لندن ـ”القدس العربي” ـ إبراهيم درويش
إلى أين يتجه الصراع على الحكومة العراقية؟ يرى رانج علاء الدين الزميل الباحث في معهد بروكينغز بالدوحة أن الفصائل الشيعية ربما تتجه نحن الكارثة. وناقش بمقال نشره موقع “فورين أفيرز” قال فيه إنه بعد تحرير المجتمع الدولي مدينة الموصل وطرد تنظيم الدولة منها أعلنت الحكومة العراقية عن تحقيق الإنتصار، فالحرب التي امتدت على مدار ثلاثة أعوام ضد الإرهابيين الذين سيطروا على مساحات واسعة من البلاد قد انتهت. لكن الإعلان كان متعجلا، فتنظيم الدولة لا يزال خطرا ليس لقدراته على شن حرب عصابات وبراعته بل ولفشل النخبة السياسية العراقية بمعالجة الظروف التي ساعدته في المقام الأول. ففشل النخبة بتوفير الحاجات الأساسية للسكان المتعبين والبائسين ورأب الصدوع السياسية والإجتماعية وبناء إطار وطني مشترك يوحد البلاد قد يؤدي وقريبا إلى حرب أهلية مدمرة جديدة حيث تصارع الفصائل على من سيقود الدولة العراقية.
فبعد انتخابات أيار (مايو) كان من المفترض أن يقلب العراق الصفحة لمرحلة ما بعد تنظيم الدولة وربما مرحلة ما بعد الطائفية يقوم من خلالها القادة السياسيون بمعالجة الفساد المستشري والإستقطاب والعنف وعدم الإستقرار، إلا أن الأمور تزداد سوءا ولا تتحسن في العراق.
وحاول رئيس الوزراء الضعيف حيدر العبادي الذي جاء في المرتبة الثالثة تطبيق سلسلة من الإصلاحات الرمزية التي لم تقنع الشعب العراقي الذي نفذ صبره من إصلاحات لا معنى لها. وتبعت الإنتخابات سلسلة من الإحتجاجات الجماهيرية في جنوب العراق بمن فيها البصرة حيث حرق المتظاهرون المجلس المحلي والقنصلية الإيرانية ومراكز الأحزاب.
وردت الميليشيات التابعة لقوى الأمن بمحاولات قوية لقمع التظاهرات وانتهاكات حقوق إنسان. فالبصرة التي تحتوي على حقول النفط الكبرى ويصدر منها 80% من النفط العراقي وتعود 7 مليارات دولار في الشهر على خزينة الدولة من المفترض أن تكون أغنى المدن العراقية ولكنها من أفقر مدن البلاد، ومثل بقية العراق فالمدينة تفتقر إلى المياه الصحية والكهرباء والوظائف. وفي وضع لا تستطيع فيه الحكومة تخفيف المعاناة وتفتقد الشرعية في عيون المواطنين فإن هذا يخلق وضعا خطيرا. فالعراق هو البلد الذي يحمل كل ملامح نزاع ينتكس لفترة بدلا من أن يفتح صفحة جديدة ليجد نفسه مرة أخرى أمام حرب أهلية أخرى.
بالإضافة للإستقطاب السياسي والإجتماعي يعاني العراق من تراكم في السلاح
وبالإضافة للإستقطاب السياسي والإجتماعي يعاني العراق من تراكم في السلاح ومنظمات عسكرية وغياب في مؤسسات حكومية فاعلة وسلطات متعددة بديلة يمكن أن تحل محل الدولة العراقية. وهناك العديد من المناطق التي تقع خارج سيطرة وتأثير الحكومة خاصة المناطق ذات الغالبية الشيعية في الجنوب حيث تتقاسم الأحزاب السياسية والقبائل والمرجعيات الدينية السلطة . ومع أن النزاعات التي شهدها العراق منذ عام 2003 كانت بين السنة والشيعة إلا أن الوجه القادم من الحرب سيكون على أكثر احتمال بين الفصائل الغنية والمسلحة والتي تتسيد الحكومة العراقية. ويرى الكاتب أن صعود تنظيم الدولة عام 2014 كان يعني أنه ملأ الفراغ السياسي والأيديولوجي الذي لا يزال قائما حتى اليوم. وساعد في ظهوره أنه استغل مشاعر التهميش بين السنة العراقيين والسخط من الفساد وعجز الحكومة في بغداد. ورغم استمرار وجود هذه المشاعر إلا أن العرب السنة لن يتحركوا في المستقبل المنظور، فهم يعانون من الصدمة والجراح والتعب نتيجة الحروب المتعددة ضد الأعداء الداخليين بمن فيهم القاعدة وتنظيم الدولة والقبائل وضد الأعداء الخارجيين بمن فيهم الولايات المتحدة والجيش ذي الغالبية الشيعية والميليشيات الشيعية.وبدلا من ذلك فستكون الحرب المقبلة بين الفصائل الإسلامية الشيعية المتنافسة.
وتسيطر هذه الميليشيات على الحكومة والجيش وانتشرت فيهما واندمجت ولدى بعضها قوة أكثر من قوة الحكومة التي انهارت عام 2014 أمام مقاتلي تنظيم الدولة. ولا تتبع الميليشيات أوامر الحكومة لكنها منغرسة في مؤسساتها وتستفيد من مصادرها وتستغلها. فمنظمة بدر الميليشيا الأقدم التي شكلت في ثمانينات القرن الماضي في إيران، تسيطر على الشرطة الفدرالية وبيدها وزارة الداخلية منذ عام 2003. وبعد سقوط صدام حسين خاضت بدر معارك دموية مع اتباع مقتدى الصدر وجيشه المهدي.
ولا يملك حزب الدعوة الذي ينتمي إليه العبادي ميليشيا خاصة به ولكنه استغل سيطرته على الجيش لقمع الميليشيات المنافسة له. وسبقت الخلافات الشيعية- الشيعية الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 لكنها زادت بعد الغزو لدرجة أنها اقتضت أحيانا وساطات خارجية ومن مرجعيات مثل آية الله علي السيستاني حل الخلاف. وظل الخلاف الشيعي- الشيعي مكتوما نظرا للتحديات الأخرى التي برزت أولا من تنظيم القاعدة ومن ثم تنظيم الدولة الإسلامية. ورغم وجود هذه التهديدات في الخلفية إلا أنها ليست محتومة أو وجودية كما كانت في الماضي. ومن هنا فالتنافس على مصادر الدولة بما في ذلك الرهانات العالية والجهود لتشكيل الحكومة التي تحدد حظ كل طبقة سياسية من الحكم تتحول إلى معركة رابح أو خاسر. وعلى خلاف الماضي فلا يمكن للطبقة السياسية تقسيم الدولة فيما بينها ومنح وعودة فارغة للمحرومين والساخطين من الشعب. فالمطالب الشعبية للإصلاح باتت ملحة وكبيرة لدرجة تدخلت فيها المرجعية الدينية وحثت الحكومة على تنفيذ الإصلاح. والخطر هو في قيام فصيل بعسكرة خزينة الحكومة واستغلال الإصلاح في السنوات القادمة بطريقة تحرف النزاعات السياسية المحتملة لصالح جماعة معينة.
ويقول علاء الدين أن المشهد السياسي العراقي قد تغير بشكل كبير منذ عام 2003، فمئة ألف مقاتل تحت مظلة الحشد الشعبي يتبعون للحكومة من الناحية النظرية لكنهم عمليات يأتمرون بإمرة جماعة متحالفة مع إيران ذات سمعة باستخدام العنف حالة واجهت الجيش العراقي.
وقد أصبحت هذه الجماعات في صعود مستمر بطريقة قد تهيمن على القوات العراقية النظامية. وزاد التوتر بين العبادي وهادي العامري الذي قيل أنه هدد بريت ماكغيرك، المبعوث الأمريكي لدول التحالف بالإطاحة بأي حكومة تشكل نتيجة للتدخل الأمريكي.ووسط هذه التهديدات تم قصف السفارة الأمريكية في بغداد بقذائف هاون وكذا القنصلية الأمريكية في البصرة.
وحذر الحشد الشعبي الجيش العراقي من التدخل في السياسة الإنقسامية تغرق فيها البلاد. ومن المؤكد خسارة الجيش العراقي أية مواجهة مع الحشد الشعبي التي تم دمجها تحت راية الحكومة والتي لم تعد مجرد مجموعة من المقاتلين المهلهلين. وتغير الحشد نحو تشكيل سياسي ذا مصداقية وشارك ممثليه في الإنتخابات وحصلت كتلتهم على المرتبة الثانية وهزموا مرشحين لديهم خبرة طويلة في العمل السياسي. والحشد الشعبي ليس قويا من الناحية العسكرية وانضباط جنوده من الجيش العراقي بل ويتمتع بشرعية ودعم من السكان بسبب مشاركة افراده في العمليات ضد تنظيم الدولة.
ومن هنا فالظروف البنيوية في العراق تجعل من فرصة تحول النزاعات السياسية والمظالم الطويلة إلى نزاع أهلي. فالتظاهرات في البصرة قد تؤدي إلى نزاع جديد بين الجماعات التي استغلت واستفادت من الدولة العراقية منذ عام 2003. ويرى الكاتب أن العراق لديه فرصة للسلام وهو يرى أن المرجعية السيستاني يملك مفاتيح الحل، فقد ساعدت بياناته وفتاواه منذ عام 2003 على احتواء النزاع بين الشيعة. وفي عام 2014 أجبر نوري المالكي على الخروج من السلطة بعد هزيمة الجيش العراقي وسقوط الموصل بيد الجهاديين. وأدى ذلك لبروز العبادي وتعبئة المتطوعين في الحرب ضدهم. ودعا في النزاع الأخير العبادي على التنحي من السلطة. ويقول علاء الدين أن تجاهل العبادي مطالب السيستاني قد تؤدي لتوحيد الرأي العام ضده. ولكن الإصلاحات والمصالحة والحل تحتاج إلى جهود مستمرة لمنع النزاع وحرب أهلية جديدة.