بغداد ـ «القدس العربي»: مرة أخرى أثبتت المرجعية الشيعية العليا في النجف، قدرتها على التأثير في المشهد السياسي العراقي رغم محاولات الأحزاب والقوى الشيعية وقوى إقليمية أخرى، استخدام توجيهاتها بطريقة انتقائية بما يخدم مصالحها وأبرزها الهيمنة على السلطة.
وفي خضم تصاعد الصراع الشرس بين القيادات الشيعية على تشكيل الحكومة الجديدة المرتقبة ورئاستها، وضعت المرجعية الشيعية العليا ممثلة بالسيد علي السيستاني، خطا أحمر أمام شخصيات كانت تتصارع لنيل منصب رئيس الوزراء الذي يعد أهم وأقوى منصب في عراق ما بعد 2003. حيث منعت المرجعية، قيادات بارزة، أغلبها من حزب الدعوة، من تولي هذا المنصب ومنهم حيدر العبادي ونوري المالكي وفالح الفياض وهادي العامري زعيم منظمة بدر، وذلك من خلال تحديد مواصفات الشخصيات الجديدة المناسبة لمنصب رئيس الوزراء، منهية نزاعا شرسا على المناصب كاد يصل إلى حد الصدام المسلح. وقد انقذت توجيهات المرجعية البيت الشيعي المهيمن على السلطة في العراق منذ 2003 من مخاطر الانقسام المتنامي، من خلال ابعاد قيادات متمسكة بالسلطة رغم تهم الفشل والفساد، وتحديد مواصفات الشخصيات الجديدة المناسبة لمنصب رئيس الوزراء، وسط توجه شعبي لاستبعاد قيادات حزب الدعوة من رئاسة الوزراء بعد أربع تجارب فاشلة في قيادة الحكومات.
وكانت مرجعية السيستاني، أشارت قبل أيام إلى عدم تأييد من كان في السلطة في السنوات الأخيرة لمنصب رئيس الوزراء نتيجة لفشلهم، مؤكدا على ضرورة توفر معايير الكفاءة والنزاهة والشجاعة والحزم في من يتولى هذا المنصب.
وقد أثار البيان المنسوب إلى السيد السيستاني بهذا الشأن، لغطا وخلافات بين القيادات الشيعية التي استفادت أو تضررت من البيان. فقد أشار نائب رئيس الوزراء السابق بهاء الأعرجي، إلى وجود خلافات داخل المرجعية الشيعية حول البيان المنسوب إليها بخصوص ترشيح رئيس الوزراء والتشكيلة الحكومية، مبينا ان البيان ليس صادرا عن المرجعية. فيما اعتبر سياسيون شيعة ان توجيه المرجعية شكل ضربة لرغبة أمريكية بالإبقاء على العبادي لولاية ثانية.
وفي كل الاحوال فان توجيهات مرجعية النجف كانت حاضرة في آخر اجتماع بخصوص تشكيل الحكومة الجديدة، عقده السيد مقتدى الصدر وزعيم كتلة الفتح هادي العامري في النجف قبيل انعقاد جلسة البرلمان في 15 أيلول/سبتمبر الجاري، جرى خلاله الاتفاق على التمسك بتوجيهات مرجعية النجف حول مواصفات رئيس الوزراء وضرورة اختيار رئيس حكومة من غير السياسيين الموجودين حاليا الذين فقد الشعب الثقة بهم، مع الاسراع في تسمية الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة الجديدة، ضمن فترة التوقيتات الدستورية. ويذكر ان تحالف سائرون الذي يدعمه الصدر سيحسم مشكلة تشكيل الكتلة الأكبر لصالحه إذا انضمت إليها كتلة الفتح التي يرأسها العامري.
ومن جهة أخرى، برز دور مرجعية النجف بعد أزمة التظاهرات الأخيرة في البصرة، حيث انتقدت الحكومة وطالبتها بالاستجابة لمطالب المتظاهرين المشروعة، كما أرسلت ممثلها السيد احمد الصافي إلى البصرة للإشراف على الإجراءات الحكومية وتقديم العون لحل مشاكل المحافظة وحث الحكومة على التحرك السريع للاستجابة لمعاناة المواطنين.
ومنذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 أصبح للمرجعية الشيعية العليا وخاصة آية الله السيد علي السيستاني، دورا حيويا في توجيه دفة سفينة السلطة، إضافة إلى دور العوامل الداخلية والخارجية الأخرى. وكانت الشخصيات الشيعية والدولية تتوجه إلى النجف للاستئناس برأيها في العديد من القضايا السياسية وللحصول على مباركتها في تولي المناصب والمسؤوليات. علما بان المرجعية في السنوات الأخيرة، امتنعت عن استقبال الكثير من السياسيين الشيعة لمنع استغلال تلك المقابلات لتحقيق مكاسب شخصية تتعارض مع مصلحة الشعب، وللتعبير عن عدم رضا المرجعية عن الأداء الفاشل والفساد لمعظم تلك الشخصيات.
ونظرا للمكانة الروحية والتأثير السياسي للمرجعية لدى جمهور الشيعة في العراق، فان الأحزاب والسياسيين الشيعة، أجادوا استغلال تلك المكانة لتحقيق مصالحهم من خلال أسلوب الانتقائية في اعتماد الفتاوى والتوجيهات لكسب القاعدة الشيعية، وذلك من أجل تعزيز مواقف تلك الأحزاب والقوى وخاصة خلال الانتخابات وتشكيل الحكومات، أو عند الحاجة إلى تعبئة الجمهور وانزاله إلى الشارع لتحقيق بعض الأهداف مثل فتوى المرجعية بتشكيل الحشد الشعبي عام 2014 لإسناد القوات المسلحة ضد تنظيم «داعش» والذي استغلته الميليشيات للحصول على الغطاء الشرعي إضافة إلى الدعم المالي والتسليح من الحكومة، لذا فان تلك الأحزاب تدرك انها تبقى في حاجة إلى توجيهات المرجعية لإنقاذها من الأزمات الحادة كما حصل في الخلافات الحالية حول تشكيل الحكومة.