬لفهم‭ ‬علاقتها‭ ‬بأمين‭ ‬الريحاني،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتعد‭ ‬حدود‭ ‬الصداقة‭ ‬والزمالة‭ ‬والاحترام‭ ‬المتبادل،‭ ‬وليس‭ ‬كما‭ ‬اعتقد‭ ‬الشرق‭ ‬الذي‭ ‬بالغ‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬نظرته‭ ‬إلى‭ ‬إحدى‭ ‬علاقات‭ ‬مي‭ ‬زيادة،‭ ‬هذه‭ ‬المرأة‭ ‬المتحررة‭ ‬التي‭ ‬جمعتها‭ ‬علاقات‭ ‬صداقة‭ ‬مع‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬والمفكرين‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬شبلي‭ ‬شميل‭ ‬ويعقوب‭ ‬صروف‭ ‬وطه‭ ‬حسين‭… ‬أمين‭ ‬الريحاني‭ ‬هو‭ ‬الصديق‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬اعترف‭ ‬بذنبه‭ ‬تجاه‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مخطوطة‭ ‬نادرة‭ ‬لا‭ ‬تقدَّر‭ ‬بثمن،‭ ‬لم‭ ‬تنشر‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬40‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬وفاته‭ ‬وتندرج‭ ‬ضمن‭ ‬أدب‭ ‬البوح‭ ‬النادر‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العربي،‭ ‬الذي‭ ‬يتطلب‭ ‬قدرا‭ ‬وافرا‭ ‬من‭ ‬الشجاعة‭ ‬والجرأة‭ ‬وقوة‭ ‬الشخصية‭. ‬وهو‭ ‬بلا‭ ‬ريب‭ ‬الأديب‭ ‬الوحيد‭ ‬أيضا‭ ‬الذي‭ ‬نال‭ ‬عفوها‭ ‬ورضاها‭. ‬فبينما‭ ‬رفضت‭ ‬لقاء‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬وآخرين‭ ‬نتيجة‭ ‬جفائهم،‭ ‬فقد‭ ‬وافقت‭ ‬على‭ ‬لقاء‭ ‬أمين‭ ‬الريحاني‭ ‬والتحدث‭ ‬إليه‭ ‬والتعاون‭ ‬معه‭ ‬لتأمين‭ ‬خروجها‭ ‬من‭ ‬المستشفى‭. ‬موقفها‭ ‬هذا‭ ‬يؤكد‭ ‬أيضا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تتحلّى‭ ‬به‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭ ‬من‭ ‬تعقّل‭ ‬وتفهّم‭ ‬وحسن‭ ‬الإصغاء‭ ‬وسعة‭ ‬خاطر‭ ‬وصراحة‭. ‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية