هكذا‭ ‬تفقد‭ ‬إسرائيل‭ ‬المليارات‭ ‬سنويا‭ ‬لصالح‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية

حجم الخط
0

‭ ‬نشرت‭ ‬سلطة‭ ‬النقد‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬الموازية‭ ‬للبنك‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬إسرائيل،‭ ‬مؤخرًا،‭ ‬بحثًا‭ ‬قاس‭ ‬حجم‭ ‬استهلاك‭ ‬السكان‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭  ‬ـ‭  ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭. ‬ويتبين‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬السكان‭ ‬يستهلكون‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬بضائع‭ ‬بمبلغ‭ ‬2‭.‬74‭ ‬مليار‭ ‬شيكل،‭ ‬نقدًا،‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭. 

لا‭ ‬يفيد‭ ‬هذا‭ ‬المعطى‭ ‬إلا‭ ‬بفشل‭ ‬المسوقين‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬الذين‭ ‬أهملوا‭ ‬شريحة‭ ‬السوق‭ ‬المهمة‭ ‬هذه،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬إطلاق‭ ‬نار‭ ‬على‭ ‬ساق‭ ‬السكان‭ ‬العرب‭ ‬أنفسهم،‭ ‬الذين‭ ‬يخرجون‭ ‬مبالغ‭ ‬مالية‭ ‬كبيرة‭ ‬كهذه‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬لديهم،‭ ‬والذي‭ ‬يعاني‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬التمييز‭ ‬ومن‭ ‬الضعف‭ ‬المستديم‭. ‬

ليس‭ ‬سرًا‭ ‬أن‭ ‬مساهمة‭ ‬السكان‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬الوطني‭ ‬الخام‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬عن‭ ‬مستوى‭ ‬10‭ ‬في‭ ‬المئة‭. ‬وينبع‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬مختلفة‭ ‬ومتنوعة،‭ ‬بعضها‭ ‬مؤسساتية،‭ ‬ولكن‭ ‬بعضها‭ ‬محلي‭ ‬ويرتبط‭ ‬بأنماط‭ ‬سلوك‭ ‬هؤلاء‭ ‬السكان‭. ‬فضعف‭ ‬السكان‭ ‬العرب‭ ‬يجد‭ ‬تعبيره‭ ‬ضمن‭ ‬أمور‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬باقتصادهم‭ ‬المحلي‭ ‬وعدم‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬سوق‭ ‬محلية‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬زبائنها‭ ‬وتشكل‭ ‬محركًا‭ ‬للنمو‭. ‬ولكن‭ ‬بذات‭ ‬القدر،‭ ‬يرتبط‭ ‬هذا‭ ‬الضغط‭ ‬بقدر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬بالأسواق‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬السكان‭ ‬العرب‭ ‬هدفًا‭ ‬جديرًا‭ ‬بالانتباه‭. ‬

إن‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬أمامها‭ ‬الأعمال‭ ‬التجارية‭ ‬بملكية‭ ‬العرب‭ ‬كثيرة،‭ ‬ولا‭ ‬تقدم‭ ‬أي‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭ ‬لأصحابها‭. ‬فعنصر‭ ‬الكلفة‭ ‬جانب‭ ‬بارز،‭ ‬ليس‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬يعطي‭ ‬ميزة‭ ‬حيال‭ ‬كلفة‭ ‬المسوقين‭ ‬الذين‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وأساسها‭ ‬القوة‭ ‬البشرية‭ ‬زهيدة‭ ‬الثمن‭ ‬وضرائب‭ ‬صفرية‭. ‬أما‭ ‬الأعمال‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬فتعاني‭ ‬من‭ ‬منافسة‭ ‬محلية‭ ‬شديدة‭ ‬جدًا‭ ‬تهدد‭ ‬بقاءها‭. ‬وتبين‭ ‬نتائج‭ ‬استطلاع‭ ‬الأعمال‭ ‬التجارية‭ ‬بملكية‭ ‬عربية‭ ‬أجرته‭ ‬وزارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬73‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬تطرقت‭ ‬إلى‭ ‬اشتداد‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬الفروع‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بها‭ ‬كعامل‭ ‬يقيد‭ ‬بقدر‭ ‬كبير‭ ‬جدًا‭ ‬نشاطها‭ ‬التجاري‭. 

وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬غرو‭ ‬أنه‭ ‬وفقًا‭ ‬لاستطلاع‭ ‬سلطة‭ ‬النقد‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬فإن‭ ‬العامل‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬خلف‭ ‬قرار‭ ‬الشراء‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬هو‭ ‬السعر‭. ‬فقد‭ ‬أشار‭ ‬نحو‭ ‬50‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬المستطلعين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السعر‭ ‬هو‭ ‬العامل‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬يدفعهم‭ ‬لأن‭ ‬يشتروا‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬السلطة،‭ ‬مقابل‭ ‬نحو‭ ‬3‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬فقط‭ ‬أشاروا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عامل‭ ‬الجودة‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬جعلهم‭ ‬يفضلون‭ ‬السوق‭ ‬الفلسطينية‭ ‬على‭ ‬السوق‭ ‬الإسرائيلية‭. ‬وهنا‭ ‬دور‭ ‬المؤسسة‭ ‬التي‭ ‬فشلت‭ ‬منذ‭ ‬سنين‭ ‬في‭ ‬تشجيع‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬التجارية‭ ‬بكل‭ ‬أشكال‭ ‬الدعم‭. ‬

للمسوق‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬يد‭ ‬في‭ ‬تهريب‭ ‬المشترين‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭. ‬ولا‭ ‬يدور‭ ‬الحديث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬مسوقين‭ ‬لا‭ ‬يريدون‭ ‬الدخول‭ ‬لخدمة‭ ‬السكان‭ ‬العرب‭ ‬بدوافع‭ ‬أيديولوجية؛‭ ‬فلا‭ ‬سبيل‭ ‬إلى‭ ‬إقناع‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬المسوقين‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬السكان‭ ‬العرب‭ ‬كمتساوين‭ ‬بين‭ ‬متساوين،‭ ‬وخسارة‭ ‬جدًا‭ ‬أن‭ ‬هكذا‭. ‬والمقصود‭ ‬هو‭ ‬أولئك‭ ‬المسوقون،‭ ‬وهم‭ ‬كثر،‭ ‬ممن‭ ‬لم‭ ‬يستوعبوا‭ ‬أنماط‭ ‬السلوك‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬وأنماط‭ ‬استهلاكه‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭. ‬فهم‭ ‬ببساطة‭ ‬منقطعون‭ ‬عنه،‭ ‬وليس‭ ‬لهم‭ ‬أي‭ ‬علم‭ ‬بأولئك‭ ‬السكان،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العلم‭ ‬قد‭ ‬نفد‭ ‬مفعوله‭. ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬هو‭ ‬فشل‭ ‬لعقلية‭ ‬التسويق‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬وانتصار‭ ‬للمسوقين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ممن‭ ‬نجحوا‭ ‬في‭ ‬تشخيص‭ ‬شريحة‭ ‬سوق‭ ‬مهمة‭ ‬وجذبها‭ ‬إليهم‭ ‬بسهولة‭ ‬كبيرة‭. 

إن‭ ‬قانون‭ ‬تقليص‭ ‬الاستخدام‭ ‬للمال‭ ‬النقدي،‭ ‬الذي‭ ‬سن‭ ‬مؤخرًا‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬وسيدخل‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬السنة‭ ‬القادمة،‭ ‬يشكل‭ ‬إمكانية‭ ‬كامنة‭ ‬هائلة‭ ‬لنمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬محلي،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬استهلاك‭ ‬السكان‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬السوق‭ ‬المحلية‭ ‬والطبيعية‭ ‬خاصته‭. ‬وفي‭ ‬غياب‭ ‬الرقابة‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬تقيد‭ ‬استخدام‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬السلطة،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬التشريع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ما‭ ‬يمنع‭ ‬استخدام‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬طالما‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬قانون‭ ‬مواز‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬السلطة‭. ‬وبغياب‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬القانون،‭ ‬وفي‭ ‬وقت‭ ‬تكون‭ ‬فيه‭ ‬منظومة‭ ‬علاقات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬مفتوحة‭ ‬بين‭ ‬السكان‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬والسكان‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬فإن‭ ‬السكان‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬منه،‭ ‬سيواصلون‭ ‬اعتبار‭ ‬السوق‭ ‬الفلسطينية‭ ‬مجأ‭ ‬استهلاك‭ ‬زهيد‭ ‬الثمن،‭ ‬وخسارة‭.‬

زياد‭ ‬أبو‭ ‬حبلة

هآرتس‭/‬ذي‭ ‬ماركر‭ ‬13‭/‬9‭/‬2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية