بيروت-“القدس العربي”: أثارت حياة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال وخاصة فئة الشباب منهم اهتمام المخرجة الفرنسية آن رنوديت، فكان فيلم “أبعد من الموسيقى” الوثائقي. فيلم سجّل خريطة الشتات لشعب يستحيل لقاءه فوق أرض عربية وخاصة فلسطين. ايطاليا وفرنسا وأي بلد أوروبي آخر له هذا الفعل، و”أوركسترا فلسطين للشباب” مثال حي على الشتات والمنع.
“More It’s More Than Music” هو الإسم الذي حمله الفيلم بالإنكليزية. شريط ينساب بلطف كما الموسيقى الحالمة، ينقل بشفافية مطلقة انطباعات الشباب عن حياة شعب حوّلها الصهاينة إلى جحيم. يصور الفيلم وصول أعضاء أوركسترا فلسطين إلى فرنسا. يحلون ضيوفاً على “بروفانس” لإجراء التمارين اليومية على مقطوعات لتشايكوفسكي وناجي الحكيم، وهو مؤلف موسيقى فلسطيني من لبنان، بهدف إحياء حفل على المسرح الروماني التاريخي في مدينة ليون. لقاء تعارف يتم بين المدرب وأعضاء الأوركسترا، وهم آتون من كامل فلسطين التاريخية بما فيها غزّة، ومن الشتات لبنان، مصر، الأردن، أستراليا وغيرها. ويعلن المدرب أنه من النرويج.
هم شباب يشبهون الحبق حين ينمو وتكتمل استدارته، يفيضون حباً للحياة. يحاولون التغلب على كابوس الاحتلال بكل قواهم العقلية والجسدية. فهذا الفيلم الذي تغلغل إلى أعماقهم أظهر فعل الموسيقى في حياتهم، وبالمقابل أظهر من خلالهم مدى وحشية الصهيونية في قتل الشعب الفلسطيني معنوياً ومادياً.
أوركسترا فلسطين للشباب نشأت في معهد إدوارد سعيد في رام الله، وفيه يتدرب الشباب على العزف من كافة أنحاء فلسطين. يتدربون ويلتقون حين يمكنون من التغلب على حواجز الاحتلال. أما في فرنسا فيعجزون عن تصور وصولهم السريع إلى حيث يقصدون. فالحواجز باتت مقيمة بداخلهم وبخاصة قلنديا.
في فيلم “أبعد من الموسيقى” كانت صدفة جميلة مع قائد أوركسترا مرح وحيوي كما أعضاء أوركسترا فلسطين للشباب، ومعهم مجموعة من العازفين الفرنسيين الشباب. اللقاء بين الثقافين، أو لنقل اللقاء بين شباب من فرنسا وآخرين يعيشون تحت الاحتلال والحواجز ترك الأسئلة تنساب دون توقف. عقول الشباب الفرنسيين لم تكن قادرة على استيعاب الأهوال التي يختبرها الفلسطنيون في حياتهم اليومية.
يعتمد الفيلم في جزء منه على مقابلات مع بعض من أعضاء أوركسترا فلسطين للشباب. آراء حملت كماً من الوعي تتميز به الأجيال الجديدة في فلسطين. المخرجة الفرنسية آن رنوديت التي حضرت عرض فيلمها في بيروت، وبرفقتها ابنتها سارة التي تولّت التصوير، وجود مسقلاوي الصبية المقدسية عازفة التشيلو تحدثوا لـ”القدس العربي” والبدء مع المخرجة:
*هل ولد الفيلم بدافع خاص منك كسينمائية أم بتوصية من معهد إدوار سعيد؟
** بل هو مشروع فردي خاص بي. لقائي الأول مع أعضاء الأوركسترا كان في ايطاليا سنة 2012 ومن ثمّ واكبتهم حتى فرنسا بهدف إحياء حفل مدينة ليون.
*ما هي العوامل التي حفزتك لتقديمه؟
** شعرت بوجود فعلي لفلسطين في هذه الأوركسترا. حاولت فهم الروابط التي تجمع الفلسطينيين من الضفة الغربية، غزة والشتات مع الداخل في أراضي 1948. وسألت عن المشترك بينهم جميعاً.
*وما الذي وجدته في بحثك هذا؟
** بالتأكيد أن المشترك هو الهوية الفلسطينية، والمواجهة الدائمة لمحاولات محو الذاكرة الجماعية الفلسطينية. وعازفة التشيللو التي تنتمي لمدينة القدس شاهدة على تلك المحاولات لمحو الهوية الفلسطينية.
تسارع جود لشرح العراقيل التي سعت دولة الاحتلال لوضعها في طريق أوركسترا الشباب الفلسطيني.
**جود: لأن الموسيقى لغة عالمية تساوت مخاوف الاحتلال من الأوركسترا الفلسطينية مع مخاوفها من شتى أنواع المقاومة التي يقوم بها شعبنا. من خلال الموسيقى سافرنا إلى أنحاء كثيرة من العالم، وكنا نشرح لكل من نلتقيه قضية شعبنا مع الإحتلال. وهذا وحده كان يبث الرعب لدى الإحتلال الذي يواصل تسويق مقولته الكاذبة عن فلسطين التي جاء إليها ووجدها دون شعب، وإن وجد فهو غير حضاري. جميعنا تعرض لعرقلة واضحة في عبور الحواجز خاصة عندما تكون بحوزتنا آلة موسيقية. يعرقلون السفر للخارج بقدر ما يتمكنون. نحن أوركسترا فلسطين، ونحن الوحيدون في العالم ليست لنا فرصة التدريب في وطننا مجتمعين. فلسطينيو الشتات ليس لهم حق الدخول. وأنا كفلسطينية من القدس أتمكن من دخول الضفة، وليس لأحد من الضفة أن يدخل القدس. ويدمر جدار الفصل العنصري أوقات وأعصاب الفلسطينيين. أن نتقدم عالمياً كأوركسترا تعزف الموسيقى الكلاسيكية أصعب بما لا يقاس مع غيرنا من الأوركسترات. لهذا نجتهد لنظهر للعالم أننا كأصحاب قضية عادلة نستطيع كذلك اظهار مواهبنا الثقافية للعالم أجمع.
*ماذا عن التدريب ولقاءات الأوركسترا مجتمعة؟
**يستطيع جزء منا اللقاء وإجراء التمارين المحدودة في الضفة الغربية. أما اجتماعنا كأوركسترا تضم 80 عازفاً فهذا يتم على الدوام “برّا البلاد”.
*هل يعني هذا أن الأوركسترا تحظى بالدعم والرعاية الأوروبية؟
** كل سفر إلى الخارج يحظى بدعم ورعاية مختلفة. في 2016 كان لنا حفل في بريطانيا مدعوم من أوركسترا بالم ميوزك. وفي فرنسا كانت لنا رعاية كذلك. وهذا يتم دائماً عن طريق معهد إدوارد سعيد للموسيقى.
*هل تدخل الموسيقى التراثية إلى برنامج حفلاتكم؟
**بالتأكيد خلال جولتنا في انكلترا سنة 2016 عزفنا أغنيات لفيروز مع المغنية ناي برغوتي. دائماً نضيف إلى برنامجنا الكلاسيكي معزوفات تحكي عن هويتنا الثقافية والفنية. وندخل مقطوعات شرقية إلى معزوفات عالمية شهيرة لنقول أن الموسيقى واحدة. ونؤكد كذلك قدرتنا على تقديم ثقافتنا أمام الجمهور، تماماً كما يعزفون هم موسيقاهم الغربية. دائماً يفاجأ الأوروبيون بتمكننا من عزف موسيقى بهذه الصعوبة.
*يسوق الصهيوني صورة وحشية وإرهابية عن الفلسطيني عندما تكونون كشاب من أرقى وأجمل ما يكون ما هي التعليقات التي تصلكم؟
**هدف الأوركسترا، وهدف الموسيقى، وهدفنا نحن كفئة شابة من الشعب الفلسطيني أن نحكي حضارتنا بكل شفافيتها. نعم الذين يستغربون ما نحن عليه يفوقون بكثير من يجدونه عادي وطبيعي. يستغربون مدى انفتاحنا على العالم. ورغبتنا بالموسيقى والحياة الطبيعية. يستغربون قدرتنا على الإبداع في ظل احتلال لا مثيل له في التاريخ. السؤال كيف سنكون بدون الإحتلال؟
نسأل آن برنوديت: هل مررت بمراحل صعبة في تصوير هذا الوثائقي وكم كان عفوياً؟
** أزور فلسطين بشكل دوري منذ عشر سنوات. ومنذ ثلاث سنوات بدأت تصوير الفيلم وعلى مراحل متقطعة بين 2012 و2014. ناقشت التفاصيل بشكل متواصل مع من صورتهم، وهم باتوا معتادين على الكاميرا. لم أخف أبداً التصوير، كانوا يدركون حين أصورهم وكانوا في غاية العفوية.
*النماذج التي اخترتها مؤثرة وشهاداتها على درجة من الأهمية. فكيف تمّ اختيارها؟
** أجريت المقابلات في بيرزيت ورام الله قبل سنة من إنجاز الفيلم وليس في بروفانس. كنت أتمنى لو تمت الحوارات في فرنسا كون التقنيات المتوفرة أفضل. التدريب المكثف لم يسمح بذلك، لكن تلك الحوارات أضيفت على الفيلم وكأنها جزء لا يتجزأ منه. سجلت 12 حوارا كان أحدها يدوم لساعة وأكثر ربما. “ديما” التي قالت بضرورة عدم تقبل الجدار، حين قابلتها في المرة الأولى قالت اشياء عميقة للغاية. أن تقول “ديما” بضرورة عدم تقبل الفلسطيني للجدار، فمن الضروري في المقابل أن لا يتأقلم الفرنسي مع وجود مواطنين سوريين ينامون في شوارع باريس. مما يقوله الفيلم أن أشياء حاصلة في العالم يجب عدم تقبل وجودها. الموسيقى طريقة للمواجهة ولرفض الواقع.
*لاحظنا أن الفيلم ينساب كما السيمفونية من قائد الأوركسترا المرح إلى الفريق الشاب. هل هذا حظ جميل لك؟
**حظي ليس جميلاً فقط مع هذا الفيلم، بل هو جميل في اللقاء مع هؤلاء جميعاً. شباب وصبايا فلسطين الرائعين علّموني الكثير.
*أين عُرض الفيلم حتى الآن؟
** في مهرجانات متعددة منها قرطاج ومهرجانات فرنسية. وإذا رغب أي تلفزيون لبناني في شراء حقوق عرضه فلن أتقاضى كثيراً.
*متى سيعرض في فلسطين؟
** يجب أن أبدل جواز سفري لأنه يحمل الآن فيزا لبنانية كي أتمكن من دخول فلسطين. “تضحك”.
*ما هي الأفلام التي أنجزتها؟
** أعمل في مونتاج الأفلام وأتعاون مع العديد من المهرجانات منها البندقية. “أبعد من الموسيقى” هو الفيلم الأول الذي أوقع إخراجه. هذه الأوركسترا لهؤلاء الشباب الفلسطينيين مدّتني بهذه الفكرة للمبادرة إلى الإخراج السينمائي. في خطوتي التالية أنا بصدد كوميديا موسيقية مع فتيات من بيت لحم وسيكون فيلماً روائياً. سيتناول المجتمع الفلسطيني وبشكل خاص النساء داخل هذا المجتمع. أجد أن النساء في المجتمع العربي لديهن الكثير من الأفكار، وقدر كبير من القوة.
تضحك آن رنوديت، حين نسألها عن سهولة أو صعوبة إيجاد تمويل لفيلم يحكي عن القضية الفلسطينية وتقول:
** ثمة منتج دعمني وكان مؤمناً بالفيلم الذي أردت تصويره.
*هل سعيت لعرض الفيلم في معهد العالم العربي في باريس؟
** فكرنا في عرضه لكن استئجار الصالة هناك يكلف الكثير الكثير من المال. وأتمنى لو تساعديني من خلال معارفك لعرضه. ليس من زمن طويل التقيت جاك لونغ والياس صنبر ولم أصل لنتيجة.
سارة فيو الشابة الفرنسية ابنة المخرجة آن برنوديت عملت لأول مرة كمصورة محترفة مع والدتها في فيلم “أبعد من الموسيقى”. نسألها: صورت شباباً من فلسطين تتماثلين معهم عمراً. ما هي انطباعاتك عنهم؟ وماذا تعلمت منهم؟
** كان مؤثراً جداً أن أرى هذه الطاقة لدى هؤلاء الشباب، كذلك الإرادة والشجاعة، بالمقارنة مع الواقع الذي يعيشون فيه. كانوا مصدر وحي بالنسبة لي، جعلوني أرى بطريقة مختلفة المشاكل التي نعيشها في فرنسا.
*هل تراجع حجم المشكلات في فرنسا بالنسبة لك؟
** أن يتأخر المترو 15 دقيقة نشعر وكأننا في نهاية العالم، هذا لا يقاس مطلقاً بحياة الفلسطينيين تحت الاحتلال ومعاناتهم اليومية.
*هل صارت لك صداقات مع هؤلاء الشباب؟
** بالتأكيد. كثر في فلسطين، وآخرين في فرنسا، وفي أنحاء متعددة من العالم خاصة في أوروبا، وهذا جيد جداً.
“أبعد من الموسيقى” يقفل الستارة على جمهور ليون يصفق لدقائق، والمايسترو يقول للشباب الفلسطيني “كنتم أكثر من رائعين”.