ندوة‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬ناقشت‭ ‬الواقع‭ ‬والخيال‭ ‬في‭ ‬روايات‭ ‬أمير‭ ‬تاج‭ ‬السر‭ ‬

عدنان‭ ‬حسين‭ ‬أحمد‭
حجم الخط
0

ضيّف‭ ‬‮«‬الصالون‭ ‬الثقافي‮»‬‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬الروائي‭ ‬السوداني‭ ‬أمير‭ ‬تاج‭ ‬السر،‭ ‬الذي‭ ‬وزّع‭ ‬حياته‭ ‬منذ‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬والطب،‭ ‬وأنجز‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬رواية‭ ‬وصلت‭ ‬اثنتان‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬القائمة‭ ‬القصيرة‭ ‬لجائزة‭ ‬البوكر‭ ‬العربية،‭ ‬وهما‭ ‬‮«‬صائد‭ ‬اليرقات‮»‬‭ ‬2011‭ ‬و‭ ‬‮«‬زهور‭ ‬تأكلها‭ ‬النار‮»‬‭ ‬2018،‭ ‬كما‭ ‬فازت‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬366‮»‬‭ ‬بجائزة‭ ‬‮«‬كتارا‮»‬‭ ‬لفئة‭ ‬الروايات‭ ‬المنشورة‭ ‬عام‭ ‬2015‭. ‬وقد‭ ‬تُرجمت‭ ‬بعض‭ ‬رواياته‭ ‬إلى‭ ‬الإنكليزية‭ ‬والفرنسية‭ ‬والإيطالية‭ ‬والبولندية‭ ‬والصينية،‭ ‬لتجعل‭ ‬منه‭ ‬كاتبًا‭ ‬معروفًا‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العالمي،‭ ‬وهو‭ ‬الروائي‭ ‬المستغرِق‭ ‬في‭ ‬محليته‭. ‬وبغية‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬تجربته‭ ‬الروائية‭ ‬ارتأينا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الندوة‭ ‬الاحتفائية‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬عند‭ ‬روايتي‭ ‬‮«‬صائد‭ ‬اليرقات‮»‬‭ ‬و»العطر‭ ‬الفرنسي‮»‬،‭ ‬لأنهما‭ ‬تعتمدان‭ ‬على‭ ‬البطل‭ ‬الشعبي،‭ ‬واللغة‭ ‬الشعرية،‭ ‬والواقعية‭ ‬السحرية‭ ‬التي‭ ‬تجنح‭ ‬إلى‭ ‬الخيال‭ ‬العجائبي‭. ‬

تعتمد‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬صائد‭ ‬اليرقات‮»‬‭ ‬على‭ ‬نتوء‭ ‬واقعي،‭ ‬لكن‭ ‬فعل‭ ‬الخيال‭ ‬يذهب‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬الواقع‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬بائع‭ ‬الورد،‭ ‬والإسكافي‭ ‬الفقير،‭ ‬والمومس‭ ‬التائبة‭ ‬يكتبون‭ ‬نصوصًا‭ ‬روائية‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬يمنع‭ ‬عبدالله‭ ‬فرفار،‭ ‬رجل‭ ‬الأمن‭ ‬المتقاعد‭ ‬من‭  ‬أن‭ ‬يحذو‭ ‬حذوهم‭ ‬ويكتب‭ ‬روايته‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تؤرقه‭ ‬ليل‭ ‬نهار،‭ ‬طالما‭ ‬أنه‭ ‬يتوفر‭ ‬على‭ ‬تجربة‭ ‬حياتية‭ ‬تؤهله‭ ‬لكتابة‭ ‬نص‭ ‬إبداعي‭ ‬يحفِّز‭ ‬الآخرين‭ ‬على‭ ‬قراءته،‭ ‬والاستمتاع‭ ‬به؟

يلتقي‭ ‬عبدالله‭ ‬فرفار‭ ‬في‭ ‬‮«‬قصر‭ ‬الجمّيز‮»‬‭ ‬بـ»أ‭. ‬ت‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬كاتب‭ ‬معروف‭ ‬يتحلّق‭ ‬حوله‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الكُتّاب‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬يعتبرونه‭ ‬رمزًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬وقد‭ ‬صدرت‭ ‬له‭ ‬روايات‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬‮«‬على‭ ‬سريري‭ ‬ماتت‭ ‬إيفا‮»‬‭ ‬التي‭ ‬وصفتها‭ ‬إحداهن‭ ‬بأن‭ ‬الجن‭ ‬قد‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬كتابتها‭! ‬وهو‭ ‬يكتب‭ ‬رواياته‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬مختلفة‭ ‬وقد‭ ‬طلب‭ ‬منه‭ ‬فرفار‭ ‬أن‭ ‬يساعده‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الرواية‭ ‬وكتابة‭ ‬موضوعها‭. ‬

تغيرت‭ ‬معاملة‭ ‬الناس‭ ‬لعبدالله‭ ‬فرفار‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أُحيل‭ ‬إلى‭ ‬التقاعد‭ ‬إثر‭ ‬مهمة‭ ‬رسمية‭ ‬مات‭ ‬فيها‭ ‬السائق،‭ ‬وفَقدَ‭ ‬هو‭ ‬ساقه‭ ‬اليمنى،‭ ‬فيما‭ ‬أصيب‭ ‬زميله‭ ‬الآخر‭ ‬بالشلل‭ ‬الرعّاش،‭ ‬وفقدان‭ ‬الذاكرة‭. ‬حين‭ ‬قرأ‭ ‬ما‭ ‬كتبهُ‭ ‬للروائي‭ ‬المعروف‭ ‬‮«‬أ‭. ‬ت‮»‬‭ ‬أجابه‭ ‬الأخير‭ ‬بصراحة‭ ‬تامة‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬إن‭ ‬ما‭ ‬قرأته‭ ‬ليس‭ ‬بداية‭ ‬رواية،‭ ‬وإنما‭ ‬تقرير‭ ‬أمني‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬مضى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬حين‭ ‬شبّه‭ ‬كتابته‭ ‬بـ»اليرقة‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬تنمو‭ ‬إلى‭ ‬شرنقة‮»‬‭ ‬شارحًا‭ ‬له‭ ‬الأطوار‭ ‬الأربعة‭ ‬لنمو‭ ‬الحشرة‭. ‬وهذا‭ ‬التقرير‭ ‬الأمني‭ ‬الذي‭ ‬كتبهُ‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬يرقة‭ ‬ميتة‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬ذهنه‭!‬

يركز‭ ‬فرفار‭ ‬على‭ ‬شخصيات‭ ‬يعرفها‭ ‬جيدًا‭ ‬مثل‭ ‬زوج‭ ‬عمته‭ ‬المدلِّك،‭ ‬الذي‭ ‬فكّر‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يجعله‭ ‬محورًا‭ ‬لروايته‭ ‬المُرتقبة،‭ ‬أو‭ ‬المشجِّع‭ ‬حفار‭ ‬القبور‭. ‬تحدث‭ ‬الانعطافة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬حين‭ ‬تفتح‭ ‬مديرية‭ ‬الأمن‭ ‬ملفًا‭ ‬جديدًا‭ ‬لعبدالله‭ ‬فرفار،‭ ‬ليس‭ ‬بصفته‭ ‬القديمة‭ ‬كرجل‭ ‬أمن‭ ‬ولكن‭ ‬بصفته‭ ‬الجديدة‭ ‬كمثقف‭ ‬مشبوه‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُتابَع‭ ‬بدقة‭. ‬فجأة‭ ‬يختفي‭ ‬الروائي‭ ‬‮«‬أ‭.‬ت‮»‬‭ ‬لمدة‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬يومًا‭ ‬فخشي‭ ‬فرفار‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬سبب‭ ‬اختفائه‭ ‬هو‭ ‬سرقته‭ ‬لشخصية‭ ‬زوج‭ ‬عمته‭ ‬المدلِّك‭. ‬فيما‭ ‬تحدث‭ ‬الانعطافة‭ ‬الثانية‭ ‬حين‭ ‬يتصل‭ ‬به‭ ‬مسؤوله‭ ‬الأمني‭ ‬ويخبره‭ ‬بأنه‭ ‬قد‭ ‬أُعيد‭ ‬إلى‭ ‬الخدمة‭ ‬الممتازة،‭ ‬وقد‭ ‬تمّت‭ ‬ترقيته،‭ ‬وعُدلت‭ ‬رتبتهُ‭. ‬حين‭ ‬ظهر‭ ‬الكاتب‭ ‬‮«‬أ‭.‬ت‮»‬‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬تبيّن‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬أنجز‭ ‬رواية‭ ‬جديدة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬شخصيتها‭ ‬الرئيسة‭ ‬عن‭ ‬المدلِّك،‭ ‬زوج‭ ‬عمة‭ ‬فرفار،‭ ‬وإنما‭ ‬عن‭ ‬شخصية‭ ‬فرفار‭ ‬نفسه،‭ ‬فهو‭ ‬الذي‭ ‬أوحى‭ ‬له‭ ‬بفكرة‭ ‬الرواية‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬فجأة،‭ ‬وتصادقنا‭ ‬بسرعة‭ ‬غريبة،‭ ‬وكنتُ‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬أجد‭ ‬في‭ ‬شخصيتك‭ ‬دافعًا‭ ‬لكتابتها،‭ ‬أنت‭ ‬شخصية‭ ‬روايتي‭ ‬الجديدة‭ ‬يا‭ ‬فرفار‮»‬‭. ‬

أما‭ ‬الانعطافة‭ ‬الثالثة‭ ‬والأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬أن‭ ‬الكاتب‭ ‬‮«‬أ‭.‬ت‮»‬‭ ‬خاطب‭ ‬فرفار‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬لا‭ ‬تغضب‭ ‬مني‭ ‬يا‭ ‬فرفار‭ ‬حين‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الرواية‭ ‬أنني‭ ‬جعلتك‭ ‬تعود‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬الخدمة،‭ ‬وتندس‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الذين‭ ‬عرفوك‭ ‬كاتبًا‭ ‬ومُحبًا‭ ‬للكتابة‭ ‬لتدوِّن‭ ‬التقارير‭ ‬عنهم‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬الحقيقة‭ ‬كما‭ ‬تعلم‮»‬‭. ‬لابد‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬اللحظة‭ ‬التنويرية‭ ‬التي‭ ‬يشعر‭ ‬بها‭ ‬فرفار‭ ‬حين‭ ‬يلمح‭ ‬على‭ ‬الصفحة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬المغلّف‭ ‬الأبيض‭ ‬الذي‭ ‬منحه‭ ‬للكاتب‭ ‬‮«‬أ‭.‬ت‮»‬‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬صائد‭ ‬اليرقات‮»‬‭ ‬المكتوبة‭ ‬بخط‭ ‬أسود‭ ‬أنيق‭ ‬دفعته‭ ‬لأن‭ ‬يقف‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الانهيار،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يعدو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مجرد‭ ‬صائد‭ ‬يرقات‭ ‬لا‭ ‬غير‭! ‬

أمّا‭ ‬الرواية‭ ‬الثانية‭ ‬فهي‭  ‬‮«‬العطر‭ ‬الفرنسي‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تتمحور‭ ‬على‭ ‬شخصية‭ ‬واقعية‭ ‬أيضًا‭ ‬وهي‭ ‬كاتيا‭ ‬كادويلي،‭ ‬التي‭ ‬عملت‭ ‬ممرضة‭ ‬مع‭ ‬الدكتور‭ ‬أمير‭ ‬تاج‭ ‬السرّ‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬السودان،‭ ‬لكن‭ ‬مخيلته‭ ‬الروائية‭ ‬جعلت‭ ‬منها‭ ‬زوجة‭ ‬موهومة‭ ‬أو‭ ‬متخيّلة‭ ‬لعلي‭ ‬جرجار،‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬مراقبًا‭ ‬لصيانة‭ ‬القاطرات‭. ‬أطلق‭ ‬جرجار‭ ‬صيحة‭ ‬تنادي‭ ‬بحرية‭ ‬التخيّل‭ ‬لدى‭ ‬الناس‭. ‬تقوم‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬العاطفية‭ ‬على‭ ‬إشاعة‭ ‬تؤكد‭ ‬مقدم‭ ‬السيدة‭ ‬كاتيا‭ ‬كادويلي،‭ ‬الممرضة‭ ‬الفرنسية‭ ‬التي‭ ‬تحلّ‭ ‬ضيفة‭ ‬عزيزة‭ ‬على‭ ‬شخصيات‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬زيمبابوي،‭ ‬وغينيا‭ ‬بيساو‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬حي‭ ‬‮«‬غايب‮»‬‭ ‬الشعبي،‭ ‬وفي‭ ‬أثناء‭ ‬انتظارها‭ ‬المحموم،‭ ‬يؤجر‭ ‬لها‭ ‬غرفة‭ ‬ذات‭ ‬تهوية‭ ‬جيدة،‭ ‬كما‭ ‬يطلي‭ ‬البيت‭ ‬باللون‭ ‬الأزرق‭ ‬الذي‭ ‬تحبه،‭ ‬فقد‭ ‬عرف‭ ‬من‭ ‬أيمن‭ ‬داوود‭ ‬الحضاري،‭ ‬أنها‭ ‬تحب‭ ‬الملابس‭ ‬الزرقاء،‭ ‬وأحاطنا‭ ‬علمًا‭ ‬بأنها‭ ‬مطلّقة،‭ ‬وليس‭ ‬لها‭ ‬صديق‭ ‬جديد‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬جرجار‭ ‬يفكر‭ ‬بأي‭ ‬امرأة‭ ‬أخرى‭ ‬سوى‭ ‬كاتيا‭ ‬‮«‬فهي‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬دمه،‭ ‬وفي‭ ‬بيته‮»‬‭. ‬تكمن‭ ‬اللعبة‭ ‬الفنية‭ ‬في‭ ‬قناعة‭ ‬جرجار‭ ‬بأن‭ ‬كاتيا‭ ‬موجودة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬وهي‭ ‬ليست‭ ‬وهمًا‭ ‬أو‭ ‬شبحًا،‭ ‬وإنما‭ ‬كائن‭ ‬بشري‭ ‬من‭ ‬لحم‭ ‬ودم‭ ‬فلا‭ ‬غرابة‭ ‬أن‭ ‬يعقد‭ ‬قرانه‭ ‬عليها‭ ‬ويتزوجها،‭ ‬بحضور‭ ‬رجل‭ ‬دين‭ ‬وشاهدين‭ ‬كما‭ ‬تقتضي‭ ‬الأصول،‭ ‬وقد‭ ‬بارك‭ ‬له‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والمعارف‭ ‬هذه‭ ‬الزيجة‭. ‬لعل‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬هو‭ ‬قدرة‭ ‬جرجار‭ ‬على‭ ‬الولوج‭ ‬في‭ ‬الوهم‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬مدىً‭ ‬كأن‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬نهضت‭ ‬مهرولاً‭ ‬لألحق‭ ‬بكاتيا‭ ‬وأنا‭ ‬أتمنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬زال‭ ‬صداعها‭ ‬وإرهاقها،‭ ‬وتزيّنت‭ ‬لعناقي‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬صاحب‭ ‬البقّالة‭ ‬‮«‬عركي‮»‬‭ ‬ويخبره‭ ‬بأن‭ ‬زوجته‭ ‬كاتيا‭ ‬تطلب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يشتري‭ ‬لها‭ ‬عدة‭ ‬حاجات‮»‬‭ ‬فيجيبه‭ ‬‮«‬عركي‮»‬‭: ‬أين‭ ‬هي‭ ‬كاتيا‭ ‬يا‭ ‬رجل،‭ ‬هل‭ ‬جننت؟‮»‬‭. ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الرواية‭ ‬نكهة‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬جرجار‭ ‬يصدّق‭ ‬وهمه،‭ ‬حتى‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يلتفت‭ ‬إلى‭ ‬الخلف‭ ‬في‭ ‬سيارة‭ ‬التاكسي‭ ‬ويحدثها‭ ‬وسط‭ ‬استغراب‭ ‬السائق‭ ‬ودهشته‭. ‬وحينما‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬حليمة‭ ‬المرضعة،‭ ‬قارئة‭ ‬الكفّ‭ ‬والمصائر،‭ ‬تخبره‭ ‬بأن‭ ‬زوجته‭ ‬حامل‭ ‬وأنّ‭ ‬القادم‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬إليهما،‭ ‬فيلتمس‭ ‬من‭ ‬زوجته‭ ‬قائلاً‭:‬‮»‬لا‭ ‬تحملي‭ ‬أشياء‭ ‬ثقيلة‭ ‬حتى‭ ‬تضعي‭ ‬حملك‮»‬‭. ‬فلا‭ ‬غرابة‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬معظم‭ ‬سكان‭ ‬الحي‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬جرجار‭ ‬وهم‭ ‬محمّلون‭ ‬بالهدايا‭ ‬مثل‭ ‬أيمن‭ ‬الحضاري،‭ ‬وسوكارنو‭ ‬النبوي،‭ ‬والأمني‭ ‬موسى‭ ‬خاطر‭. ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬أيمن‭ ‬قرأ‭ ‬خبرًا‭ ‬نشرته‭ ‬إحدى‭ ‬الصحف‭ ‬الأوروبية‭ ‬مفاده،‭ ‬أن‭ ‬النجمة‭ ‬الممرضة‭ ‬كاتيا‭ ‬الملاك‭ ‬قد‭ ‬تخلت‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ألقابها‭ ‬الإفريقية،‭ ‬وتزوجت‭ ‬برجل‭ ‬جذّاب‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬أخرى،‭ ‬ولقّبها‭ ‬بكاتيا‭ ‬العسل،‭ ‬وهي‭ ‬سعيدة‭ ‬بالرجل‭ ‬واللقب‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬وتأكيدًا‭ ‬لأوهامه‭ ‬الكثيرة‭ ‬فإن‭ ‬جرجار‭ ‬يغار‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬سوكارنو‭ ‬النبوي،‭ ‬والدكتور‭ ‬أحمد‭ ‬سيف،‭ ‬والعمدة،‭ ‬وغباشي‭ ‬الجزّار،‭ ‬والمشرّد‭ ‬كنكل،‭ ‬والأمني‭ ‬موسى‭ ‬خاطر،‭ ‬والدسوقي‭ ‬صاحب‭ ‬كشك‭ ‬الأغنيات‭ ‬المسروقة،‭ ‬وشرطي‭ ‬المرور‭ ‬عوض‭ ‬الله‭ ‬كوّة،‭ ‬وكل‭ ‬منْ‭ ‬يتطلع‭ ‬إلى‭ ‬معالمها‭ ‬الفاتنة،‭ ‬وعندما‭ ‬تتفاقم‭ ‬نيران‭ ‬الغيرة‭ ‬في‭ ‬أعماقه‭ ‬يمنعها‭ ‬من‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬المنزل‭. ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬التوتر‭ ‬بلغ‭ ‬أقصاه‭ ‬فقد‭ ‬ضرب‭ ‬البقال‭ ‬عركي،‭ ‬وجرح‭ ‬كنكل‭ ‬بالسكين،‭ ‬وذبح‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬الجن‭ ‬آل‭ ‬مسيكة‭ ‬أمام‭ ‬الناس،‭ ‬وحينما‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬غرس‭ ‬السكين‭ ‬في‭ ‬أحشاء‭ ‬كاتيا‭ ‬وكأننا،‭ ‬نحن‭ ‬القرّاء،‭ ‬نراها‭ ‬بأم‭ ‬أعيننا‭. ‬جدير‭ ‬ذكره‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأمسية‭ ‬الافتتاحية‭ ‬هي‭ ‬أولى‭ ‬أماسي‭ ‬الصالون‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬موسمه‭ ‬الجديد،‭ ‬وقد‭ ‬ساهمت‭ ‬فيها‭ ‬الصحفيتان‭ ‬السودانيتان‭ ‬جدية‭ ‬عثمان،‭ ‬وهنادي‭ ‬عثمان،‭ ‬والزميل‭ ‬عدنان‭ ‬حسين‭ ‬أحمد،‭ ‬فيما‭ ‬قدّمت‭ ‬الأمسية‭ ‬وأدارتها‭ ‬الشاعرة‭ ‬والروائية‭ ‬السورية‭ ‬مريم‭ ‬مشتاوي‭. ‬

qad

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية