روسيا والشرق الاوسط: رغبة متبادلة بالوصال

حجم الخط
0

روسيا والشرق الاوسط: رغبة متبادلة بالوصال

د. سعيد الشهابيروسيا والشرق الاوسط: رغبة متبادلة بالوصالفي الوقت الذي أعلنت فيه وزيرة الخارجية الامريكية، كوندوليزا رايس، ان الادارة الامريكية سوف تطلب 75 مليون دولار من الكونغرس الامريكي لما أسمته بـ الترويج لتغيير ديمقراطي بالنظام الايراني وتطلق تصريحات معادية لمنظمة حماس الفلسطينية، تستعد موسكو لاستعادة دورها السياسي في الشرق الاوسط بعد حوالي عشرين عاما من تلاشي ذلك الدور. موسكو تشعر ان الاجواء مهيأة لبديل دولي للولايات المتحدة، وان السياسة الامريكية في العالم أدت الي عسكرة الوضع الدولي ولم تساهم في تكريس الامن والاستقرار. وتري ايضا مدي عزلتها علي المستويين الشعبي والرسمي في العالم، وهو أمر يدركه الامريكيون، حكومة وشعبا، ولكنهم يعولون للتعويض عن خسارة الموقع والسمعة علي ما يحققه التفوق العسكري من ادخال الرعب في قلوب الناس، وبالتالي اخضاعهم للهيمنة الامريكية. وبعد اكثر من خمسة عشر عاما علي سقوط الاتحاد السوفييتي، ومعه نفوذ روسيا في العالم، ادرك قادة الكرملين ان من الخطأ البقاء خارج التأثير الدولي، وان من الضروري تفعيل الدور الروسي في المناطق التي تبحث حكوماتها وشعوبها عن صداقات ولو سطحية مع دولة كبري. واذا كانت عضوية روسيا في منظومة الدول الصناعية قد وفرت لها مجالا لتوسيع آفاق اقتصادها وفتحت لها منافذ علي الغرب عموما، فانها تشعر ان هناك مجالات اوسع لممارسة الدور السياسي وتوسيع النفوذ الاقتصادي، وان أمن العالم واستقراره يتطلبان موقفا دوليا قويا يعادل الموقف الامريكي، ويعمل علي تحييد آثاره الخطيرة في مجال العسكرة والحرب. وعلي الطرف الآخر، تقف واشنطن ومعها العواصم الاوروبية موقفا متحسسا من النوايا الروسية. فبالرغم مما كان يبدو تحالفا استراتيجيا بين الطرفين، اصبح الوضع أكثر تعقيدا، بحيث لم يعد ممكنا تحديد مواقع التقاطع او التنافر بين سياستي الطرفين، ولم يعد ممكنا شطب روسيا من ساحة التأثير الدولي، برغم ما يبدو من تراجع لمواقفها وسياساتها. الكرملين يقف اليوم باحثا عن دور لروسيا في العالم، مستفيدا من حالة الاحتقان السياسي التي تعم مناطق واسعة من العالم، والتحسس المفرط ازاء السياسات الامريكية. ويعتقد الاستراتيجيون الروس ان غياب الفعل السياسي الروسي ادي الي وصول النفوذ الامريكي الي الحدود الروسية، وهو أمر له مخاطره الكبيرة.الدبلوماسية الروسية الجديدة تنطلق من حقائق جديدة ظهرت في السنوات الاخيرة منها ما هو اقليمي ومنها ما هو دولي. فدول امريكا اللاتينية، التي تمثل الساحة الخلفية للولايات المتحدة قد تمردت عليها، واصبحت تتبني سياسات غير حميمة تجاهها، وجاءت الممارسة الديمقراطية في دولها بانظمة محسوبة علي اليسار، وتعارض السياسات الاقتصادية والسياسية لواشنطن. والدول الافريقية، خصوصا جنوب افريقيا، تبتعد تدريجيا عن الفلك الغربي، وتتجه نحو استقلال سياسي اوسع. وكذلك الامر في جنوب شرق آسيا. روسيا تجد الفرصة سانحة لدور دولي يوفر لها حضورا سياسيا فاعلا. ولكنها في الوقت نفسه، تدرك تحسس الولايات المتحدة من هذا الدور، وبالتالي فهي تسعي لاتخاذ خطواتها نحو الدور الدولي بحذر. وثمة عوامل عديدة دفعت موسكو لاعادة التفكير في استراتيجيتها الدولية، خصوصا في الشرق الاوسط. اولا: تدرك موسكو اهمية ضمان تدفق النفط لأي تطور تكنولوجي وأي توسع اقتصادي. وفي هذا المجال اصبحت تشعر بخطر استراتيجي من النفوذ الامريكي في البلقان، وسعي واشنطن المتواصل لمد نفوذها الي الدول المطلة علي بحر قزوين، خصوصا اذربيجان المرشحة لان تكون دولة نفطية كبري. يضاف الي ذلك ان الوجود الامريكي في العراق حرمها من حليف تاريخي، وان سكوتها علي هذا التمدد الامريكي من شأنه ان يؤدي الي محاصرتها ضمن حدودها واضطرارها للاعتماد علي العلاقات الطيبة مع واشنطن، للحصول علي ما تحتاجه من نفط. ثانيا: ان سياسة العسكرة الامريكية اصبحت تمثل خطرا علي الامن والسلام الدوليين، وان الوضع الدولي يحتاج الي حالة جديدة من التوازن السياسي لكبح جماح النفوذ الامريكي والتطلع المتواصل للهيمنة المطلقة ضمن شروط واشنطن ووفقا لآلياتها ونمط تفكير قادتها، وحيث ان روسيا عضو دائم بمجلس الامن الدولي فهي مطالبة بتوفير عنصر التوازن في العلاقات الدولية، وهذا يقتضي اتخاذ مواقف مختلفة عن المواقف والسياسات الامريكية، في المناطق المختلفة من العالم، ومنها الشرق الاوسط. ثالثا: ان السياسات الامريكية في العقد الاخير ادت الي تصاعد الارهاب الدولي، واصبحت روسيا احدي ضحاياه. وتري ان السياسات الامريكية لمواجهة هذا الارهاب لم تجد نفعا، بل زادت حدته ووسعت دائرته. وان القضاء علي هذا الارهاب يحتاج الي اكثر من عقدين، وفق تقديرات الخبراء الدوليين. وتجد موسكو نفسها مضطرة للدخول علي خط مكافحة الارهاب وفق سياساتها واساليبها، للحد من تأثيراته الخطيرة علي الامن الروسي نفسه، خصوصا بعد الحوادث الارهابية التي حدثت في روسيا نفسها مثل حادث مدرسة بيسلان. رابعا: تعلم موسكو ان واشنطن هي التي زرعت بذور الارهاب، عندما شجعت مجموعات مقاتلة علي مواجهة القوات السوفييتية في افغانستان، في السنوات الاخيرة من الحرب الباردة، وان انتهاء تلك الحقبة لم يتحقق الا بعد ان تجذرت ظاهرة الارهاب، وبالتالي اصبح علي موسكو ان تعيد النظر في سياساتها التي انتهجتها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة لعلها تستطيع احتواء الظاهرة. وثمة مصاديق عديدة تؤكد انتهاج موسكو سياسات تهدف لتحقيق دور دولي اكبر، منها أولا: استمرار موسكو في المشاركة في المشروع النووي الايراني برغم الاعتراضات الامريكية. وما المشروع الروسي الذي طرحته موسكو لتخصيب اليورانيوم الايراني علي الاراضي الروسية الا مناورة لتوسيع دائرة السجال حول المشروع النووي الايراني، وابعاده عن دائرة التهديدات والتهديدات المضادة بين ايران والولايات المتحدة ومعها الاتحاد الاوروبي. المقترح الروسي محرج جدا للولايات المتحدة التي تسعي لتصعيد الصراع مع ايران علي غرار ما فعلت مع العراق. وقد ادركت موسكو ان سياساتها في تلك الفترة كانت مضطربة، الامر الذي ساعد واشنطن علي تدويل الاهتمام الدولي بقضية العراق تدريجيا حتي حدثت الحرب التي أسقطت النظام. موسكو لا تري ان من مصلحتها تكرار السيناريو مع ايران، وان من الخطأ الكبير السماح بصدور قرارات عن مجلس الامن ضدها في الوقت الذي لم ترتكب فيه طهران مخالفات وفق معاهدة الحد من انتشار السلاح النووي، وقوانين الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولذلك فبالرغم من صدور قرار مجلس حكام الوكالة برفع قضية ايران الي مجلس الامن الدولي، فقد كرر وزير الخارجية الروسي تأكيداته علي عدم رغبة بلاده في صدور قرارات عن مجلس الامن ضد ايران. وسوف يبقي الموقف الروسي (وربما الموقف الصيني ايضا) معارضين للرغبة الامريكية برغم الضغوطات المتوالية والتهديد بابعاد روسيا عن مجموعة الدول الصناعية. ولا تستطيع موسكو الا ان تشعر بعدوانية السياسة الامريكية تجاه ايران. والا فما معني هجوم وزيرة الخارجية الامريكية، كوندوليزا رايس، امام لجنة مجلس الشيوع الامريكي للميزانية في واشنطن الذي اعتبرت فيه ايران مركز العالم لتمويل الارهاب؟ . وماذا يعني طلب الادارة الامريكية من الكونغرس تخصيص 75 مليون دولار لمحاربة النظام الايراني؟ أليس ذلك تدخلا سافرا في شؤون دولة ذات سيادة، وعضو بالأمم المتحدة؟ ثانيا: الموقف الروسي الجديد من حماس أمر مثير للنظر. فهو يقف جملة وتفصيلا ضد الرغبات الامريكية والاوروبية التي ما تزال تعتبر حماس منظمة ارهابية. روسيا، من جانبها، دعت مسؤولي المنظمة لزيارة موسكو قريبا، وتردد انها تعتزم بيع طائرات عمودية ومدرعات للسلطة الفلسطينية. موسكو تعتقد بخطأ السياسة الامريكية التي تتعاطي مع القضايا من هذا النوع بلغة الابيض والاســــود، ولا تحترم قرار الشعب الفلسطيني الذي انتخب حماس بشكل ديمقراطي، واعتبرها معبرا عن توجهاتــه ورغباته. وتري موسكو ان اصرار واشنطن علي لصق سمة الارهاب بكل من لا ينسجم مع سياساتها، ومن يعادي الكيان الاسرائيلي، سياسة مضرة بالامن والسلام الدوليين، لانها تقطع الطريق علي اي حوار او تفاهم بشأن الملفات الساخنة في العالم. النخب الفكرية والسياسية في موسكو تعتبر هذه الخطوة تعبيرا عن عودة جديدة للحياة للدبلوماسية الروسية التي تجمدت كثيرا في العقدين الماضيين، ومحاولة لمد الجسور مع المنطقة بعد ما يشبه الانقطاع الذي أعقب تفكك الاتحاد السوفييتي. فموسكو تتطلع لتوسيع اقتصادها بعقد صفقات عسكرية كبيرة مع الدول العربية التي تزداد حنقا علي الولايات المتحدة وسياساتها الداعمة بدون حدود للكيان الاسرائيلي. ولقد فاجأ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الغربيين عندما قال الاسبوع الماضي: علينا ان نعترف بان حماس صعدت الي السلطة نتيجة انتخابات شرعية، وعلينا ان نحترم ارادة الشعب الفلسطيني… فتدمير الجسور خيار سهل، ولكنه يفتقر الي رؤية . ثالثا: ان روسيا ابتعدت في خطابها عن لغة التهديد والوعيد. فبينما التزمت الولايات المتحدة سياسة تتسم بالازدواجية في المعايير والمواقف، أكدت روسيا علي ضرورة البحث عن قواسم مشتركة مع القوي الفاعلة في منطقة الشرق الاوسط. فسمعة واشنطن فقدت مصداقيتها ببروز التناقضات بين شعاراتها وممارساتها، خصوصا في ما يتعلق بممارسة التعذيب واهانة المعتقلين. وقد أجمعت الدول الاوروبية علي مطالبتها باغلاق سجن غوانتانامو، ولكن الرئيس الامريكي رفض ذلك الطلب جملة وتفصيلا. وحتي بعد نشر صور التعذيب الجديدة للعراقيين، لم يغير الامريكيون ايا من سياساتهم حول التعذيب ومعاملة المعتقلين. وقد كشف النقاب مؤخرا عن وجود اكثر من 1300 صورة لإساءة معاملة السجناء في ابوغريب، الامر الذي دفع ديزموند توتو، الزعيم المسيحي من جنوب أفريقيا، للقول بان ما شاهده من تلك الصور جعله يسترجع بذاكرته ما قام به النظام العنصري في بريتوريا، وهو النظام الذي دعمته بريطانيا والولايات المتحدة حتي اللحظات الاخيرة قبل سقوطه. وفيما طالب كوفي عنان ادارة الرئيس بوش باغلاق سجن غوانتانامو، كرر الرئيس الامريكي رفضه الطلب، متذرعا بضرورته لاستمرار الحرب ضد الارهاب. روسيا تعلم ان عليها، كقوة عظمي، ان تنأي بنفسها عن تلك التصرفات والسياسات، للحفاظ علي سمعة مجلس الامن والحفاظ علي التوازن الدولي والممارسات السياسية المعتدلة. ولضمان ذلك، قام الرئيس بوتين العام الماضي بزيارة عدد من الدول العربية و اسرائيل . واعطيت روسيا صفة المراقب بمنظمة المؤتمر الاسلامي. ومنذ العام الماضي، بدأ الغربيون يتساءلون عن حقيقة توجهات موسكو، فهل هي مع الغرب ام الشرق؟ مع اسرائيل ام العالم العربي والاسلامي؟ ولكن موسكو ترفض طرح سياستها وفقا لما يريده الغربيون. فهي ليست كالاتحاد السوفييتي الذي كانت سياساته تقوم علي اساس التحالف مع طرف ثان في مقابل طرف ثالث. انها تؤسس سياساتها علي الواقعية السياسية بحيث تكون السياسة في خدمة المصالح الاقتصادية والامنية لها. مع ذلك فالغرب مستاء من التوجهات الجديدة لموسكو، التي عبر عنها الرئيس بوتين في كلمته التي ألقاها في افتتاح البرلمان الشيشاني في كانون الاول (ديسمبر) الماضي: لقد كانت روسيا وما تزال، الحليف الأول للدول الاسلامية .الواضح ان استقرار بوتين في الحكم بعد سبع سنوات من صعوده لمنصب الرئاسة، وفر له تجربة مهمة ساعدته علي التوجه لتحقيق موقع دولي جديد لروسيا. والواضح ايضا ان الشرق الاوسط اصبح الساحة الاوسع لفحص قدرات السياسة الدوليين الكبار، بسبب تعقد قضاياها وتعدد ازماتها. واذا كان التوازن القائم خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي أحد العوامل التي حالت دون الهيمنة الامريكية المطلقة في المنطقة، فان عودة السباق علي النفوذ قد تتيح للشرق الاوسط فرصة جديدة للتحرك خارج الأطر الامريكية المحكومة بالمصالح الاسرائيلية في أغلب الاحيان. ولكن ذلك لن يكون بدون ثمن. فروسيا التي استلمت رئاسة مجموعة الدول الصناعية G8 في مطلع العام تعلم ان كل تحركاتها السياسية والدبلوماسية مراقبة من قبل شركائها في ذلك المنتدي الذي يمثل الدول الصناعية الكبري، وبالتالي فاتصالاتها مع الجهات التي تعتبرها الولايات المتحدة غير صديقة، ستمثل مشكلة لكل من موسكو وواشنطن. مع ذلك يبدو ان موسكو قررت انتهاج دبلوماسية فاعلة بالاتصال بكافة الاطراف ذات الصلة بالاوضاع في الشرق الاوسط، علي أمل ان يكون ذلك بداية استعادة الموقع المفقود والضروري للتوازن الاستراتيجي ليس في الشرق الاوسط فحسب، بل في العالم. وليس مستبعدا ان تشهد الفترة المقبلة عودة تدريجية للصراع علي النفوذ في الشرق الاوسط في ظل السياسات الروسية الجديدة، وتراجع حظوظ واشنطن السياسية في المنطقة نتيجة الاخفاقات المتلاحقة لمشاريعها، واستمرار ربط مصالحها بـ اسرائيل .9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية