فيلم‭ ‬‮«‬واجب‮»‬‭ ‬للمخرجة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬آن‭ ‬ماري‭ ‬جاسر‭ :‬سردية‭ ‬بصرية‭ ‬تحتفي‭ ‬بالمنحى‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وصراع‭ ‬الأجيال

عدنان‭ ‬حسين‭ ‬أحمد‭
حجم الخط
0

ينطلق‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬واجب‮»‬‭ ‬للمخرجة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬آن‭ ‬ماري‭ ‬جاسر‭ ‬من‭ ‬تقليد‭ ‬اجتماعي‭ ‬يعرفه‭ ‬سكّان‭ ‬مدينة‭ ‬الناصرة‭ ‬تحديدًا‭ ‬وبقية‭ ‬المدن‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬مفاده‭ ‬إيصال‭ ‬دعوات‭ ‬الزفاف‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬الأقرباء‭ ‬والأصدقاء‭ ‬والمعارف‭ ‬وتسليمها‭ ‬باليد،‭ ‬كما‭ ‬تقتضي‭ ‬الأعراف‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المتّبعة‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد‭. ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬اجتماعي‭ ‬بامتياز‭ ‬فلا‭ ‬غرابة‭ ‬أن‭ ‬تتسيّد‭ ‬القصة‭ ‬السينمائية،‭ ‬ويطغى‭ ‬الحوار‭ ‬الذي‭ ‬يبدأ‭ ‬هادئًا‭ ‬ومرحًا‭ ‬ومطعّمًا‭ ‬بلمسات‭ ‬فكاهية‭ ‬ساخرة،‭ ‬تجعل‭ ‬إيقاع‭ ‬الفيلم‭ ‬سلسًا‭ ‬عفويًا‭ ‬ومنسابًا،‭ ‬ليكشف‭ ‬في‭ ‬خاتمة‭ ‬المطاف‭ ‬عن‭ ‬الأداء‭ ‬المُبهر‭ ‬للشخصيتين‭ ‬الرئيسيتين‭ ‬اللتين‭ ‬تقاسمتا‭ ‬البطولة،‭ ‬وكأنّ‭ ‬الابن‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬مغتربه‭ ‬الإيطالي‭ ‬ندّ‭ ‬لأبيه‭ ‬المتشبت‭ ‬بمدينته‭ ‬التي‭ ‬يراها‭ ‬أجمل‭ ‬مدينة‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬

لا‭ ‬تستغني‭ ‬الأفلام‭ ‬الروائية‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الحدّوتة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬القصة،‭ ‬إن‭ ‬شئتم،‭ ‬فهي‭ ‬أشبه‭ ‬بالنسغ‭ ‬الصاعد‭ ‬من‭ ‬جذور‭ ‬الشجرة‭ ‬إلى‭ ‬جذعها‭ ‬وكل‭ ‬أغصانها‭ ‬المتفرّعة‭. ‬فما‭ ‬هي‭ ‬قصة‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬الدرامي‭ ‬الذي‭ ‬يستمد‭ ‬مادته‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬الأجيال،‭ ‬وعلاقة‭ ‬الابن‭ ‬بأبيه،‭ ‬وبوحهما‭ ‬التدريجي‭ ‬الذي‭ ‬يحرّك‭ ‬رواسب‭ ‬الماضي،‭ ‬ويثير‭ ‬الهموم‭ ‬والأشجان‭ ‬الراهنة،‭ ‬ولا‭ ‬يجد‭ ‬حرجًا‭ ‬في‭ ‬القفز‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب‭ ‬في‭ ‬أقل‭ ‬تقدير‭.‬

يعتمد‭ ‬جوهر‭ ‬القصة‭ ‬الرئيسة‭ ‬على‭ ‬عائلة‭ ‬فلسطينية‭ ‬صغيرة‭ ‬تتألف‭ ‬من‭ ‬الأب‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬شادي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬جسّد‭ ‬دوره‭ ‬بإتقانٍ‭ ‬شديد‭ ‬الفنان‭ ‬محمد‭ ‬بكري،‭ ‬والابن‭ ‬‮«‬شادي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أدّى‭ ‬دوره‭ ‬الفنان‭ ‬صالح‭ ‬بكري،‭ ‬وشقيقته‭ ‬‮«‬أمل‮»‬‭ ‬التي‭ ‬لعبت‭ ‬دورها‭ ‬الممثلة‭ ‬ماريا‭ ‬زريق‭ ‬وأجادت‭ ‬فيه‭. ‬أما‭ ‬الأم‭ ‬داليا‭ ‬صلصال‭ ‬فقد‭ ‬هربت‭ ‬مع‭ ‬عشيق‭ ‬لها‭ ‬واستقر‭ ‬بها‭ ‬المقام‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬تاركة‭ ‬زوجها‭ ‬وعائلتها‭ ‬نهبًا‭ ‬للتشظّي‭ ‬والعزلة‭ ‬الفردية،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تضجُّ‭ ‬بها‭ ‬مدينة‭ ‬الناصرة‭. ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬هذه‭ ‬العائلة‭ ‬الصغيرة‭ ‬هو‭ ‬توزيع‭ ‬دعوات‭ ‬الزفاف،‭ ‬التي‭ ‬استدعت‭ ‬المهندس‭ ‬شادي‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬من‭ ‬منفاه‭ ‬الأوروبي‭ ‬تاركًا‭ ‬هناك‭ ‬عمله،‭ ‬وحبيبته‭ ‬ندى‭ ‬لكي‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تأدية‭ ‬هذا‭ ‬الواجب‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬مفرّ‭ ‬منه‭. ‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬شخصيات‭ ‬الفيلم‭ ‬الرئيسة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إدراج‭ ‬الناصرة،‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تحضر‭ ‬كخلفية‭ ‬لقصة‭ ‬الفيلم،‭ ‬وإنما‭ ‬كشخصية‭ ‬أساسية‭ ‬ببيوتها‭ ‬وأرصفتها‭ ‬وشوارعها‭ ‬وأزقتها‭ ‬الضيقة

فيلم‭ ‬طريق

يمكن‭ ‬تصنيف‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬واجب‮»‬‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬أفلام‭ ‬الطريق‭ ‬الداخلية،‭ ‬وليس‭ ‬الخارجية،‭ ‬كما‭ ‬جرت‭ ‬العادة،‭ ‬فالأب‭ ‬والابن‭ ‬يطوفان‭ ‬طوال‭ ‬نهار‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬مدينة‭ ‬الناصرة‭ ‬كي‭ ‬يسلّما‭ ‬باليد‭ ‬340‭ ‬بطاقة‭ ‬دعوة،‭ ‬وقد‭ ‬اكتفت‭ ‬المخرجة‭ ‬وكاتبة‭ ‬السيناريو‭ ‬آن‭ ‬ماري‭ ‬جاسر‭ ‬بخمسة‭ ‬عشر‭ ‬مشهدًا‭ ‬جسّدت‭ ‬فيها‭ ‬فكرة‭ ‬الفيلم‭ ‬برمته،‭ ‬أما‭ ‬بقية‭ ‬المَشاهد‭ ‬فقد‭ ‬توزعت‭ ‬على‭ ‬الحلقة‭ ‬الضيقة‭ ‬لأفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬وأقاربها‭ ‬وبعض‭ ‬الأصدقاء‭ ‬الحميمين،‭ ‬ومنها‭ ‬مشهد‭ ‬تجريب‭ ‬فساتين‭ ‬الزفاف‭ ‬على‭ ‬جسد‭ ‬العروسة،‭ ‬والحوارات‭ ‬المنفعلة‭ ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬تتصاعد‭ ‬بين‭ ‬الأبن‭ ‬وأبيه،‭ ‬ولقاءات‭ ‬شادي‭ ‬مع‭ ‬الفتيات‭ ‬الطامعات‭ ‬بزواجه،‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬مشاهِد‭ ‬تؤثث‭ ‬متن‭ ‬القصة‭ ‬السردي‭ ‬والبصري‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬شخصيات‭ ‬الفيلم‭ ‬الرئيسة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إدراج‭ ‬الناصرة،‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تحضر‭ ‬كخلفية‭ ‬لقصة‭ ‬الفيلم،‭ ‬وإنما‭ ‬كشخصية‭ ‬أساسية‭ ‬ببيوتها‭ ‬وأرصفتها‭ ‬وشوارعها‭ ‬وأزقتها‭ ‬الضيقة‭. ‬ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬ينتقدها‭ ‬الابن‭ ‬شادي،‭ ‬المهندس‭ ‬المعماري‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬روما،‭ ‬لأنه‭ ‬تشرّب‭ ‬بالثقافة‭ ‬الإيطالية،‭ ‬وتطبّع‭ ‬بالقيم‭ ‬الأوروبية‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬يأبه‭ ‬بفكرة‭ ‬الفتاة‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬مع‭ ‬صديقها‭ ‬قبل‭ ‬مرحلة‭ ‬الزواج،‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬الدنيا‭ ‬تغيّرت،‭ ‬وأن‭ ‬القيم‭ ‬القديمة‭ ‬اهتزت،‭ ‬أمام‭ ‬مفاهيم‭ ‬العولمة‭ ‬الجديدة‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الابن‭ ‬يعيش‭ ‬مع‭ ‬ندى‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬منفصل‭ ‬فلن‭ ‬يجد‭ ‬غضاضة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬فتاة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مع‭ ‬حبيبها‭. ‬الانتقادات‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأخلاقية،‭ ‬وإنما‭ ‬تتعداهما‭ ‬إلى‭ ‬انتقاد‭ ‬مظاهر‭ ‬التخلّف‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬مثل‭ ‬تكدّس‭ ‬النفايات،‭ ‬والزحمة‭ ‬المرورية،‭ ‬وشجار‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬العامة،‭ ‬وسواها‭ ‬من‭ ‬الظواهر‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬تعجّ‭ ‬بها‭ ‬المدن‭ ‬الفلسطينية‭.‬

صراع‭ ‬الأجيال

لا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ثيمة‭ ‬الفيلم‭ ‬الأساسية‭ ‬حسّاسة‭ ‬وذكيّة‭ ‬وجريئة،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأب‭ ‬التقليدي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬مظهره‭ ‬الخارجي،‭ ‬مرورًا‭ ‬بالأكلات‭ ‬والمشروبات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التي‭ ‬يحبّها،‭ ‬وانتهاءً‭ ‬بذائقته‭ ‬الغنائية‭ ‬والموسيقية،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يحب‭ ‬إلاّ‭ ‬المغني‭ ‬الشعبي‭ ‬فوزي‭ ‬بلّوط،‭ ‬وسوف‭ ‬يدعوه‭ ‬لإحياء‭ ‬حفل‭ ‬زفاف‭ ‬ابنته‭. ‬أما‭ ‬الابن‭ ‬شادي‭ ‬فهو‭ ‬شاب‭ ‬معاصر‭ ‬في‭ ‬سلوكه،‭ ‬وطريقة‭ ‬تفكيره،‭ ‬وحريته‭ ‬التي‭ ‬يعتبرها‭ ‬البعض‭ ‬منفلتة‭ ‬حين‭ ‬يرون‭ ‬بنطاله‭ ‬الأحمر،‭ ‬وقميصه‭ ‬الزهري،‭ ‬وشعره‭ ‬الطويل‭ ‬المُثبت‭ ‬في‭ ‬مؤخرة‭ ‬رأسه‭ ‬على‭ ‬هيأة‭ ‬كعكة،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يأبه‭ ‬بالمثليين‭ ‬أو‭ ‬الفتيات‭ ‬المنفتحات‭ ‬اللواتي‭ ‬يعشن‭ ‬مع‭ ‬عشاقهن،‭ ‬وفق‭ ‬النمط‭ ‬الأوروبي‭ ‬الذي‭ ‬يندرج‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الحريات‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬يحميها‭ ‬القانون‭. ‬لم‭ ‬يعتد‭ ‬شادي‭ ‬على‭ ‬اللف‭ ‬والدوران،‭ ‬فهو‭ ‬صريح‭ ‬ومباشر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬ويسمّي‭ ‬الأشياء‭ ‬بمسمياتها،‭ ‬أما‭ ‬الأب‭ ‬فلا‭ ‬يجد‭ ‬ضيرًا‭ ‬في‭ ‬الكذب‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬أثناء‭ ‬زيارتهما‭ ‬لمنزل‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬رامي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬أخبره‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬بأن‭ ‬ولده‭ ‬شادي‭ ‬يدرس‭ ‬الطب‭ ‬في‭ ‬أمريكا،‭ ‬بينما‭ ‬هو‭ ‬مهندس‭ ‬معماري‭ ‬في‭ ‬إيطاليا‭. ‬وحينما‭ ‬وضعه‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬رامي‮»‬‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬محرج‭ ‬اعترف‭ ‬الأب‭ ‬بأنّ‭ ‬ولده‭ ‬يحب‭ ‬التغيير‭ ‬والتنويع،‭ ‬فقد‭ ‬بدأ‭ ‬بدراسة‭ ‬الطب‭ ‬لكنه‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬غيّر‭ ‬اختصاصه‭ ‬إلى‭ ‬الهندسة‭ ‬المعمارية‭. ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأكاذيب‭ ‬‮«‬الصغيرة‭ ‬أو‭ ‬البيضاء‮»‬‭ ‬تكررت‭ ‬غير‭ ‬مرة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الفيلم،‭ ‬وكانت‭ ‬تثير‭ ‬استغراب‭ ‬ابنه‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬فبينما‭ ‬كان‭ ‬الأب‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬محل‭ ‬دمى‭ ‬أعياد‭ ‬الميلاد‭ ‬كان‭ ‬يتحدث‭ ‬لأبي‭ ‬ندى‭ ‬في‭ ‬روما‭ ‬عن‭ ‬شجرة‭ ‬برتقال،‭ ‬وجبال‭ ‬فلسطينية‭ ‬تغطّيها‭ ‬الأشجار‭ ‬الخضراء‭ ‬بينما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أمامه‭ ‬سوى‭ ‬بيوت‭ ‬خربة‭ ‬تتخللها‭ ‬شجيرات‭ ‬مهجورة‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬هروب‭ ‬أم‭ ‬شادي‭ ‬مع‭ ‬عشيقها‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا‭ ‬الانعطافة‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬الفيلم،‭ ‬وإنما‭ ‬هناك‭ ‬شخصية‭ ‬روني‭ ‬آفي‭ ‬‮«‬الشاباك‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يتجسس‭ ‬على‭ ‬المعلمين،‭ ‬وينقل‭ ‬أخبارهم‭ ‬إلى‭ ‬الوزارة،‭ ‬وأنه‭ ‬كان‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬استدعاء‭ ‬شادي‭ ‬إلى‭ ‬التحقيق،‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬مؤرقة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬الأب‭ ‬يريد‭ ‬دعوته‭ ‬لحفل‭ ‬الزفاف،‭ ‬بينما‭ ‬يعارض‭ ‬الابن‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬جملة‭ ‬وتفصيلا‭.‬

لقطة‭ ‬جريئة

ينطوي‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬على‭ ‬مفاجآت‭ ‬ضرورية‭ ‬تكسر‭ ‬إيقاعه‭ ‬كلما‭ ‬أوغل‭ ‬في‭ ‬السياسة،‭ ‬والاحتلال‭ ‬والقضايا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الحسّاسة،‭ ‬فحينما‭ ‬يسلّم‭ ‬نورا‭ ‬‮«‬ربيكا‭ ‬إزميرالدا‭ ‬تلحمي‮»‬‭ ‬بطاقة‭ ‬الدعوة‭ ‬تغريه‭ ‬بالدخول‭ ‬إلى‭ ‬المنزل،‭ ‬وتحاول‭ ‬أن‭ ‬تعانقه‭ ‬لكنه‭ ‬يسقط‭ ‬على‭ ‬الأريكة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬طبعت‭ ‬قبلة‭ ‬خاطفة‭ ‬على‭ ‬شفته‭ ‬السفلى‭ ‬ولوّنتها‭ ‬بأحمر‭ ‬الشفاه‭ ‬الذي‭ ‬سيثير‭ ‬تساؤل‭ ‬والده‭ ‬واستغرابه‭. ‬يزدان‭ ‬سياق‭ ‬الفيلم‭ ‬بمواقف‭ ‬طريفة‭ ‬أخرى،‭ ‬فالأب‭ ‬كانت‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬قديمة‭ ‬بجورجيت‭ ‬‮«‬زهيرة‭ ‬صباغ‮»‬‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬أيام‭ ‬الدراسة،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يغادرها‭ ‬تُذكِّره‭ ‬بأنه‭ ‬صار‭ ‬يعرف‭ ‬عنوان‭ ‬البيت‭ ‬ويمكنه‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬طبق‭ ‬الحلوى‭ ‬الفارغ‭ ‬الذي‭ ‬منحته‭ ‬إيّاه‭ ‬مملوءًا‭. ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الأب‭ ‬يلفت‭ ‬عناية‭ ‬ولده‭ ‬إلى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفتيات‭ ‬الجميلات‭ ‬اللواتي‭ ‬رآهنّ‭ ‬علّه‭ ‬يختار‭ ‬واحدة‭ ‬منهن‭ ‬ويتخلى‭ ‬عن‭ ‬ندى‭ ‬التي‭ ‬يعتقد‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬البيئة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬القريبة‭ ‬إلى‭ ‬نفسه‭. ‬لا‭ ‬تنحصر‭ ‬الشجارات‭ ‬بين‭ ‬الابن‭ ‬وأبيه‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬صاحب‭ ‬المطبعة‭ ‬الذي‭ ‬صمم‭ ‬بطاقات‭ ‬الدعوة‭ ‬وأخطأ‭ ‬فيها،‭ ‬ولابدّ‭ ‬أن‭ ‬يتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬تصحيحها،‭ ‬وإعادة‭ ‬طبعها‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وحينما‭ ‬يتفاقم‭ ‬الأمر‭ ‬يتحلّقون‭ ‬حول‭ ‬طاولة‭ ‬مستديرة‭ ‬ويشرعون‭ ‬بتصحيح‭ ‬البطاقات‭ ‬المتبقية‭ ‬لديهم‭ ‬لأنهم‭ ‬وزّعوا‭ ‬قسمًا‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬المدعوّين‭.‬

ينطوي الفيلم على مفاجآت ضرورية تكسر إيقاعه كلما أوغل في السياسة، والاحتلال والقضايا الاجتماعية الحسّاسة

الإحساس‭ ‬بالعزلة

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ادعّاء‭ ‬المخرجة‭ ‬آن‭ ‬ماري‭ ‬جاسر‭ ‬بأنّها‭ ‬لا‭ ‬تُحبّذ‭ ‬توجيه‭ ‬الرسائل‭ ‬إلى‭ ‬متلّقيها،‭ ‬لكنها‭ ‬تتسرّب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إرادتها،‭ ‬فالسياسة،‭ ‬ومواطنو‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج،‭ ‬وفلسطينيو‭ ‬الـ48،‭ ‬والتعايش‭ ‬مع‭ ‬المحتل‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬والتمييز‭ ‬بين‭ ‬اليهودي‭ ‬والصهيوني‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬وقضايا‭ ‬ملحّة،‭ ‬تجد‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬نسيج‭ ‬الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يتفاداها،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تفضي‭ ‬بالأب‭ ‬إلى‭ ‬ذروة‭ ‬توتره‭ ‬حين‭ ‬يرى‭ ‬الابن‭ ‬في‭ ‬‮«‬روني‮»‬‭ ‬مُخبرًا‭ ‬سريًا‭ ‬يتجسّس‭ ‬على‭ ‬المعلّمين‭ ‬والتلاميذ‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬بينما‭ ‬يراه‭ ‬الأب‭ ‬صديقًا‭ ‬حميمًا‭ ‬يؤازره،‭ ‬لأنه‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬مديرًا‭ ‬للمدرسة‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭. ‬ومن‭ ‬بؤرة‭ ‬التوتر‭ ‬بين‭ ‬الابن‭ ‬وأبيه‭ ‬تنبثق‭ ‬الثيمة‭ ‬الرئيسة‭ ‬التي‭ ‬تتكئ‭ ‬عليها‭ ‬قصة‭ ‬الفيلم،‭ ‬ويمكن‭ ‬اختصارها‭ ‬بالجُمل‭ ‬الآتية‭:‬‮»‬يمكن‭ ‬أنا‭ ‬مش‭ ‬بطل،‭ ‬بس‭ ‬أنا‭ ‬كان‭ ‬عندي‭ ‬عيلة‭ ‬أرّبيها‭ ‬وعلّمها‭ ‬وأطعميها‭. ‬أنت‭ ‬تعرف‭ ‬أنا‭ ‬شو‭ ‬عملتْ‭ ‬علشان‭ ‬أنت‭ ‬تعيش‭ ‬مرتاح؟‮»‬‭. ‬فيما‭ ‬يرى‭ ‬الابن‭ ‬عكس‭ ‬ذلك‭ ‬تمامًا،‭ ‬فهو‭ ‬غير‭ ‬راضٍ‭ ‬بالحياة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الاحتلال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬إذنًا‭ ‬حتى‭ ‬حينما‭ ‬يتنفس‭! ‬ولذلك‭ ‬بدا‭ ‬الابن‭ ‬أكثر‭ ‬مقاومة‭ ‬للمحتل،‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نظراته‭ ‬الشزرة‭ ‬للجنود‭ ‬الإسرائيليين،‭ ‬الذين‭ ‬جاءوا‭ ‬إلى‭ ‬مطعم‭ ‬الفول‭ ‬والفلافل‭ ‬الذي‭ ‬صادف‭ ‬أن‭ ‬يأكلان‭ ‬فيه،‭ ‬فهم‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬قول‭ ‬الأب‭ ‬‮«‬يحبّون‭ ‬الفلافل‭ ‬التي‭ ‬يصنعها‭ ‬الفلسطينيون‮»‬‭. ‬يفترق‭ ‬الابن‭ ‬عن‭ ‬أبيه‭ ‬إثر‭ ‬هذه‭ ‬المشّادة‭ ‬الكلامية،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬يناديه‭ ‬صديق‭ ‬قديم‭ ‬ويسرد‭ ‬له‭ ‬محبة‭ ‬والده‭ ‬الكبيرة‭ ‬فتغرورق‭ ‬عيناه‭ ‬بالدموع‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تجيش‭ ‬مشاعر‭ ‬الأب‭ ‬الذي‭ ‬يفكر‭ ‬بابنه‭ ‬الذي‭ ‬سيغادر‭ ‬قبل‭ ‬أعياد‭ ‬الميلاد،‭ ‬وابنته‭ ‬التي‭ ‬ستتزوج‭ ‬من‭ ‬خطيبها‭ ‬فراس‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬شهر‭ ‬تقريبًا،‭ ‬بينما‭ ‬يتقوقع‭ ‬الأب‭ ‬في‭ ‬خانق‭ ‬عزلته‭ ‬الذاتية‭ ‬رافضًا‭ ‬مُداعبات‭ ‬جورجيت‭ ‬طنّاس‭ ‬وإغراتها‭ ‬العاطفية‭ ‬الصريحة‭. ‬تتبدد‭ ‬خشية‭ ‬الجميع‭ ‬حين‭ ‬يخبر‭ ‬شادي‭ ‬أباه‭ ‬بأن‭ ‬زوج‭ ‬أمه‭ ‬قد‭ ‬فارق‭ ‬الحياة،‭ ‬وأن‭ ‬العقبة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحُول‭ ‬دون‭ ‬حضور‭ ‬الأم‭ ‬زالت،‭ ‬وأن‭ ‬اشتراطات‭ ‬العرس‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأمل‭ ‬أخذت‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬الاكتمال‭.‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬السيناريو‭ ‬ورهافة‭ ‬الرؤية‭ ‬الإخراجية‭ ‬لآن‭ ‬ماري‭ ‬جاسر،‭ ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬أداء‭ ‬غالبية‭ ‬الممثلين‭ ‬كان‭ ‬سببًا‭ ‬آخر‭ ‬لنجاح‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم،‭ ‬فقد‭ ‬حصلت‭ ‬المخرجة‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬أفضل‭ ‬فيلم‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬دبي‭ ‬السينمائي‭ ‬الدولي،‭ ‬فيما‭ ‬تناصف‭ ‬البكريان‭ ‬جائزة‭ ‬أفضل‭ ‬ممثل،‭ ‬أما‭ ‬الأداء‭ ‬المتفرِّد‭ ‬للشخصيات‭ ‬المؤازرة‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬لافتًا‭ ‬للنظر،‭ ‬لأنهم‭ ‬ممثلون‭ ‬محترفون‭ ‬وأصحاب‭ ‬خبرات‭ ‬طويلة‭ ‬مثل‭ ‬مكرم‭ ‬خوري،‭ ‬وطارق‭ ‬قبطي،‭ ‬ورنا‭ ‬علم‭ ‬الدين‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬الأخفّ‭ ‬ظلاً‭ ‬بين‭ ‬الطاقم‭ ‬النسوي‭ ‬للتمثيل‭.‬

جائزة‭ ‬الأوسكار

أنجزت‭ ‬آن‭ ‬ماري‭ ‬جاسر‭ ‬خلال‭ ‬رحلتها‭ ‬الفنية‭ ‬12‭ ‬فيلمًا‭ ‬بينها،‭ ‬ثلاثة‭ ‬أفلام‭ ‬روائية‭ ‬طويلة‭ ‬وهي‭ ‬‮«‬ملحُ‭ ‬هذا‭ ‬البحر‮»‬‭ ‬2008،‭ ‬و«لمّا‭ ‬شفتك‮»‬‭ ‬2013،‭ ‬و«واجب‮»‬‭ ‬2017‭ ‬ورُشحت‭ ‬جميعها‭ ‬لجوائز‭ ‬الأوسكار‭ ‬لأفضل‭ ‬فيلم‭ ‬ناطق‭ ‬بلغة‭ ‬أجنبية‭. ‬كما‭ ‬أنجزت‭ ‬تسعة‭ ‬أفلام‭ ‬وثائقية‭ ‬وقصيرة‭ ‬نالت‭ ‬عنها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجوائز‭ ‬المحلية‭ ‬والعالمية‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬المستغرب‭ ‬أن‭ ‬تحصد‭ ‬الأوسكار‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬لأنها‭ ‬تتمتع‭ ‬برؤية‭ ‬إخراجية‭ ‬مرهفة،‭ ‬وتمتلك‭ ‬خبرة‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الممثلين،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬أن‭ ‬أفلامها‭ ‬تحقق‭ ‬المتعة‭ ‬الفنية،‭ ‬وتُثير‭ ‬الأسئلة‭ ‬لدى‭ ‬المتلقين،‭ ‬وتوفر‭ ‬لهم‭ ‬فرصة‭ ‬نادرة‭ ‬للمرح،‭ ‬والاسترخاء،‭ ‬وإعمال‭ ‬الذهن‭.‬

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية