حَنِيف‭ ‬قُرَيْشي‭ ‬يُطارِدُ‭ ‬شكوكَ‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬كأنّ‭ ‬شيئا‭ ‬لم‭ ‬يكن‮»‬

تونس‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬ ‭ ‬:‬ أصدر‭ ‬الروائي‭ ‬والسيناريست‭ ‬البريطاني‭ ‬حنيف‭ ‬قُرَيْشي،‭ ‬المولود‭ ‬سنة‭ ‬1954‭ ‬لأب‭ ‬باكستاني‭ ‬وأمّ‭ ‬بريطانية،‭ ‬سبعَ‭ ‬روايات‭ ‬كانت‭ ‬آخرها‭ ‬روايته‭ ‬‮«‬اللاشيء‮»‬‭ ‬التي‭ ‬نقلتها‭ ‬إلى‭ ‬الفرنسية‭ ‬الجامعيةُ‭ ‬فلورنس‭ ‬كاباريه‭ ‬ونَشرتها‭ ‬مؤخّرا‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬‮«‬بُورْجوَا‮»‬‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬بعنوان‭ ‬LAir de rien ‭(‬ونقترح‭ ‬ترجمة‭ ‬هذا‭ ‬العنوان‭ ‬بـ‮«‬كأنّ‭ ‬شيئا‭ ‬لم‭ ‬يكن‮»‬‭). ‬وهي‭ ‬رواية‭ ‬مَشْهديّة‭ ‬استثمر‭ ‬فيها‭ ‬حنيف‭ ‬قريشي‭ ‬خبرته‭ ‬بالدراما‭ ‬السينمائية‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬موضوعها‭ ‬وفي‭ ‬صوغ‭ ‬حبكتها‭ ‬الفنية،‭ ‬ويسعى‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬الجسد‭ ‬الآدميّ‭ ‬في‭ ‬ارتهانه‭ ‬إلى‭ ‬سُلطة‭ ‬أحواله‭ ‬الأكثر‭ ‬طبيعيّة،‭ ‬بل‭ ‬والأكثر‭ ‬حيوانيّة،‭ ‬كالانتقام‭ ‬والخيانة‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬الشيخوخة،‭ ‬ضمن‭ ‬حكاية‭ ‬تشابكت‭ ‬فيها‭ ‬مصائرُ‭ ‬ثلاثِ‭ ‬شخصياتٍ‭ ‬هي‭ ‬‮«‬وَالْدُو‮»‬‭ ‬المُخرج‭ ‬السينمائي‭ ‬الشهير‭ ‬الذي‭ ‬أجبرته‭ ‬‮«‬سكتة‭ ‬دماغيّة‮»‬‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬شيخوخةٍ‭ ‬إجباريّة،‭ ‬وأفقدته‭ ‬كلَّ‭ ‬قدرةٍ‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬والكلام،‭ ‬وأقعدته‭ ‬على‭ ‬كرسيٍّ‭ ‬متحرِّكٍ‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬الفاخر‭ ‬في‭ ‬حيّ‭ ‬فكتوريا‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬وزوجتُه‭ ‬زينب،‭ ‬ويناديها‭ ‬‮«‬زِي‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬الشابّة‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬معه‭ ‬مجدَه‭ ‬الفنيَّ‭ ‬وسافرت‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬أجمل‭ ‬مُدن‭ ‬الأرض،‭ ‬وظلّت‭ ‬تُظهر‭ ‬له‭ ‬عنايتَها‭ ‬به‭ ‬وتُخفي‭ ‬عنه‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الهشاشة‭ ‬النفسية‭ ‬والإحباط‭ ‬العاطفيّ،‭ ‬وصديقُه‭ ‬‮«‬إيدي‮»‬‭ ‬الشّابُ‭ ‬المَرِحُ‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬قد‭ ‬أوكل‭ ‬إليه‭ ‬مهمّةَ‭ ‬كتابة‭ ‬سيرته‭ ‬الذّاتية‭. 

نافذة‭ ‬على‭ ‬الدّاخِلِ

إنّ‭ ‬الشيخوخةَ،‭ ‬على‭ ‬حدِّ‭ ‬ما‭ ‬يصفها‭ ‬بطل‭ ‬الرواية‭ ‬والدو‭ ‬هي‭ ‬‮«‬طفولة‭ ‬جديدة‮»‬،‭ ‬هي‭ ‬فترةٌ‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬مأساويةٌ‭ ‬وجارحةٌ،‭ ‬تلتقي‭ ‬فيها‭ ‬رغبتَان‭ ‬متناقِضتَان‭: ‬رغبةُ‭ ‬الطّفل‭ ‬في‭ ‬تملُّك‭ ‬الأشياء‭ ‬والأحياء‭ ‬من‭ ‬حوله،‭ ‬ورغبةُ‭ ‬الشيخ‭ ‬في‭ ‬التخلّي‭ ‬عن‭ ‬نفسه،‭ ‬وعن‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬يصله‭ ‬بالحياة‭ ‬من‭ ‬متاعٍ‭ ‬وعلائقَ‭ ‬وأحلامٍ‭. ‬وعلى‭ ‬حبلِ‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬تجري‭ ‬حكايةُ‭ ‬رواية‭ ‬قريشي،‭ ‬وتجرفُ‭ ‬بسُخْريةٍ‭ ‬لاذعةٍ‭ ‬كلَّ‭ ‬ما‭ ‬يعترض‭ ‬مَجْراها‭ ‬من‭ ‬نظامياتٍ‭ ‬اجتماعية‭ ‬وثقافية‭ ‬وعاطفيّة‭. ‬ولعلّ‭ ‬الفنَّ‭ ‬هو‭ ‬السلاحُ‭ ‬الناعِمُ‭ ‬الذي‭ ‬بقيَ‭ ‬ممكنا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬والدو‮»‬‭ ‬ليُعيدَ‭ ‬به،‭ ‬رغم‭ ‬وَهَنِ‭ ‬جسده،‭ ‬ترتيبَ‭ ‬فوضى‭ ‬العالَم‭ ‬وهذيانِه‭ ‬من‭ ‬حوله،‭ ‬وليُخفِّفَ‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬الشكّ‭ ‬الذي‭ ‬يأكل‭ ‬روحَه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صار‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬قطعةِ‭ ‬خُضارٍ‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التحلُّلِ‭ ‬ومحتجزةٍ‭ ‬في‭ ‬كرسيٍّ‭ ‬متحرِّكٍ‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬حياته‭ ‬تتوزّع‭ ‬على‭ ‬زمنيْن‭ ‬متداخليْن‭: ‬فمن‭ ‬جهة‭ ‬هناك‭ ‬زمن‭ ‬الماضي‭ ‬بكلّ‭ ‬مجده‭ ‬الفنيّ‭ ‬الذي‭ ‬وصفه‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬كنّا‭ ‬مثل‭ ‬الرأسماليين‭ ‬نحصل‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬ويصل‭ ‬بنا‭ ‬الأمر‭ ‬حتى‭ ‬إلى‭ ‬سرقة‭ ‬حياة‭ ‬الآخرين‮»‬،‭ ‬وتُحيلُ‭ ‬عليه‭ ‬بَكَراتُ‭ ‬أفلامه،‭ ‬وبطاقات‭ ‬المجاملة‭ ‬المُرسَلة‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬الفنانين،‭ ‬وصورُه‭ ‬مع‭ ‬نجوم‭ ‬الموسيقى‭ ‬والسينما‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬‮«‬جو‭ ‬ستامر‮»‬‭ ‬و‮«‬دنيس‭ ‬هوبر‮»‬،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬صور‭ ‬تكريمه‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬‮«‬كان‮»‬‭ ‬السينمائي‭. ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬هناك‭ ‬زمن‭ ‬الحاضر،‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬مستقبل،‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬قول‭ ‬الناقدة‭ ‬الأدبية‭ ‬كريستين‭ ‬ماركاندييه‭ ‬ضمن‭ ‬قراءتها‭ ‬لرواية‭ ‬قريشي‭ ‬نفسِها،‭ ‬وهو‭ ‬زمنٌ‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬خيار‭ ‬أمام‭ ‬‮«‬والدو‮»‬‭ ‬سوى‭ ‬الاستسلام‭ ‬لخياله‭ ‬وتصوّراته،‭ ‬فنراه‭ ‬يلوذ‭ ‬بهاتفه‭ ‬المحمول،‭ ‬وبكرسيّه‭ ‬المتحرّك،‭ ‬ليتحوّل‭ ‬بجسده‭ ‬المقعَد‭ ‬إلى‭ ‬كاميرا‭ ‬متنقّلة‭ ‬تلتقط‭ ‬وتُسجّل،‭ ‬بارتياب‭ ‬ممزوج‭ ‬بغيرة،‭ ‬كل‭ ‬الملاحظات‭ ‬والمشاهد‭ ‬المتصلة‭ ‬بما‭ ‬يجري‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬ويخاله‭ ‬هو‭ ‬دليلا‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬علاقة‭ ‬غرامية‭ ‬بين‭ ‬زوجته‭ ‬زينب‭ ‬وكاتب‭ ‬سيرته‭ ‬الشاب‭ ‬‮«‬إيدي‮»‬‭. ‬فهل‭ ‬رواية‭ ‬قريشي،‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬ما‭ ‬تساءلت‭ ‬كريستين‭ ‬ماركاندييه،‭ ‬هي‭ ‬مُخَطَّطٌ‭ ‬ميكافيلي‭ ‬لامرأة‭ ‬تستغل‭ ‬عجزَ‭ ‬زوجها‭ ‬الجسديّ‭ ‬لتتمكن‭ ‬أخيرا‭ ‬من‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بالحياة؟‭ ‬أم‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬خيالٌ‭ ‬مُضلِّلٌ‭ ‬يبلغ‭ ‬حدودَ‭ ‬الجنون‭ ‬لمراقب‭ ‬هيتشكوكي؟‭ ‬إنّ‭ ‬الظاهر‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬قريشي‭ ‬جعلها‭ ‬‮«‬نافذة‭ ‬خَلْفية‭ ‬لا‭ ‬تدور‭ ‬عدستُها‭ ‬نحو‭ ‬شرفات‭ ‬الجيران،‭ ‬وإنما‭ ‬نحو‭ ‬شقته‭ ‬الخاصة‮»‬،‭ ‬وجعل‭ ‬منها‭ ‬فيلمَ‭ ‬‮«‬والدو‮»‬‭ ‬الأخيرَ،‭ ‬بل‭ ‬جعل‭ ‬والدو‭ ‬نفسَه‭ ‬مُخرِجَ‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬نعلم‭ ‬مقدار‭ ‬الحقيقة‭ ‬فيه‭ ‬ولا‭ ‬مقدار‭ ‬الخيال،‭ ‬ولكننا‭ ‬نشاهد‭ ‬فيه‭ ‬فصول‭ ‬حياة‭ ‬والدو‭ ‬الشخصية،‭ ‬ونشاهده،‭ ‬وهو‭ ‬يكتفي‭ ‬في‭ ‬عيشها‭ ‬بالرؤية‭ ‬والتخمين‭ ‬والصمت‭: ‬‮«‬ذات‭ ‬ليلة،‭ ‬بينما‭ ‬كنت‭ ‬مكلوما‭ ‬بعجزي‭ ‬الجسديّ‭ ‬ومرضي،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬محتاجا‭ ‬فيها‭ ‬لأنْ‭ ‬يتدهور‭ ‬وضعي‭ ‬الصحيّ‭ ‬والنفسيّ‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬هو‭ ‬عليه،‭ ‬عاد‭ ‬الضجيجُ‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬أنا‭ ‬واثق‭ ‬من‭ ‬كونهما‭ ‬يمارسان‭ ‬الآن‭ ‬الحب‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬زينب‭ ‬المجاورة‭ ‬لغرفتي‮»‬‭.‬

يبدو‭ ‬أنّ‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬جهد‭ ‬الرواية‭ ‬منصبٌّ‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬شخصية‭ ‬والدو،‭ ‬والترحّل‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬حيّزها‭ ‬الشخصيّ‭ ‬إلى‭ ‬حيّز‭ ‬الممكن‭ ‬العامّ‭ ‬لكلّ‭ ‬إنسان

مُتعةُ‭ ‬الشَكِّ

وإذا‭ ‬كان‭ ‬‮«‬والدو‮»‬‭ ‬معاقا‭ ‬جسديّا،‭ ‬فإنه‭ ‬ليس‭ ‬عاجزا‭ ‬تخييليّا،‭ ‬فقد‭ ‬ظلّ‭ ‬متّقدَ‭ ‬الذّهن،‭ ‬ومتوهّجَ‭ ‬الخيال،‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بما‭ ‬يرى،‭ ‬وإنّما‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬يتخفّى‭ ‬وراء‭ ‬ما‭ ‬يراه،‭ ‬إنّه‭ ‬ببساطة‭ ‬يخلق‭ ‬الشكَّ،‭ ‬ثمّ‭ ‬يعشقه‭ ‬ويُصدّقه،‭ ‬ولعلّ‭ ‬كلّ‭ ‬متعةِ‭ ‬رواية‭ ‬قريشي‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشكّ‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬بطلها‭ ‬والدو،‭ ‬شكّه‭ ‬في‭ ‬العالَم‭ ‬من‭ ‬حوله،‭ ‬وشكّه‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬قدرتنا‭ ‬نحن‭ ‬القرّاء‭ ‬على‭ ‬تمثّل‭ ‬حكايته،‭ ‬ذلك‭ ‬أنّه‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬ساهمت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الذكيّة‭ ‬في‭ ‬تكشّف‭ ‬العالَم،‭ ‬زادت‭ ‬من‭ ‬منسوب‭ ‬الشكّ‭ ‬في‭ ‬حقائقنا،‭ ‬بل‭ ‬شوّهت‭ ‬كلّ‭ ‬حقيقة‭ ‬فينا،‭ ‬حتى‭ ‬حقيقة‭ ‬مدينة‭ ‬لندن‭ ‬ذاتها،‭ ‬حيث‭ ‬يراها‭ ‬والدو‭ ‬‮«‬مدينة‭ ‬منهكة‭ ‬ومقبلة‭ ‬على‭ ‬الانهيار،‭ ‬بل‭ ‬سخيفة‮»‬‭. ‬ويبدو‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الشكّ‭ ‬المشوِّه‭ ‬للحقائق‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬رواية‭ ‬قريشي‭: ‬أي‭ ‬كيف‭ ‬يعيش‭ ‬الإنسان‭ ‬مع‭ ‬شكوكه‭ ‬المتزايدة؟‭ ‬لقد‭ ‬وجد‭ ‬والدو‭ ‬طريقة‭ ‬للعيش‭ ‬مع‭ ‬شكوكه،‭ ‬وذلك‭ ‬ليس‭ ‬بتجاوزها‭ ‬وإنّما‭ ‬بتوثيقها،‭ ‬وتمكينها‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬الخيال‭ ‬الكافي‭ ‬لتصير‭ ‬حكاية،‭ ‬لا‭ ‬يهمّ‭ ‬فيها‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬مُشوَّهَة‭ ‬أو‭ ‬مستفزِّة‭ ‬للمشاعر،‭ ‬ما‭ ‬يهمّ‭ ‬والدو‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قابلة‭ ‬لأن‭ ‬تتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬سيناريو،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬مُخرِجَ‭ ‬ذاك‭ ‬السيناريو‭ ‬سينمائيا،‭ ‬ويكون‭ ‬بطلَه‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬ذاته،‭ ‬وقد‭ ‬استعان‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬بمشاهد‭ ‬مرئية‭ ‬أو‭ ‬مسموعة‭ ‬كان‭ ‬سجّلها‭ ‬في‭ ‬هاتفه‭ ‬المحمول‭ ‬لحركة‭ ‬زوجته‭ ‬زينب‭ ‬وكاتب‭ ‬سيرته‭ ‬الشاب‭ ‬إيدي،‭ ‬وبملاحظات‭ ‬عديدة‭ ‬حول‭ ‬سلوك‭ ‬هذا‭ ‬الأخير،‭ ‬عشيقِ‭ ‬زوجته‭ ‬زينب‭ ‬المحتمَل،‭ ‬تكفّلت‭ ‬بنقلها‭ ‬إليه‭ ‬بسريّة‭ ‬تامّة‭ ‬ممثّلة‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬عملت‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬أفلامه‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الشكّ‭ ‬ظلّ‭ ‬يتنامى‭ ‬في‭ ‬روح‭ ‬المُخرِج‭ ‬والدو،‭ ‬مانعا‭ ‬عنه‭ ‬بلوغ‭ ‬أيّ‭ ‬فهمٍ،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحضر‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬الساخر‭: ‬‮«‬عندما‭ ‬نحاول‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬لنا،‭ ‬فإننا‭ ‬نكون‭ ‬دوما‭ ‬مخطئين؛‭ ‬أستحضِرُ‭ ‬خيالي،‭ ‬مثل‭ ‬ساحر،‭ ‬لأضع‭ ‬سيناريو‭ ‬كاملا،‭ ‬وفي‭ ‬الآن‭ ‬ذاته‭ ‬أزدرد‭ ‬ملعقة‭ ‬من‭ ‬مثلجات‭ ‬المانجو‮»‬‭. ‬ولمزيد‭ ‬زرع‭ ‬جذور‭ ‬الشكّ‭ ‬في‭ ‬الحكاية،‭ ‬وفي‭ ‬ذهن‭ ‬قارئها،‭ ‬يعمد‭ ‬الراوي،‭ ‬والدو،‭ ‬إلى‭ ‬الدفع‭ ‬بزوجته‭ ‬زينب‭ ‬إلى‭ ‬السفر‭ ‬إلى‭ ‬باريس‭ ‬صحبة‭ ‬الشاب‭ ‬‮«‬إيدي‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬يُضيِّع‭ ‬‮«‬إيدي‮»‬‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬ليزيد‭ ‬من‭ ‬قلق‭ ‬زينب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬شكوكها‭ ‬فيه،‭ ‬ثم‭ ‬إنه‭ ‬يُظهره‭ ‬فجأة‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الغموض،‭ ‬فإذا‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬ساحر‭ ‬ماهر‭ ‬يُجيد‭ ‬فنّ‭ ‬التلاعب‭ ‬بلهفتنا‭ ‬القرائيّة،‭ ‬ويعرف‭ ‬كيف‭ ‬يشدّنا‭ ‬إلى‭ ‬حكايته،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬لا‭ ‬يبلغ‭ ‬بنا‭ ‬مبلغ‭ ‬تجاوز‭ ‬الحيرة،‭ ‬فلا‭ ‬نعرف‭ ‬منتهى‭ ‬علاقة‭ ‬زينب‭ ‬بالشاب‭ ‬إيدي،‭ ‬هل‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬غرامية‭ ‬حقيقية؟‭ ‬أم‭ ‬هي‭ ‬شطحة‭ ‬من‭ ‬شحطات‭ ‬مخرِجٍ‭ ‬سينمائيّ‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يُتوِّجَ‭ ‬مسيرتَه‭ ‬السينمائيّة‭ ‬بصناعة‭ ‬فيلمٍ‭ ‬خياليٍّ‭ ‬يتجاوز‭ ‬به‭ ‬عجزه‭ ‬الجسديّ؟‭ ‬

يبدو‭ ‬أنّ‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬جهد‭ ‬الرواية‭ ‬منصبٌّ‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬شخصية‭ ‬والدو،‭ ‬والترحّل‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬حيّزها‭ ‬الشخصيّ‭ ‬إلى‭ ‬حيّز‭ ‬الممكن‭ ‬العامّ‭ ‬لكلّ‭ ‬إنسان،‭ ‬ومن‭ ‬العجز‭ ‬الجسديّ‭ ‬إلى‭ ‬القدرة‭ ‬التخييلية،‭ ‬ومن‭  ‬حِكْمة‭ ‬الشيخوخة‭ ‬إلى‭ ‬عبث‭ ‬الأطفال‭ ‬بكلّ‭ ‬شيء‭ ‬حتى‭ ‬بالحميم‭ ‬من‭ ‬حياتهم‭ ‬الشخصية‭. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬لهذا‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬أسمع‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬يتناولون‭ ‬الطعام‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬والذين‭ ‬يديرون‭ ‬صفحات‭ ‬كتاب‭ ‬في‭ ‬ستوكهولم،‭ ‬والذين‭ ‬يمارسون‭ ‬الحب‭ ‬في‭ ‬روما،‭ ‬والذين‭ ‬يُغنّون‭ ‬في‭ ‬مدريد‮»‬،‭ ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬كائنا‭ ‬قد‭ ‬حرّر‭ ‬جسده‭ ‬من‭ ‬أقانيم‭ ‬مجموعته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬سواء‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬منها‭ ‬ثقافيا‭ ‬أو‭ ‬أخلاقيا،‭ ‬بل‭ ‬حرّره‭ ‬من‭ ‬شرط‭ ‬الفيزيائيّة‭ ‬الطبيعية،‭ ‬ومكّنه‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جسدا‭ ‬رائيا‭ ‬لعذاب‭ ‬الإنسان‭ ‬وغموض‭ ‬العالَم‭ ‬من‭ ‬حوله،‭ ‬وراويا‭ ‬لحكاية‭ ‬ذاك‭ ‬العذاب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نميل‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إنّ‭ ‬رواية‭ ‬قريشي‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬رواية‭ ‬الجسد‭ ‬الآدميّ‭ ‬وهو‭ ‬يُطارد‭ ‬شكوكَه،‭ ‬يطاردها‭ ‬خارج‭ ‬فضاءِ‭ ‬معقوليات‭ ‬الدنيا‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية