وأنا أقرأ كتاب “الجزائر: عاصمة العالم الثالث” للكاتبة إيلين مختفي، خطر في بالي أن الجزائر ضيعت فرصة مواكبة المجتمعات المستقلة فكريا واقتصاديا وسياسيا صبيحة استقلالها في 5 تموز/يوليو 1962 وأن القرارات السياسية والاقتصادية التي انتهجها زعماؤها لحظتها تفسر التدهور الذي تعيشه البلاد على جميع المستويات.
الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية شيقة لامرأة أمريكية عاشت التجربة التحررية الجزائرية عن قرب لعقود من الزمن بداية من الخمسينيات حين حلت في باريس في 1951. مختفي، تقص علينا حكايتها مع كبار رجال الحركة التحررية الجزائرية بشكل لم نعهده كجزائريين ولم يعهده كتاب تاريخنا. فهي أجنبية اعتنقت أيديولوجيا حق الشعوب في تحقيق مصيرها عن قناعة لم تفارقها حتى اليوم. ومختفي هو اسم زوجها الجزائري مختار مختفي، الذي تعرفت عليه في الجزائر خلال فترة عملها في وكالة الأنباء الجزائرية، وصلت باريس قادمة من وطنها الأم الولايات المتحدة وهي في سن 22 ولم تكن تعرف أي شيء عن الجزائر ولا قضيتها. الصدفة كانت السبب في اكتشاف مختفي قضية اسمها الجزائر. محاولة الشرطة الفرنسية قمع مسيرة سلمية للعمال الجزائريين في شوارع باريس مطالبين بحقهم في تقرير مصيرهم في يوم عيد العمال في 1952 كانت أول لحظة وعي بالنسبة لها بهذا الشعب ومعاناته، وبعد إلقاء الشرطة القبض على أب الحركة التحررية الجزائرية مصالي الحاج بتهمة تنظيم المظاهرات، بدأت تقترب بخطى سريعة نحو الزواج من القضية الجزائرية فتعرفت على الجزائريين في باريس وكانت تزور أحياءهم الفقيرة يوميا للإستمتاع بما تعرضه هذه الثقافة الغريبة عنها بما في ذلك أنواع الأطباق اللذيذة.
خلال هذه الفترة تعرفت على المناضل والطالب محمد سحنون (الدبلوماسي المحنك وسفير الجزائر لدى الأمم المتحدة لاحقا) حيث ربطتهما علاقة طيبة استمرت حتى بعد الاستقلال وحلولها في الجزائر.
لعبت إيلين دورا بارزا في مكتب جبهة التحرير الوطني في نيويورك رفقة عبد القادر شندرلي وسحنون ومحمد يزيد والقادة الذين كانوا يزورون باستمرار لأجل تدويل القضية مثل آيت أحمد وكريم بلقاسم ومحمد بن يحي ولخضر الإبراهيمي وأحمد طالب الإبراهيمي ويوسف بن خدة وغيرهم. كانت تترجم المنشورات من الفرنسية إلى الإنكليزية والعكس وترتب المقابلات مع السياسيين الفاعلين وتجمع التبرعات في الوسط السياسي اليساري الأمريكي الذي كان نجمه السيناتور جون كنيدي وهو من أكبر المطالبين باستقلال الجزائر.
إن المرء لا يملك إلا أن يتساءل كيف لمجتمع يخرج من رحمه رجال مثل هؤلاء أن يصبح فيما هو عليه اليوم، بؤس وتخلف مرعب على جميع الصعد؟ مكتب نيويورك الذي كان يدار من شقة متواضعة قريبا من مبنى الأمم المتحدة حقق المعجزات مقابل الترسانة الفرنسية التي كانت تدار من سفارتها بجيش من الإداريين والدبلوماسيين والخبراء العسكريين المقربين من البيت الأبيض المرتبط مباشرة بحلف الناتو الذي كان يزود فرنسا بالأسلحة والمعدات لمحاربة جيش سلاحه بنادق صيد. وعندما وضعت الجمعية العمومية القضية الجزائرية أمام تصويت أعضائها في 1961 بعد سنوات من العمل الجبار دبلوماسيا وعسكريا، كانت النتيجة مذهلة، التصويت لاستقلال الجزائر حاز على 63 صوتا بينما تلقت الدبلوماسية الفرنسية صفعة مرعبة بصفر صوت لصالحها وامتناع 38.
الجميل في هذا السرد الأوتوبيوغرافي هو اهتمامها بالتفاصيل الصغيرة التي لا تجد مساحة في كتب التاريخ الرسمية أو الأكاديمية، مثلا كيف كان البحارة الجزائريين الذين ترسو سفنهم في ميناء نيويورك يأتون إلى المكتب ومعهم النقانق “مرغيز” الجزائرية والحلوى من “البلاد” التي يحن إليها العاملون في المكتب كما يسلمون التبرعات التي كانوا يجمعونها من زملائهم البحارة الجزائريين وغير الجزائريين. وعلى صعيد العمل النضالي نعرف من الكاتبة كيف كان المكتب رغم إمكاناته المحدودة يعمل ليل نهار لتكون القضية الجزائرية على صدر الصحف الأمريكية مثل “نيويورك تايمز” حيث ان هذه الصحيفة ذكرت القضية 200 مرة على صفحاتها بين 58 و59 من خلال مراسلها في تونس توم برادلي. هذه تفاصيل قيمتها من ذهب لمن أراد أن يعود إلى تاريخ الثورة السياسية أو العسكرية التي عرفتها الجزائر.
مختفي، بلغت هرم السلطة بعد فترة وجيزة من صولها الجزائر في تشرين الأول/أكتوبر 1962 أي بعد ثلاثة أشهر من إعلان الإستقلال وعملت مساعدة لمسؤول الإعلام لدى الرئيس أحمد بن بلة آنذاك ما يعني أنها عرفت الرجل عن قرب وبعد كل هذه العقود لا تحتفظ له بصورة إيجابية فتنعته بالمتكبر المتعالي الذي يرى أن خلاص الشعب الجزائري لا يتم بدونه. وتتحدث في الكتاب عن مشاريعه الاقتصادية العشوائية الاعتباطية على حد قولها وإزاحة كل معارض له من رفاق فترة التحرير والاستعانة بالدخلاء غير المؤهلين، وهو نفسه تعترف بأنه كان محدود التعليم لكن شعبيته الكبيرة هي التي غطت عن عيوبه لدى الشعب، ولكن ليس لدى رئيس أركان الجيش ونائبه هواري بومدين الذي أطاح به في انقلاب 1965.
تخصص مختفي، حيزا لا بأس به لأحمد بن بلة رئيسا وسجينا من قبل الرئيس بومدين، وتحكي بالتفصيل الطريقة التي تزوج بها صديقتها زهرة سلامي، ومحاولة بومدين الضغط على والد زهرة لرفض طلب السجين الشهير الزواج من ابنته وغيرها من التفاصيل المثيرة التي يغفلها المؤرخون إما لجهلهم أو تجاهلا لها.
حاجة الدولة المستقلة حديثا إلى أمريكية تتقن الفرنسية جعلتها تتبوأ مناصب عليا مختلفة، ولم ينس المناضلون الذين ربطتهم بها علاقة قوية في نيويورك وفرنسا الخدمات التي قدمتها للقضية الجزائرية فأكرموها في الجزائر، وعدا بعض الضغوط من الأجهزة الأمنية وترحيلها مرة في 1974 فإنها عاشت معززة مكرمة. شريف بلقاسم أحد المقربين جدا من الرئيس بومدين تدخل لرفع الحظر عنها وعودتها من باريس إلى الجزائر ما يدل على المكانة الرفيعة التي كانت تتمتع بها. وحتى نضع الأحداث في محيطها، فإن هذه الأمريكية دخلت الجزائر في الأشهر الأولى من الاستقلال، أي في وقت لم يكن في الجزائر سوى حوالي 500 حاصل على شهادة جامعية. ولكن بعد عودتها إلى الجزائر تم ترحيلها نهائيا بعد سنوات قليلة دون شرح الأسباب.
التفاصيل المثيرة التي ترويها الكاتبة لدى وصولها الجزائر عن الممتلكات الشاغرة وكيف أن فرنسية متقدمة في السن رفضت مغادرة الجزائر كما فعل حوالي مليون معمر كان في حوزتها عدد كبير من مفاتيح الفيلات والبيوت الشاغرة تركها أصحابها لديها لتفعل بها ما تشاء فكانت توزعها بشكل عشوائي ومن بين المستفيدين مختفي التي تسلمت فيلا في منطقة “الأبيار” وبعد فترة قصيرة انتقلت إلى وسط المدينة لأن الخيارات كانت كثيرة على حد تعبيرها.
من أقرب المقربين إليها قبل الإستقلال وبعده وزير الإعلام محمد الصديق بن يحي، الذي توفي في تحطم طائرة في 1982 والذي كثيرا ما تدخل لمساعدتها خاصة عندما طلبت منها أجهزة الأمن الجزائرية مغادرة البلاد لرفضها نقل معلومات من زوجة بن بلة التي كانت تقضي أسابيع مع زوجها في سجنه وإيام في بيت عائلتها تلتقي خلالها بأصدقائها ومن بينهم مختفي. تتحدث الكاتبة أيضا عن أصغر وزير خارجية آنذاك ورغم انها التقت عبد العزيز بوتفليقة خلال سنوات عملها مترجمة بين الإنكليزية والفرنسية لكنها لا تعتبره من ضمن الأشخاص المقربين إليها.
مختفي، تعترف في الكتاب أن المرة الوحيدة التي تلقت فيها معاملة سلبية من مسؤولين جزائريين كانت عند تسلم أحمد طالب الإبراهيمي وزارة الإعلام خلفا لبن يحي حيث أقصاها من فريق تحرير مجلة “الجنوب” فكان رد فعل زملائها تقديم استقالة جماعية لتكون النهاية للمجلة التي دام نشرها أربع سنوات رغم معرفتها الشخصية بالإبراهيمي.
من طرائف الكتاب قصتها عن زيارة جمال عبد الناصر للجزائر في اب/أغسطس 1963 وكيف جلس الجميع يتناولون مأدبة العشاء الرسمية في قصر الشعب وعلى المائدة نفسها جلست هي وأعضاء البعثة المصرية وسائقوهم من الجزائريين البسطاء وهو ما لم يتعوده المصريون على حد قولها بينما كان الأمر عاديا بالنسبة للجزائريين الذين وحدتهم الثورة التحررية على مبادئ المساواة والإخاء.
وتخصص الكاتبة حيزا سخيا لحركة أو حزب “الفهود السوداء” التي كانت تمثل السود الأمريكيين وتطالب بمساواتهم مع البيض باللجوء إلى القوة. وإذا كانت الجزائر في بداية الستينيات عاصمة للحركات التحررية فإن الفهود السوداء جعلت من عاصمة الجزائر قاعدة لها ولزعمائها إلى غاية نهاية السبعينيات تحت حماية نظام بن بلة ثم بومدين. في تلك الفترة لم يكن للولايات المتحدة أي تمثيل دبلوماسي رسمي في الجزائر حيث كان البلد المستقل حديثا في أحضان القطب الاشتراكي محسوبا على الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي ومناهضا للإمبريالية ومن هنا منح اللجوء للفهود مثلهم مثل ممثلي فيتنام أو المؤتمر الوطني الافريقي. ما تقصه مختفي، عن حياة “بلاك بانثرز” في الجزائر لا يقل إثارة عن الأفلام البوليسية بداية من حيازة بعضهم الأسلحة إلى العلاقات المباشرة مع ممثلي حركات التحرر الافريقية ومنظمة التحرير الفلسطينية والفيتنامية الشيوعية وفيدال كاسترو وغيرهم. أقول انها خصصت مساحة أطول مما يجب للفهود وربما يعود هذا لبيع الكتاب في أكبر سوق تجارية، الولايات المتحدة.
كانت تحب الجزائر حبا جما وطلبت الجنسية ولكنها قوبلت بالرفض وهو ما تقول عنه انها بعد كل هذه السنوات تعتبره نعمة لما آل إليه البلد الذي كان نموذجا للحركات التحررية والمجتمعات النامية، بلد صنع رجاله معجزات في طريقهم نحو التحرر ليتحول إلى مسرح للتخلف، ولا تتردد في التعبير عن خيبتها المرة أن ترى الجزائر اليوم تتخبط في الصراعات وفي مستوى الفقر الذي يذكرها بفقر الشعب الذي دافعت عنه في الخمسينيات والستينيات.
مختفي، تعيش حاليا في نيويورك وتلقت أخيرا تأشيرة العودة إلى الجزائر التي أبعدت منها في منتصف السبعينيات. تواصل انخراطها في الدفاع عن القضية الفلسطينية التي تلازمها منذ عشرات السنوات لكنها تقول ان شوقها إلى الجزائر أحر من الجمر.
Elaine Mokhtefi: Algiers: Third World Capital
Verso, London 2018.
256 pages.