نشر باحثان من جامعة أوكسفورد أخيرا دراسة تبين أن 47 في المائة من وظائف العمل في الولايات المتحدة يمكن إسنادها بحلول عام 2033 إلى الرجل الآلي (الروبوت) أو ما يسمى بالآلات الذكية. وكان معهد ماكينزي العالمي نشر تقريرا عام 2011 بيّن أن 44 بالمائة من الشركات التي ‘خفضت القوى العاملة لديها’ (أي فصلت عمالا وموظفين) منذ أزمة 2008 قد استعاضت عن البشر بالآلات الذكية، أي أنها حولت الوظائف والمهام المطلوبة إلى نظام البرمجة الكومبيوترية.
وعندما فاز الروبوت ‘ووتسون’ في مسابقة تلفزيونية شهيرة، قررت شركة ‘اي بي ام’ المصنعة تقديمه لامتحانات جامعة طوكيو المرموقة. بل إنها قالت إن من الممكن في المستقبل القريب أن يصبح الروبوت أحد أعضاء مجلس إدارتها! ما معنى هذا كله؟ يرى الباحثون أنه إذا كانت كل هذه الوظائف قابلة للإفلات من الفعل البشري والانتقال إلى النظام الكومبيوتري، فذلك لأن الإنسان قد تحول في كثير من الحالات، منذ الثورة الصناعية، إلى روبوت: ‘آلة أمام آلة أخرى’.
ورغم أن الدراسة المذكورة اهتمت بأمريكا فإن أوروبا، التي انخفضت معدلات الولادة في كثير من بلدانها إلى ما دون الحد الضروري للتجدد السكاني الطبيعي، هي المرشحة قبل غيرها لتحويل معظم وظائف العمل إلى الذكاء الاصطناعي. وليست انتخابات البرلمان الأوروبي التي عقدت الخميس وسط مخاوف من فوز أحزاب اليمين الشعبوي الانعزالي بنسبة معتبرة من الأصوات سوى مؤشر للتحديات الكبرى التي تواجهها أوروبا.
إذ تواجه القارة العجوز لحظة مصيرية في تاريخها في ظل العجز عن تجاوز أكبر صدمة اقتصادية منذ أزمة الثلاثينيات.
وما يعقد الوضع أن أوروبا قد وقعت، بحكم الأمر الواقع، تحت زعامة ألمانيا المعرضة عن الزعامة المنصرفة لشأنها الضيقة الصدر بكل هؤلاء الجيران الذين لا يسمعون لنصحها ولكنهم يلتمسون عونها.
على الصعيد الاجتماعي، استشرت البطالة بحيث صارت تشمل 19 مليون مواطن (أي ما يعادل شعبا بأكمله)، الأمر الذي يرغم شباب بلدان أوروبا الجنوبية على الهجرة. وعلى الصعيد السياسي، أدى تآكل الطبقات الوسطى، بل انهيارها، إلى تنامي الشعبوية. فانقلب اتجاه الثورة – أي السخط الشعبي البالغ حد الرغبة في قلب الوضع القائم – نحو اليمين القومي الانعزالي. أما على الصعيد الجيوسياسي، فإن من الخبراء من يعتقد أن أوروبا أصبحت تمثل فراغا استراتيجيا، حيث تستمر في خفض الإنفاق العسكري رغم الاضطراب السائد في جوارها العربي، كما تواجه واقعا ضاغطا يتمثل في التجسس الالكتروني الكوني الذي فرضته أمريكا، وفي تجدد النزعة الامبراطورية لدى روسيا.
على أن أرجح سيناريو للمستقبل الأوروبي في المدى القريب لا يتعلق، في نظري، لا بانهيار الاتحاد الأوروبي ولا بنقيضه، أي تزايد الاندماج والتحول إلى قوة دولية وازنة. وإنما الأرجح أن يستمر الوضع القائم بما يعنيه من انحدار بطيء على الطريقة اليابانية، حيث يتضافر التراجع السكاني مع الركود الاقتصادي، والبطالة الواسعة، وارتفاع الديون واضطراب النظام الاجتماعي.
مالك التريكي