في نهاية القرن الثامن عشر بدأ فن الرسم يقف عند أعتاب مرحلة جديدة في رؤية الأشياء وخاصة الطبيعة التي انفتحت على أفق يحمل في أساليبه دعوة ملحة إلى توقع قراءة مختلفة للجمال في عناصرها، يمكن ان ينعطف بها الفنان إلى ذاته فيحمّلها ما تفيض به روحه من مشاعر وأحاسيس. ولم تكن وسيلته إلى ذلك سوى مخيلته، التي أحدث من خلالها قطيعة مع الماضي من الناحية الفنية، بأساليبه ومدارسه، فأضيفت إلى تاريخ الفن التشكيلي لحظة تعبيرية ثورية أطلق عليها مصطلح “الرومانتيكية” فكانت انفتاحا على علاقة جديدة بين الفنان وما يراه من تفاصيل في الطبيعة.
حرية الرؤية
عبر فضاء الرومانتيكية تشكَّلت علامة بارزة تعاملت مع الطبيعة برؤية استظلت بمخيلة الفنان حيث باتت تميل إلى غواية التفاصيل المرئية والتحليق بها إلى أزمنة تكتسب حضورها من ذاته وتحولاتها الشعورية، ولعل الرسام الانكليزي جوزيف تيرنر(1775-1851) أبرز من وظف الطبيعة في أعماله وكانت بمثابة منطلقه الذي منحه فضاء واسعا لاستعراض قدراته في تشكيل الضوء والظل.
على الرغم من ان الرومانتيكية كانت قد اجتاحت أوروبا انطلاقا من ألمانيا لتمتد إلى فرنسا واسبانيا وانكلترا حتى مطلع القرن التاسع عشر، إلاَّ ان الحركة التشكيلية شهدت في ما بعد ظهور مدارس أخرى مثل الانطباعية وما بعد الانطباعية والوحشية والواقعية والرمزية والمستقبلية والسريالية والتكعيبية وغيرها من الأساليب. كل هذه المدارس الفنية الحديثة أخذت الفن التشكيلي إلى مفترق الحداثة حيث نأت به عن المحاكات الفوتوغرافية للأشياء والتفاصيل الواقعية، وأخذته إلى مرحلة جديدة انفتحت فيها مخيلة الفنان على تقنيات التجريد، لينعطف بالتالي الفن التشكيلي إلى مسار مفتوح من حرية الرؤية الإبداعية في تناوله للأشياء والأفكار بما في ذلك موضوعة الطبيعة، فخضعت هي الأخرى إلى تصوراته الذاتية، وانعكست عليها المدارس الفنية الحديثة، وهذا ما أعاد الطبيعة إلى واجهة المشهد التشكيلي. ولكن الفنان في هذه العودة لم يعد منشغلا في إعادة رسمها كما تراها عينه، بل أصبح ومن خلال تقنيات المدارس الفنية الحديثة يعبر عن مستويات جديدة من الأفكار تتجلى في حركة الخطوط والألوان والأشكال الهندسية والتكنيك، بذلك لم تعد الطبيعة في اللوحة على تلك الوظيفة التي احتفت بها المخيلة الثورية للرومانتيكيين.
المشهد التشكيلي العراقي
في تاريخ الفن التشكيلي العراقي الذي بدأت أولى علاماته تتضح في أربعينات القرن الماضي، كانت الطبيعة مقاربة فنية أولى للفنان العراقي، وشكلت معطى أساسيا في المنتوج التشكيلي حتى بعد ان انفتح المشهد الفني على التجارب الحديثة مع الرواد الأوائل أمثال جواد سليم وعطا صبري وفائق حسن وحافظ الدروبي وفرج عبو واسماعيل الشيخلي ونوري الراوي ومحمود صبري، إلا ان الطبيعة لم تعد تشكل هاجسا أساسيا لدى الفنان العراقي بعد ان اتخذت المدارس الحديثة تحدد الإطار العام لمعطيات الفن التشكيلي العراقي.
جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين التي تأسست عام 1955 ما زالت تتحمل مسؤولية كبيرة في ان يحتفظ الفن التشكيلي العراقي بحيويته، وذلك بإصرارها على ان يبقى مشغله متوهجا بكل ما يشير إلى انه معبأ بشحنة التحديث المستمر وهذا ما تعكسه المعارض الثمانية التي تقيمها الجمعية خلال العام الواحد والتي تتوزع ما بين النحت والرسم والخزف، وما يلاحظ في نشاطها حرصها على ان يكون هناك معرض سنوي يقام في الشهر السادس أو السابع من كل عام يخصص لموضوعة الطبيعة يشارك فيه فنانون من جميع مدن العراق، ودائما ما تكون المشاركة كبيرة حتى ان العدد وصل هذا العام إلى 100 لوحة. وقد شاركت في المعرض أسماء بارزة أمثال فاخر محمد وقاسم سبتي وحسن ابراهيم وخليف محمود وأخرى لا تقل أهمية عن هؤلاء. ومما يلاحظ على هذا المعرض السنوي انه يفتح الأبواب لكل الأساليب المختلفة في تناولها للطبيعة، وهذا التنوع والاختلاف في التكنيك والأسلوب والعلاقات اللونية يظهر من فنان إلى آخر كل حسب رؤيته، لان الثيمة العامة تتمحور في كيفية رسم الطبيعة كلٌّ حسب أسلوبه. الفنان خليف محمود يجد في رسم الطبيعة العراقية “مصدر إلهام له”، ويضيف بهذا السياق “أجد فيها نقطة استراحة، للتمتع بجمال طبيعتنا الزاخرة بالتنوع اللوني، حيث يعبّر كل منّا بأسلوبه الخاص سواء عن طريق الواقعية أو الانطباعية أو الكلاسيكية أو الواقعية الحديثة، ومعارض الطبيعة تعد متعة كبيرة لإظهار مهارة الفنانين وتنوع أساليبهم حسب انتماءاتهم الجغرافية”.
تجارب ذاتية
ربما يتوهم البعض بان رسم الطبيعة يبدو عملية تتسم بالبساطة مقارنة مع الموضوعات التي تشتغل عليها الأساليب الحديثة في الرسم. بينما ما تخبئه العملية الإبداعية من أسرار أثناء عملية الخلق الفني تشير إلى ان رسمها يندرج في إطار الخيارات الصعبة، فالخروج إلى الطبيعة يفرض جملة اشتراطات في مقدمتها، يتوجب على الرسام ان يحدد المنظر الطبيعي الذي ينوي رسمه، كما لو انه مصور أو مخرج سينمائي يفترض به ان يمتلك حسا عاليا على اختيار الزاوية التي يريد من خلالها تصوير الموضوع، وهذا ما عبر عنه الرّسام طلال غانم إذ يقول ان “الكيفية التي يتعامل بها الفنان العراقي مع الطبيعة تحددها ثقافته أولا واتجاهاته الاسلوبية” أما مسألة الخروج إلى الطبيعة والرسم فيجدها “تشكل صعوبة لدى الرسام لأنه يشعر بضآلة حجمه الفني أمام جمالها باستثناء المتمرسين والضالعين برسمها” ويضيف طلال غانم “الفنان التشكيلي العراقي المعاصر لم يتخل عن رسم الطبيعة، لكونها المدرسة الأم وهي مصدر الإلهام لكل الفنانين والمثقفين كما انها تحقق التوازن في المشاعر والأحاسيس في داخله”.
ما يزال رسم الطبيعة يمتلك حضوره في المشهد التشكيلي العراقي ولكن الرؤية الفنية تغيرت ولم تعد بذاك النسق الفوتوغرافي، وعلى ذلك لا يجد الفنان التشكيلي بلال بشير في موضوعة الطبيعة مجرد استراحة للفنان إذ يقول “الطبيعة لا تختلف عن أي موضوع تشكيلي آخر يتم تناوله عبر مدارس الفن المتنوعة، فهي تعتمد أيضا على التكوين والبناء واختيار الإنارة والظلال”، ويستدرك الفنان بشير فيضيف “الطبيعة في المشهد التشكيلي العراقي غالبا ما كانت واقعية كلاسيكية كما هي أعمال عبد القادر الرسام، أو واقعية دراسية كما في أعمال فائق حسن، أو انطباعية كما في أعمال عطا صبري وحافظ الدروبي، وكل هذه الأساليب تجمعها صفة الواقعية، بمعنى ان الشجرة تعرّف عن نفسها وكذلك جدول الماء أو الجبل، انها واقعية أخذت صفة انطباعية لكون هؤلاء الفنانين الرواد قد تأثروا بالمناخ الانطباعي أثناء دراستهم في أوروبا، والطبيعة التي تعرف باللاندسكيب، في العراق لها خصوصية حيث تأخذ التكوين والإخراج اللوني من واقع بيئة العراق واختلافها بين الشمال والجنوب، بين الجبال والأهوار وكذلك اختلاف لون الأرض والسماء”.
هذا التنوع في أساليب التناول يمكن ملاحظته كما أشرنا سابقا في معارض جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين حيث تم تناول الطبيعة في عديد اللوحات وفق المدارس الفنية الحديثة من حيث الألوان والتكنيك والخطوط والأشكال، كما في أعمال الفنانين قاسم سبتي وحسن ابراهيم وعدنان عباس واسعد آزاد ورائد حسن، وهذا ما يؤكد على ان الفنان التشكيلي المعاصر في رؤيته لموضوعة الطبيعة يسعى إلى ان يكون مغايرا ومختلفا عن الأسلوب الواقعي والرومانتيكي من حيث التكنيك والرؤية.
الفنان التشكيلي منهل الدباغ يؤكد على ان “طبيعة البيئة العراقية أثرت على المشهد التشكيلي منذ أربعينات القرن الماضي بداية من الفنان عبد القادر الرسام وصولا إلى الفنانين المحدثين على مختلف أساليبهم ومدارسهم”، ويستدرك في هذا السياق قائلا “ومن أجل البحث عن علاقة الانتساب للمدرسة الواقعية، أصبح الفنان باحثا في تمثيل الأجواء العراقية على اللوحة بما يوازيها من قيم بيئية خاصة مع الاحتفاظ بالمنحنى الشخصي وهذا ما يبدو واضحا على المتغيرات اللونية والحسية للطبيعة العراقية من جنوبها المتميز بترابية وحساسية ألوانه وصولا إلى شمالها الذي يزهو بألوانه المبهرة ومساحاته المضيئة”. أمّا الرسام خالد حسين فيؤكد في وجهة نظره على ان “الطبيعة هي المتنفس الحقيقي للفنان عموما والتعامل معها بمثابة تعامل مع جوهر الأشياء، لأن كل الأشياء مشتقة من مفردات الطبيعة، فالشمس ومساقط الإضاءة ونقاء الألوان وانبثاق الألوان الأخرى الثلاثية والرباعية وتجانساتها كلها تجدها أمامك بكل بهائها”.
إن مفردة الطبيعة التي يتم التعامل معها في الأكاديميات الفنية باعتبارها مادة مدرسية لابد من وجودها في المنهج التعليمي، ما زالت موصولة بتجارب الفنانين المعاصرين العراقيين على الرغم من ان مدارس الحداثة التشكيلية وما بعدها، قد اغتربت عن محاكاة مفرداتها وانتقلت بفن الرسم من حيث موضوعاته ومعالجاته وتكنيكه إلى مستويات من التمظهر الأسلوبي إلى الحد الذي لم يعد في اللوحة ما يشير إلى ان هناك موضوعا محددا يمكن الامساك به.