إدلب‭… ‬ألا‭ ‬يزال‭ ‬ممكنا‭ ‬منع‭ ‬المذبحة؟

حجم الخط
0

حتى‭ ‬الآن‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬كيف‭ ‬ولماذا‭ ‬وصل‭ ‬م‭. ‬ع‭ ‬من‭ ‬إدلب‭ ‬إليّ‭ ‬بالذات‭. ‬فقد‭ ‬كتب‭ ‬لي‭ ‬باسمه‭ ‬الكامل،‭ ‬وروى‭ ‬بأنه‭ ‬ابن‭ ‬23،‭ ‬خريج‭ ‬جامعة،‭ ‬يعمل‭ ‬قليلاً‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬ويريد‭ ‬أن‭ ‬يواصل‭ ‬الحياة‭. ‬‮«‬أنقذيني‮»‬،‭ ‬استجدى‭ ‬في‭ ‬المكالمة‭ ‬الهاتفية‭ ‬الأولى،‭ ‬‮«‬تحدثي‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬ليتيح‭ ‬لي‭ ‬اجتياز‭ ‬الحدود‮»‬‭. ‬شرحت‭ ‬له‭ ‬بأن‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يتوجه‭ ‬إلى‭ ‬سفارة‭ ‬أجنبية‭ ‬تحاول‭ ‬إنقاذه،‭ ‬ومنذئذ‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬مأوى‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬إدلب،‭ ‬حيث‭ ‬ينتظر‭ ‬أحدًا‭ ‬ما‭ ‬يتجند‭ ‬في‭ ‬صالحه‭. ‬هل‭ ‬سينجح‭ ‬في‭ ‬اجتياز‭ ‬الحدود‭ ‬إلى‭ ‬تركيا؟‭ ‬فرصه‭ ‬ضعيفة‭ ‬جدًا‭. 

في‭ ‬المعارضة‭ ‬السورية‭ ‬يصرون‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬التشبيه‭ ‬بين‭ ‬كارثة‭ ‬اليهود‭ ‬والمصيبة‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬توشك‭ ‬على‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬إدلب‭. ‬التشبيه‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬مكانه،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬مصيبة‭ ‬إدلب‭ ‬أصبحت‭ ‬المأساة‭ ‬الأفظع‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الـ‭ ‬21‭. ‬العالم‭ ‬المتنور‭ ‬الذي‭ ‬يتلقى‭ ‬المعلومات‭ ‬عما‭ ‬يجري‭ ‬من‭ ‬المعارضة‭ ‬السورية‭ ‬أساسًا،‭ ‬لا‭ ‬ينجح‭ ‬حقًا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يحصل‭ ‬هناك‭. ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬معقولاأن‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬الوضع‭  ‬ـ‭  ‬فترامب‭ ‬وشركاؤه‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وألمانيا‭ ‬لن‭ ‬يتدخلوا‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬تبين‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يرتقي‭ ‬إليه‭ ‬الشك‭ ‬بأن‭ ‬الأسد‭ ‬يستخدم‭ ‬السلاح‭ ‬الكيمياوي‭ ‬ضد‭ ‬سكان‭ ‬إدلب‭. ‬أما‭ ‬الأسد‭ ‬من‭ ‬جهته،‭ ‬فقد‭ ‬سارع‭ ‬إلى‭ ‬الإعلان‭ ‬بأن‭ ‬المعارضة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬السلاح‭ ‬الكيمياوي‭. ‬

بات‭ ‬واضحًا‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬قمة‭ ‬طهران،‭ ‬بين‭ ‬بوتين‭ ‬وأردوغان‭ ‬وروحاني،‭ ‬انتهت‭ ‬بخلافات‭ ‬في‭ ‬الرأي‭. ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬نفعًا‭ ‬لقاء‭ ‬الزعيم‭ ‬الأعلى‭ ‬خامينئي‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬التركي‭ ‬الذي‭ ‬يصر‭ ‬على‭ ‬وجوب‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭ ‬بهدف‭ ‬منع‭ ‬هرب‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬إدلب‭ ‬إلى‭ ‬بلاده‭. ‬وأعلن‭ ‬أردوغان‭ ‬أمس‭ ‬أنه‭ ‬سيوافق‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬الحدود‭ ‬فقط‭ ‬إذا‭ ‬نجح‭ ‬اللاجئون‭ ‬في‭ ‬الإثبات‭ ‬بأنهم‭ ‬حصلوا‭ ‬على‭ ‬تأشيرات‭ ‬عبور‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬أخرى،‭ ‬ودعا‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬إلى‭ ‬استقبالهم‭. ‬أما‭ ‬عنده،‭ ‬فبعد‭ ‬3‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬لاجئ‭ ‬من‭ ‬سوريا،‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬مكان‭. ‬كما‭ ‬نشر‭ ‬مقالاً‭ ‬في‭ ‬‮«‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬جورنال‮»‬‭ ‬وصف‭ ‬فيه‭ ‬الوضع‭ ‬الفظيع‭ ‬في‭ ‬إدلب،‭ ‬ودعا‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬منع‭ ‬اتساع‭ ‬الفظاعة‭ ‬الإنسانية‭. ‬ولكن‭ ‬الأسد‭ ‬وبوتين‭ ‬لا‭ ‬يتأثران‭. 

وفي‭ ‬هذه‭ ‬الأثناء،‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬الهجوم‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬إدلب‭ ‬لم‭ ‬يبدأ‭ ‬بعد،‭ ‬لكن‭ ‬الهجمات‭ ‬تنفذ‭ ‬منذ‭ ‬الآن؛‭ ‬فالجيش‭ ‬السوري‭ ‬في‭ ‬الميدان،‭ ‬والطائرات‭ ‬الروسية‭ ‬في‭ ‬الجو،‭ ‬والإيرانيون‭ ‬يسهمون‭ ‬بنصيبهم‭ ‬من‭ ‬بعيد‭.‬

‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬القرى‭ ‬الجنوبية‭ ‬لإدلب‭ ‬عشرات‭ ‬القتلى‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬بينهم‭ ‬نساء‭ ‬وأطفال‭. ‬وحسب‭ ‬منشورات‭ ‬رسمية‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬فقد‭ ‬نفذت‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬غارة‭ ‬طائرات‭ ‬‮«‬على‭ ‬تجمعات‭ ‬الإرهابيين‮»‬،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬تحطم‭ ‬القلب‭ ‬لجثة‭ ‬الرضيعة‭ ‬الصغيرة‭ ‬ريم‭ ‬بين‭ ‬ذراعي‭ ‬أبيها‭ ‬تدحض‭ ‬بيانات‭ ‬جيش‭ ‬الأسد‭. ‬

بوتين‭ ‬وأردوغان‭ ‬سيلتقيان‭ ‬نهاية‭ ‬الشهر‭ ‬في‭ ‬ألمانيا،‭ ‬ويمكن‭ ‬الافتراض‭ ‬بأنه‭ ‬حتى‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬سيواصل‭ ‬سلاح‭ ‬الجو‭ ‬الروسي‭ ‬والجيش‭ ‬السوري‭ ‬الهجمات‭  ‬ـ‭ ‬بمستويات‭ ‬متدنية‭  ‬ـ‭  ‬على‭ ‬‮«‬مواقع‭ ‬الإرهابيين‮»‬‭ ‬إياها‭ ‬في‭ ‬إدلب،‭ ‬وسيحذرون‭ ‬ألا‭ ‬تكتشف‭ ‬أي‭ ‬علامات‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬السلاح‭ ‬الكيمياوي‭. ‬وكان‭ ‬الأسد‭ ‬أعلن‭ ‬بأنه‭ ‬سيستخدم‭ ‬غاز‭ ‬الكلور،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬الغاز‭ ‬لا‭ ‬يصنف‭ ‬ضمن‭ ‬الأسلحة‭ ‬الكيمياوية‭  ‬ـ‭  ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬عندما‭ ‬تبحث‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وشركاؤها‭ ‬عن‭ ‬المبررات‭ ‬كي‭ ‬تهرب‭ ‬من‭ ‬سوريا‭. ‬

كيفما‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬هذا،‭ ‬سيكون‭ ‬الأسد‭ ‬هو‭ ‬المنتصر،‭ ‬ولا‭ ‬يهم‭ ‬أي‭ ‬زعيم‭ ‬هو،‭ ‬أم‭ ‬على‭ ‬ماذا‭ ‬يسيطر‭ ‬حقًا،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬كفاءاته‭ ‬الحقيقية‭. ‬محافظة‭ ‬إدلب،‭ ‬حيث‭ ‬يسكن‭ ‬اليوم‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثة‭ ‬ملايين‭ ‬نسمة،‭ ‬هي‭ ‬معقل‭ ‬المقاومة‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬وعندما‭ ‬تسقط‭ ‬أو‭ ‬تحتل،‭ ‬فإن‭ ‬الأسد‭  ‬ـ‭  ‬ويداه‭ ‬ملطختان‭ ‬بدماء‭ ‬مواطنيه‭ ‬المذبوحين‭  ‬ـ‭  ‬سيظهر‭ ‬على‭ ‬التلفزيون‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬وسيتحدث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الإنجازات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬سكان‭ ‬سوريا‮»‬‭ ‬وعن‭ ‬‮«‬تدمير‭ ‬أعشاش‭ ‬الإرهاب‮»‬،‭ ‬وسيعرض‭ ‬الخطط‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬وحتى‭ ‬إشعار‭ ‬آخر‭ ‬لتحسين‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬الدولة‭. ‬

وهكذا،‭ ‬فإن‭ ‬مواطني‭ ‬سوريا‭ ‬ـ‭  ‬نساء‭ ‬وأطفالاوشيوخا‭  ‬ـ‭  ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬يذبحون‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬رئيسهم‭ ‬وعلى‭ ‬أيدي‭ ‬مؤيديه‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬ومن‭ ‬إيران،‭ ‬وموافقتهم‭ ‬الكاملة‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬الكارثة،‭ ‬نكرر‭ ‬ونقول،‭ ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬مصيبة‭ ‬قاسية‭ ‬وصادمة‭ ‬ومنعها‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬ممكنًا‭.‬

سمدار‭ ‬بيري

‭ ‬يديعوت‭ ‬12‭/‬9‭/‬2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية