إن حقيقة أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان الأول بين الجميع، وهم قلة في هذه الأثناء، ليثني على قرار الرئيس ترامب إغلاق الممثلية الفلسطينية في واشنطن ليست مفاجئة. فإذا لم يقبلوا بخطتي فلن يحصلوا على المال، شرح ترامب في حديث العيد مع زعماء يهود في الولايات المتحدة. لا يقبلون، لا يتلقون. أيبدو لكم هذا معروفًا؟ بالتأكيد نعم، كون البيت الأبيض تبنى عمليًا بقلب كامل مذهب نتنياهو، حتى بات من الصعب أن نتبين أين تنتهي السياسة الخارجية الإسرائيلية وأين تبدأ الأمريكية. والمشكلة في ذلك أن هذا لم ينجح أبًدا مع إسرائيل، ومن ثم لا يوجد أي سبب يجعله ينجح هذه المرة مع الولايات المتحدة.
إن التفكير بأنه يمكن أن يفرض الاتفاق بالقوة وتفرض عقوبات على الفلسطينيين من أجل إجبارهم على العودة إلى طاولة المفاوضات وقبول «اتفاق القرن» الذي أعده رجال ترامب هو تفكير سخيف، إذ إنه يتجاهل مجرد أسباب الخلاف التاريخي في المنطقة. فلم يكن الأمر أبدًا يتعلق «فقط» بالمناطق، وبالحدود أو بالمصالح الملموسة التي يمكن إحصاؤها، اقتسامها ونقلها. فجوهر النزاع كان ولا يزال حول الاعتراف، والكرامة، وتقرير المصير ـ تلك العناصر الذاتية وبالأساس العاطفية التي لا يمكن قياسها، وبالتالي لا يمكن أيضًا شراؤها بالمال، وحتمًا لا يمكن الحصول عليها بالتهديد والابتزاز.
إن المحاولة الأمريكية لاشتراط تمويل السلطة الفلسطينية والأونروا بتنازلات سياسية تتجاهل تمامًا ما كان يحرك على الدواء الفلسطينيين، وتتمسك بالفرضية الأساس المغلوطة التي تصمم منذ عقد من الزمان السياسة الإسرائيلية (الفاشلة) حيال حماس: الاعتقاد بأن الضغط المادي ـ من خلال الحصار مثلا ـ سيحدث تغييرًا أيديولوجيًا. بمعنى أن الوعود بالحوافز الاقتصادية الملموسة ستتغلب على الأحاسيس، المشاعر والمعتقدات.
هذا لم ينجح في غزة، وهذا لن ينجح في الضفة، لأن المال في العلاقات الدولية ليس كل شيء، فلا يوجد أي نموذج في التاريخ وافق فيه شعب يرى نفسه تحت الاحتلال على أن يبيع كرامته لقاء حفنة دولارات، حتى ولو كانت هذه مئات الملايين.
فالمصالح المادية مهمة بل وحيوية، ولكن عندما يطلب من أحد ما، ولا سيما في الشرق الأوسط، أن نضحي من أجلها بالقيم، فإنها تصبح ثانوية. هذا هو السبب الحقيقي لماذا تواصل حماس التحكم بغزة، هذا هو السبب لماذا تواصل إيران الصمود في وجه عقوبات ترامب، وهذا هو السبب لماذا لا يمكن لأبو مازن، حتى لو كان يريد حقًا، أن يستسلم للأمريكيين.
لسنوات طويلة اعتبرت الولايات المتحدة وسيطًا نزيهًا في المنطقة، ظاهرًا على الأقل. رغم أن الرؤساء: كلينتون، وبوش، وأوباما، كانوا قريبين جدًا من إسرائيل، إلا أنهم كانوا يحظون بثقة أساسية بين الفلسطينيين كمن حرصوا على مصالحهم أيضًا. ولكن هذا انتهى، فالإدارة فقدت هذا الأسبوع نهائيًا قدرتها على التوسط في النزاع. والمعنى: عندما نرغب في العودة للحديث مع الفلسطينيين ـ وهذا موضوع وقت حتى لا يتبقى مفر من ذلك ـ فإن هذا سيتعين أن يكون بمساعدة جهة بديلة. مصر، فرنسا، روسيا أو الصين: أنتم اختاروا، فلم يعد هذا يغير في الأمر شيئًا. أي من هذه الدول لن تحرص على إسرائيل مثلما تحرص أمريكا. ولكن أمريكا ترامب، تتخذ صورة من أصبحت عمليًا أمريكا نتنياهو، والخاسر من ذلك في نهاية المطاف هي إسرائيل.
يوآف برونر
يديعوت 13/9/2018