حرب‭ ‬يوم‭ ‬الغفران‭ ‬والقصور‭ ‬الحقيقي

حجم الخط
0

يتمثل‭ ‬يوم‭ ‬الغفران،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأبناء‭ ‬جيلي،‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬نشبت‭ ‬فيه‭ ‬عام‭ ‬1973‭. ‬ففي‭ ‬ذاكرتنا‭ ‬الجمعية‭  ‬ـ‭  ‬الوطنية‭ ‬ترتبط‭ ‬الحرب‭ ‬إياها‭ ‬ونتائجها‭ ‬القاسية‭ ‬بمفهوم‭ ‬‮«‬القصور‮»‬‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬القصور‭ ‬نتيجة‭ ‬‮«‬المفهوم‭ ‬المغلوط‮»‬‭ ‬لدى‭ ‬شعبة‭ ‬الاستخبارات،‭ ‬والذي‭ ‬تبناه‭ ‬سواء‭ ‬رئيس‭ ‬الأركان‭ ‬أم‭ ‬القيادة‭ ‬السياسية،‭ ‬وبموجبه‭ ‬لن‭ ‬تنشب‭ ‬حرب‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وجيرانها‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب‭. ‬ونتيجة‭ ‬لهذا‭ ‬التقدير‭ ‬المغلوط‭ ‬فوجئ‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬لم‭ ‬يجند‭ ‬الاحتياط‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب،‭ ‬والحرب‭ ‬بدأت‭ ‬حين‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬من‭ ‬الدونية‭ ‬الشديدة،‭ ‬التي‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬إصابات‭ ‬كثيرة‭ ‬وخسارة‭ ‬لمناطق‭ ‬حيوية‭. ‬فالحاجة‭ ‬إلى‭ ‬احتلال‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬كجبل‭ ‬الشيخ‭ ‬مثلاً،‭ ‬جبى‭ ‬أيضًا‭ ‬ثمنًا‭ ‬دمويًا‭ ‬باهظًا‭.‬

لقد‭ ‬قررت‭ ‬اللجنة‭ ‬الرسمية‭ ‬التي‭ ‬حققت‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ (‬لجنة‭ ‬اغرانات‭) ‬بأن‭ ‬المفاجأة‭ ‬حدثت‭ ‬لأن‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬أخطأ‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬نوايا‭ ‬العدو‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬مؤشرات‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬قدرات‭ ‬العدو‭ ‬على‭ ‬الهجوم،‭ ‬ولكن‭ ‬الاستناد‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬نواياه‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬الخطأ‭ ‬الرهيب‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬أيضًا‭ ‬يأتي‭ ‬الدرس‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬جاهزين‭ ‬دومًا‭ ‬أمام‭ ‬قدرات‭ ‬العدو‭ ‬وتجاهل‭ ‬نواياه،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬خفية‭ ‬دومًا‭. ‬

اختلف‭ ‬مع‭ ‬القولين‭: ‬ذاك‭ ‬المتعلق‭ ‬بالقصور‭ ‬الاستخباري،‭ ‬وهذا‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬لجنة‭ ‬اغرانات‭. ‬وبسبب‭ ‬قصر‭ ‬اليراعة،‭ ‬فلن‭ ‬أتناول‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬إلا‭ ‬المسألة‭ ‬الأولى‭. ‬وبالفعل،‭ ‬أخطأت‭ ‬الاستخبارات‭ ‬وضللت‭ ‬القادة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الخطأ‭ ‬الاستخباري‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬حصل‭ ‬ويحصل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬كل‭ ‬التاريخ‭. ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬اثنتين‭ ‬من‭ ‬المفاجآت‭ ‬الكبرى‭ ‬للحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وكلتاهما‭ ‬حصلت‭ ‬في‭ ‬1941‭: ‬الاجتياح‭ ‬الألماني‭ ‬للاتحاد‭ ‬السوفياتي‭ ‬والهجوم‭ ‬الياباني‭ ‬على‭ ‬بيرل‭ ‬هاربر‭. ‬ينبغي،‭ ‬بالطبع،‭ ‬عمل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬منعًا‭ ‬للمفاجآت،‭ ‬ولكن‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬طرف‭ ‬آخر‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يفاجئ،‭ ‬فإن‭ ‬الخطأ‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬خطواته‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬دومًا‭.‬

ولكن‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الخطأ‭ ‬نتيجة‭ ‬ضعف‭ ‬إنساني،‭ ‬فالأمر‭ ‬الأخطر‭ ‬الذي‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬يوم‭ ‬الغفران‭ ‬هو‭ ‬جهل‭ ‬قيادة‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭. ‬وبخلاف‭ ‬الخطأ،‭ ‬فإن‭ ‬الجهل‭ ‬المهني‭ ‬لا‭ ‬يغتفر،‭ ‬كونه‭ ‬نتيجة‭ ‬استخفاف‭ ‬بالمهنة‭ ‬العسكرية‭ ‬وبالواجبات‭ ‬التي‭ ‬تنشأ‭ ‬عنها‭. ‬فقيادة‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭  ‬ـ‭  ‬رئيس‭ ‬الأركان‭ ‬وقادة‭ ‬المناطق‭ ‬وضباط‭ ‬هيئة‭ ‬الأركان‭  ‬ـ‭  ‬كانت‭ ‬تنقصهم‭ ‬المعرفة‭ ‬العسكرية‭ ‬الضرورية‭ ‬لمستواهم‭. ‬لقد‭ ‬تجسد‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬المواضيع،‭ ‬وأشار‭ ‬باختصار‭ ‬إلى‭ ‬ستة‭ ‬منها‭: ‬

أولًا،‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬انتشار‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬تقرر‭ ‬أن‭ ‬خط‭ ‬التماس‭ ‬مع‭ ‬العدو‭ ‬هو‭ ‬أيضًا‭ ‬خط‭ ‬التوقف‭ (‬الخط‭ ‬الذي‭ ‬إذا‭ ‬اقتحمه‭ ‬العدو‭ ‬تكون‭ ‬القيادة‭ ‬اللوائية‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬مهامها‭). ‬هذا‭ ‬القول‭ ‬يتجاهل‭ ‬الفرضية‭ ‬الأولى‭ ‬لنظرية‭ ‬الدفاع،‭ ‬التي‭ ‬تعتقد‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬المعقول‭ ‬أن‭ ‬يقتحم‭ ‬خط‭ ‬التماس‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬للسبب‭ ‬البسيط‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬المهاجم‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يختار‭ ‬أين‭ ‬يهاجم،‭ ‬ويمكنه‭ ‬أن‭ ‬يركز‭ ‬الجهد‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬اختاره‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬الواجب‭ ‬رقم‭ ‬1‭ ‬يستوجب‭ ‬الانتشار‭ ‬مع‭ ‬عمق‭ ‬واحتياط‭.‬

ثانيًا،‭ ‬في‭ ‬جبهتي‭ ‬القتال،‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬وفي‭ ‬الشمال،‭ ‬تم‭ ‬الانتشار‭ ‬مع‭ ‬لواء‭ ‬دبابات‭ ‬واحد‭ ‬إلى‭ ‬الداخل،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬كلتيهما‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬لواءين‭ ‬نظامين‭ ‬متوفرين‭. ‬والانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الانتشار‭ ‬الصحيح‭ (‬تقسيم‭ ‬الجبهات‭ ‬إلى‭ ‬لواءين‭) ‬تم‭ ‬في‭ ‬الجبهتين‭ ‬تحت‭ ‬النار،‭ ‬ودفعنا‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ثمنًا‭ ‬باهظًا‭.‬

ثالثًا،‭ ‬بنى‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬استحكامات،‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬وفي‭ ‬الشمال،‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مهني‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مخيف،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التجاهل‭ ‬التام‭ ‬لتجارب‭ ‬مئات‭ ‬السنين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬البسيطة‭. ‬

رابعًا،‭ ‬هيئة‭ ‬الأركان‭ ‬وقادة‭ ‬المناطق‭ ‬كانوا‭ ‬جهلة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتعرف‭ ‬على‭ ‬سلاح‭ ‬الجو،‭ ‬قدراته‭ ‬ومعانيه‭ ‬الناشئة‭ ‬عن‭ ‬تغييرات‭ ‬عاجلة‭ ‬للمهام‭ ‬التي‭ ‬ألقيت‭ ‬عليه‭. ‬

خامسًا،‭ ‬أنظمة‭ ‬القيادة‭ ‬والتحكم،‭ ‬سواء‭ ‬لدى‭ ‬رئيس‭ ‬الأركان‭ ‬أم‭ ‬قادة‭ ‬المناطق‭ ‬كانت‭ ‬ملائمة‭ ‬لسرية‭ ‬أو‭ ‬كتيبة،‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬المستوى‭ ‬الأعلى‭.‬

والأمر‭ ‬السادس‭ ‬والأخطر،‭ ‬فقبل‭ ‬يومين‭ ‬من‭ ‬نشوب‭ ‬الحرب،‭ ‬أعلنت‭ ‬حالة‭ ‬تأهب‭ ‬كاملة‭ ‬للجيش‭ ‬النظامي،‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬يحدد‭ ‬أحد‭ ‬لأي‭ ‬سبب‭ ‬كان‭ ‬التأهب‭. ‬وهكذا،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬هضبة‭ ‬الجولان‭ ‬وفي‭ ‬القناة‭ ‬جنود‭ ‬في‭ ‬القواعد،‭ ‬ولكن‭ ‬معظمهم‭ ‬جلسوا‭ ‬وهم‭ ‬يحتذون‭ ‬الأحذية‭ ‬البيتية‭ ‬ويقرأون‭ ‬الصحف‭.‬

في‭ ‬السطر‭ ‬الأخير‭: ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬قيادة‭ ‬الجيش‭ ‬مهنية‭ ‬كما‭ ‬يتوقع‭ ‬منها،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬الجيش‭ ‬النظامي‭ ‬جاهزًا‭ ‬للحرب‭ ‬كما‭ ‬ينبغي،‭ ‬لكانت‭ ‬النتائج‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬مفاجئة‭ ‬تمامًا‭. ‬وبخلاف‭ ‬المفاجأة،‭ ‬فعلى‭ ‬هذا‭ ‬القصور‭ ‬يصعب‭ ‬الغفران‭ ‬أكثر‭.‬

غيورا‭ ‬آيلند

يديعوت‭ ‬17‭/‬9‭/‬2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية