المثقف‭ ‬العربي‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭… ‬بين‭ ‬الاضطهاد‭ ‬والتدجين

■‭ ‬دائماً‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬التساؤل‭ ‬عن‭ ‬المثقف‭ ‬ومدى‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بمجتمعه،‭ ‬ومدى‭ ‬تفعيل‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭ ‬إزاء‭ ‬قضايا‭ ‬بلاده‭ ‬أو‭ ‬العالم،‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أنه‭ ‬دائماً‭ ‬العين‭ ‬التي‭ ‬تحرص‭ ‬وتحاول‭ ‬تصحيح‭ ‬المسار‭ ‬حينما‭ ‬يحيد‭ ‬عن‭ ‬الطريق،‭ ‬خاصة‭ ‬أنه‭ ‬كلما‭ ‬كان‭ ‬الواقع‭ ‬السياسي‭ ‬ناضجا‭ ‬كان‭ ‬الفعل‭ ‬الثقافي‭ ‬أكثر‭ ‬نضوجا‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح‭. ‬وفي‭ ‬ما‭ ‬يخص‭ ‬واقعنا‭ ‬العربي‭ ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الدور،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬واقع‭ ‬مزر؟‭ ‬هنا‭ ‬استعراض‭ ‬لآراء‭ ‬بعض‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب‭..‬

الثقافة‭ ‬وغياب‭ ‬المشروع

يرى‭ ‬الناقد‭ ‬العراقي‭ ‬زهير‭ ‬الجبوري‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أو‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬أي‭ ‬قرار‭ ‬للمثقف‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مساره‭ ‬أو‭ ‬مسار‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬بكل‭ ‬أبعاده‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والاستراتيجية‭. ‬ويعطي‭ ‬مثالا‭ ‬عن‭ ‬العراق‭ ‬فيقول‭: ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬رجل‭ ‬السياسة‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يخطط‭ ‬لمصير‭ ‬البلد‭ ‬تكون‭ ‬جميع‭ ‬الجهات‭ ‬مجرد‭ ‬توابع،‭ ‬والثقافة‭ ‬بكل‭ ‬شعاراتها‭ ‬وبكل‭ ‬ما‭ ‬تحتويه‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬جمالية،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لها‭ ‬ان‭ ‬تقدم‭ ‬مشروعها‭ ‬لوحدها،‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بعدم‭ ‬توفر‭ ‬اللوازم‭ ‬الكافية‭ ‬للسير‭ ‬قدما‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيقه،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬إبداء‭ ‬الرأي‭ ‬بحرية‭ ‬السؤال‭ ‬الكبير‭ ‬للواقع‭ ‬المضطرب،‭ ‬الذي‭ ‬يمر‭ ‬به‭ ‬الجميع‭. ‬ويضيف،‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحققه‭ ‬الثقافة‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬قراءة‭ ‬ذهنية‭ ‬لمخطط‭ (‬يوتيوبي‭) ‬وهذا‭ ‬الجانب‭ ‬له‭ ‬ثوابته‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتزعزع،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬السياسة‭ ‬فن‭ ‬المكر‭ ‬والخداع،‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬صراع‭ ‬أفكار‭ ‬تتضارب‭ ‬وتتفق‭ ‬وتتمرد‭ ‬حسب‭ ‬المزاج‭ ‬العالي‭ ‬والنوايا‭ ‬السليمة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬السليمة‭. ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬يؤكد‭ ‬الجبوري‭ ‬أن‭ ‬المثقف‭ ‬بعيد‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬تحديد‭ ‬المصير‭ ‬له‭ ‬ولمن‭ ‬حوله‭. ‬فلا‭ ‬صوت‭ ‬للمثقف‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سياسة‭ ‬غير‭ ‬مدروسة،‭ ‬أو‭ ‬سياسة‭ ‬لها‭ ‬بعدها‭ ‬الطائفي،‭ ‬فالمثقف‭ ‬يعبر‭ ‬كل‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬ويؤسس‭ ‬عالمه‭ ‬الذي‭ ‬يراه‭ ‬مثاليا،‭ ‬لذا‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬رؤيته‭ ‬وكأنه‭ ‬يرقص‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬فوق‭ ‬الغيوم‭.‬

المشكلة‭ ‬وعقدتها

ويضع‭ ‬الروائي‭ ‬المصري‭ ‬محمود‭ ‬قنديل‭ ‬أسئلة‭ ‬قبل‭ ‬الإجابة،‭ ‬فيقول‭ ‬إنه‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬تبدو‭ ‬المشكلة‭ ‬معقدة‭ ‬للغاية،‭ ‬فلنا‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭ – ‬أولا‭ – ‬من‭ ‬هو‭ ‬المثقف؟‭ ‬فإذا‭ ‬اتفقنا‭ ‬بأنه‭ ‬الشخص‭ ‬المطلع‭ ‬على‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المعارف‭ ‬والذي‭ ‬يملك‭ ‬رأيا‭ ‬ورؤى‭ ‬تجاه‭ ‬قضايا‭ ‬وطنه،‭ ‬أمكننا‭ ‬أن‭ ‬نتكلم‭ ‬عن‭ ‬علاقته‭ ‬ببلده‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬علاقته‭ ‬بالسلطة‭ ‬الحاكمة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬الثالث،‭ ‬وعليه‭ ‬هل‭ ‬يمكنه‭ ‬تقديم‭ ‬رؤيته‭ ‬بحرية‭ ‬وموضوعية؟‭ ‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬المناخ‭ ‬السائد‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬بتعددية‭ ‬الرأي‭ ‬ليبقى‭ ‬الفكر‭ ‬الأوتوقراطي‭ ‬هو‭ ‬المسيطر،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬يتراجع‭ ‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬ويتقهقر‭ ‬وينكمش‭. ‬ويعتقد‭ ‬قنديل‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬أتيح‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يتحدث‭ ‬فإن‭ ‬صوته‭ ‬لا‭ ‬يسمع،‭ ‬ورؤاه‭ ‬لا‭ ‬توضع‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬ولا‭ ‬يؤخذ‭ ‬بها‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬ينبغي‭ ‬للمثقف‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يتشاءم،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭  ‬ينبغي‭ ‬عدم‭ ‬تحريضه‭ ‬على‭ ‬الصدام‭ ‬أو‭ ‬التصادم،‭ ‬ولكن‭ ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يستثمر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬متاح‭ ‬من‭ ‬هوامش‭ ‬الحرية،‭ ‬ليقدم‭ ‬أطروحاته‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬قضايا‭ ‬وطنه،‭ ‬مراعيا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تعددية‭ ‬الأطياف‭ ‬والأيديولوجيات،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬منحازا‭ ‬لتوجه‭ ‬دون‭ ‬آخر،‭ ‬أو‭ ‬لطيف‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الآخرين،‭ ‬فالفكر‭ ‬المسموع‭ ‬دوما‭ ‬والقابل‭ ‬للتحقيق‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬هو‭ ‬الفكر‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬على‭ ‬مسافة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬كافة‭ ‬المعتقدات،‭ ‬ويعلي‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬الصالح‭ ‬العام‭ ‬ولا‭ ‬يؤطر‭ ‬لمصالح‭ ‬شخصية‭ ‬أو‭ ‬مصالح‭ ‬فئة‭ ‬بعينها‭. ‬فالأمل‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬قائما،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬من‭ ‬ضبابية‭ ‬المشهد‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬أقطارنا‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬توحد‭ ‬المثقفين‭ ‬والشرفاء‭ ‬على‭ ‬استراتيجية‭ ‬تضع‭ ‬نصب‭ ‬أعينها‭ ‬مصالح‭ ‬البلاد‭ ‬العليا‭. ‬فدور‭ ‬المثقف‭ ‬يبقى‭ ‬حاضرا‭ ‬رغم‭ ‬غيابه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحوال،‭ ‬ويظل‭ ‬طليعة‭ ‬أي‭ ‬إصلاح‭ ‬مقبل،‭ ‬وسببا‭ ‬مباشرا‭ ‬في‭ ‬النهوض‭ ‬بالأوطان،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬البعض‭ ‬يرى‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأوضاع‭ ‬الراهنة،‭ ‬فإني‭ ‬لا‭ ‬أوافق‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬مطلقا،‭ ‬فمازالت‭ ‬الثقافة‭ ‬وستظل‭ ‬هي‭ ‬المرجعية‭ ‬الرئيسة‭ ‬لأي‭ ‬إصلاح‭ ‬حقيقي‭ ‬كامل‭ ‬وشامل‭. ‬

تاريخ‭ ‬الاضطهاد

الروائي‭ ‬والشاعر‭ ‬الجزائري‭ ‬رفيق‭ ‬طيبي‭ ‬يقول،‭ ‬إنه‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬سياق‭ ‬عربي‭ ‬معقد،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬تدهور‭ ‬كبير‭ ‬شمل‭ ‬الثقافة‭ ‬والسياسة،‭ ‬والمجتمع‭ ‬وكل‭ ‬المفردات‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬بناء‭ ‬دول‭ ‬قوية‭ ‬متكاملة،‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬مضطرين‭ ‬لإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المسلمات‭. ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬راهنت‭ ‬عليها‭ ‬الشعوب‭ ‬منذ‭ ‬القدم،‭ ‬والمثقف‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬قوة‭ ‬استشارية‭ ‬يعوّل‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬تصويب‭ ‬وتوضيح‭ ‬الرؤى،‭ ‬صارا‭ ‬يواجهان‭ ‬الفراغ‭. ‬وهو‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬صوت‭ ‬المثقف‭ ‬أصبح‭ ‬عجلة‭ ‬احتياط‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬معولم‭ ‬أملنا‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬تصير‭ ‬الكلمة‭ ‬الخلاقة‭ ‬أسرع‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مواطن‭ ‬الحاجة،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬رسمته‭ ‬الثقافة‭ ‬وجعلت‭ ‬الجمهورية‭ ‬الفاضلة‭ ‬ممكنة‭ ‬نظريا‭. ‬ويرى‭ ‬طيبي‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬تغييب‭ ‬لصوت‭ ‬المثقف،‭ ‬هو‭ ‬امتداد‭ ‬لأعطاب‭ ‬كثيرة،‭ ‬أصابت‭ ‬السياسة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬رهن‭ ‬علل‭ ‬هذه‭ ‬الأعطاب‭ ‬في‭ ‬أسباب‭ ‬آنية،‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬معالجة‭ ‬المسائل‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬السياق‭ ‬التاريخي‭ ‬الذي‭ ‬نشأت‭ ‬فيه‭. ‬ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العربي‭ ‬اليوم‭ ‬مثقل‭ ‬بتاريخ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الاضطهاد‭ ‬والتدجين‭ ‬والتخريب‭ ‬الممنهج‭ ‬للعقل‭ ‬الجمعي،‭ ‬لهذا‭ ‬راهننا‭ ‬حرج،‭ ‬وستظل‭ ‬كل‭ ‬محاولات‭ ‬الإصلاح‭ ‬غير‭ ‬مجدية،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مشمولة‭ ‬بدراسة‭ ‬عميقة‭ ‬لبنية‭ ‬الإنسان‭ ‬وسبل‭ ‬بناء‭ ‬إنسان‭ ‬جديد‭ ‬غير‭ ‬خاضع‭ ‬لأي‭ ‬قوى‭ ‬لا‭ ‬تحتكم‭ ‬إلى‭ ‬العقل‭. ‬ويعتقد‭ ‬طيبي‭ ‬أن‭ ‬سياسي‭ ‬اليوم‭ ‬مخرب‭ ‬داخليا،‭ ‬كبحه‭ ‬للثقافة‭ ‬ليس‭ ‬وليد‭ ‬مشروع‭ ‬استبدادي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬امتداد‭ ‬لفراغ‭ ‬داخلي‭ ‬فظيع‭. ‬ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشعوب‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬رهينة‭ ‬شعوذة‭ ‬إعلامية‭ ‬وسياسية‭ ‬مردها‭ ‬تغييب‭ ‬النخب‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬ملاذا‭ ‬في‭ ‬الهجرة‭ ‬صوب‭ ‬الغرب،‭ ‬أو‭ ‬الصمت،‭ ‬المثقف‭ ‬دوره‭ ‬بناء‭ ‬وعي‭ ‬بالحياة،‭ ‬المواطنة،‭ ‬الحقوق‭ ‬والواجبات،‭ ‬ونقد‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬النقد،‭ ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬تغوّل‭ ‬بفساده‭ ‬وصار‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يحكم‭ ‬برؤى‭ ‬مفلسة‭ ‬لا‭ ‬يرتاح‭ ‬لما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬صوت‭ ‬النقد‭ ‬الذي‭ ‬يدعوه‭ ‬إلى‭ ‬التجدد،‭ ‬ما‭ ‬جعله‭ ‬يجتهد‭ ‬لإبقاء‭ ‬تلك‭ ‬الأصوات‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬ضيق‭ ‬جدا‭.‬

الاستقرار‭ ‬السياسي

الباحثة‭ ‬الأردنية‭ ‬حسنية‭ ‬حويج‭ ‬ترى‭ ‬إن‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬عامل‭ ‬أساس‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬صرح‭ ‬الثقافة‭ ‬والواقع‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬يؤكد‭ ‬ذلك‭ ‬حيث‭ ‬النهضة‭ ‬الثقافية‭ ‬بكافة‭ ‬أشكالها‭ ‬إنما‭ ‬نمت‭ ‬وترعرعت‭ ‬حيث‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭. ‬

وتعطي‭ ‬مثالا‭ ‬على‭ ‬واقعنا‭ ‬عبر‭ ‬تاريخ‭ ‬الوجود‭ ‬الإسلامي‭ ‬نجد‭ ‬الفترات‭ ‬الذهبية‭ ‬للنهضة‭ ‬الثقافية‭ ‬قد‭ ‬بلغــــت‭ ‬أوجـــها‭ ‬واتسعت‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الثالث‭ ‬إلى‭ ‬السابع‭ ‬الهجري،‭ ‬وما‭ ‬ذاك‭ ‬إلا‭ ‬بسبب‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬شكل‭ ‬الحكم‭ ‬وماهيته‭. ‬ولو‭ ‬استعرضنا‭ ‬حواضر‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬إلى‭ ‬الأندلس،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الترابط‭ ‬وثيق‭ ‬بين‭ ‬النهضة‭ ‬الثقافية‭ ‬بمفهومها‭ ‬الواسع‭ ‬وبين‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬ثم‭ ‬التراجع‭ ‬الواضح‭ ‬للثقافة‭ ‬في‭ ‬عصور‭ ‬الفوضى‭ ‬السياسية‭.‬

عزلة‭ ‬المثقف

أما‭ ‬الشاعرة‭ ‬العراقية‭ ‬علياء‭ ‬المالكي‭ ‬فتقول‭: ‬إنه‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬تسوده‭ ‬مظاهر‭ ‬وقيم‭ ‬رجعية‭ ‬يجلس‭ ‬المثقف‭ ‬في‭ ‬ركن‭ ‬ضيق‭ ‬محاولا‭ ‬كسر‭ ‬القيود‭ ‬التي‭ ‬تكبلها‭ ‬تلك‭ ‬الأفكار‭ ‬وهي‭ ‬تصوت‭ ‬لمن‭ ‬يمثلها‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬ينشدها‭ ‬المثقف،‭ ‬الذي‭ ‬يفكر‭ ‬بقلب‭ ‬طاولة‭ ‬التخلف‭ ‬المتمثل‭ ‬بانتخاب‭ ‬الفاسد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مصالح‭ ‬شخصية،‭ ‬أو‭ ‬التصويت‭ ‬حسب‭ ‬المذهب‭ ‬والطائفة،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتبلور‭ ‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬ويتحرك‭ ‬نحو‭ ‬هموم‭ ‬المواطن،‭ ‬مادام‭ ‬أنه‭ ‬يقبع‭ ‬في‭ ‬عزلته‭ ‬أمام‭ ‬نظرة‭ ‬المواطن‭ ‬ودهشته‭ ‬بسيرياليته‭. ‬وتعتقد‭ ‬علياء‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فجوة‭ ‬كبيرة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬نهضة‭ ‬فكرية‭ ‬وتربوية‭ ‬كي‭ ‬يتمكن‭ ‬المواطن‭ ‬العادي‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬مجريات‭ ‬الأحداث‭ ‬وأهمية‭ ‬بث‭ ‬الوعي‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬القضية‭ ‬كي‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬السير‭ ‬خلفها‭ ‬لا‭ ‬بالاتجاه‭ ‬المعاكس‭.‬

٭‭ ‬روائي‭ ‬عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية