مونودراما «مولانا» للسوري نوار بلبل: الخروج من عباءة الموروث الديني

نبيل محمد
حجم الخط
1

 يتعذّر على عابد، الشاب البسيط ابن حي الشيخ محيي الدين في دمشق، أن يعلن انسلاخه عن بيئته المحيطة، وأن يرفض ولاية أبيه عليه، ذلك الشيخ المتزمت الذي يريد من ابنه أن يتَّبع خطاه ولا يشذَّ، وألا يكون مثل جدّه الصوفي، وألا يتمثّل بأخلاقيات وطريقة محيي الدين ابن عربي «الله يغفرلوا ويهديه» كما يقول عنه والد عابد، وعلى عابد أيضا أن يبتعد عن صديقه الرسام عمران الذي «باتت رائحته تفوح في الحارة» وفق الأب أيضا.. على عابد أن يحفظ القرآن مقابل خمسة آلاف ليرة سورية ستكون هديته من والده بعد تخرجه من أحد معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم.. كيف سيرفض عابد المسكين كل ذلك؟

عابد هو بطل موندراما «مولانا» من تمثيل وإخراج نوار بلبل، العرض الذي زار إسطنبول، ليقدَّم في قاعة العروض في مقهى لالي كود في أحد الأحياء المعروفة بوجود جالية سورية كبيرة فيها، امتلأت القاعة بأولئك السوريين الذين ربما لم يدركوا قبل بدء العرض أنهم سيكونون في مواجهة مباشرة مدتها ساعة وربع مع شخصية تحاول الخروج من عباءة الموروث الديني، وتواجه المؤسسة الدينية بمنطق شاب يستطيع من خلال حياته البسيطة المحاصرة بهذه المؤسسة، أن يكتشف فسادها وغلّها تجاه الحريات العامة، وتجاه صفاء الروح الذي يبحث عنه هذا الشاب.
ثلاث مواجهات يخوضها عابد في بيئة لا تعطيه أصلا سلاحا قادرا على الصمود به، على الأقل السلاح المعرفي بشكله العلمي والأكاديمي الذي يفقده عابد، المواجهة الأولى مع والده، الذي تطول قائمة المحرمات عنده لتصل إلى أبسط تفاصيل حياة ابنه المسكين، لا موسيقى لا حب لا تدخين «الله خلقنا للعلم والعبادة وخدمة الناس بس» يقول أبوه، إلا أن عابد يدرك تماما أن حَمَلة هذه الشعارات هم ذاتهم من يحددون أسعار السوق، ويظلمون المساكين والبسطاء ويستعبدونهم.
المواجهة الثانية مع صديقه الرسام عمران، الذي ينظّم له أفكاره ضد المؤسسة الأسرية والدينية، والذي يحرّضه على الرفض، ويدعوه إلى الحرية، ويقدّر قيم الحق والخير والجمال التي لا يقدّرها كل من هم حول عابد. يعشق عابد هذه المواجهة ويكررها كلما ضاقت به حياته، فيشعر بالسلام الروحي في مرسم عمران، ويراقب لوحاته التي لا يفهم منها شيئا.
المواجهة الثالثة والأهم هي مع نفسه، فما ورثه من روادع تطفو على السطح كلما شعر بأنه ارتكب موبقة ما، خاصة عندما شعر بالحب تجاه جارته الفرنسية ماري، هذه المواجهة التي تدعوه إلى زيارة ضريح الشيخ محيي الدين وطلب الشفاعة منه، المواجهة التي ستحسم الصراع في النهاية.
يستهدف العرض بجرأة وقسوة كل مكونات المؤسسة الدينية وقيمها الصلبة التي لا تتغير، من الحفظ الحرفي للقرآن، إلى فساد رجال الدين والمؤسسات الدينية التابعة للنظام السوري، التي تخرّج تارة مخبرين في شكل أئمة مساجد، أو جهاديين انتحاريين، وفق ما يرد بالعرض بشكل صريح.
يؤدي بطل مولانا دوره بنزعة واضحة نحو تحريض الجمهور على التفاعل، على الرغم من عدم وجود أداة تفاعلية في العرض، إلا أنه يلعب بشكل واضح على توريط الحاضرين باتخاذ موقف ما، بصراخهم عندما يبدأ الرفض لدى البطل بأخذ شكله المباشر فيصرخ «لا» بصوت خائف، فيما يصرخ الجمهور «لا» بقوة.. لقد أعطاهم الشاب على الخشبة كل المبررات ليؤيدوه في موقفه، الموقف الذي قد لا يأخذه الكثيرون ممن حضروا العرض في ظرف مجرد عادي.. ليس سهلا أن تقول لا وتواجه كل هؤلاء الذين حوالك أهلك، مجتمعك، وحتى النص.
كلما تقدم عابد نحو المواجهة المباشرة، عاد خطوة إلى الوراء ليستجمع قواه مرة أخرى، كما قرر اتخاذ سلوك ما استشار صديقه عمران، وزار ضريح الشيخ محيي الدين، وما إن قرر أن يطالب بحقوقه حتى أعلن بشكل مباشر في وجه والده أنه يريد الذهاب إلى الحضرة المولوية التي طالما رفضها والده، ليقايضه الأب على ذلك بالزواج في رمزية للبراغماتية الدينية السائدة «يا إم عابد من اليوم ورايح بتدوريلنا على عروس لعابد» يشترط الأب.

يؤدي بطل مولانا دوره بنزعة واضحة نحو تحريض الجمهور على التفاعل، على الرغم من عدم وجود أداة تفاعلية في العرض

في الحضرة (المشهد الأخير) يستمر رفض عابد لكل ما هو جامد ومؤطّر بالقواعد، هو يريد الرقص فقط، يريد خلاص روحه بالتواصل مع السماء، لا يريد أن تتقيّد حركته تلك بتعاليم الشيخ عبد القدوس صاحب تلك الحضرة.. وما إن يبدأ عابد بالدوران حتى يخرج كل مافي جوفه من أصوات مكبوتة.. أصوات لا تنادي فقط بحريته الشخصية، بل بحقوق الجياع المشردين في دمشق، وحقوق المعتقلين ومنهم صديقه عمران الرسام، الذي اقتحم الأمن مرسمه وكسروا لوحاته وقادوه معتقلا، ربما بسبب وشاية أحد المشايخ عليه.. يدور عابد حول اللوحات المكسورة التي تركها عمران خلفه، ويكرر الصراخ «عم دور فوق الشام فوق الفقرا والمعترين فوق المكسورين فوق التعبانين والعطشانين والجوعانين.. آآآآآآآآآآآآآخ يا شيخ محيي الدين صدق يا شيخ محيي الدين الشام اليوم فيها ناس جوعانة فيها ناس عطشانة… إيدي بزنارك يا شيخ محيي الدين خدني لعندك تعبت من الظلم والقهر تعبت من صوت آهات الناس… يا ربي أنا بحبك… يا رب أنا بحبك لا تحرمني وصالك عطيني لإعطي الناس من محبتك يا مجيب الدعوات يا رب يا رحيم».
في الذروة التي يصل إليها العرض والتي يلغي فيها كل وسائل التقرّب غير المباشرة من الله، مستعيضا عنها بالصراخ باتجاه السماء، يخرج عابد عن قيوده وعن شخصيته أيضا، لنرى شابا سوريا يناجي ربه للخلاص من كل هذا البلاء المحيط، ليصرخ ويوجه أنامله إلى السماء بطريقة لا توحي فقط بأنه يطلب المساعدة، إنما توحي بالحنق أيضا.. يستمر الدوران لدقائق يمسك البطل فيها الجمهور من حلقه… «اعترف معي أيها الجمهور بأن لا أحد معنا.. لا أحد مطلقا» لن يكون سهلا هذا الاعتراف بالتأكيد، وربما لن يعود بأثر إيجابي على رأي الجمهور بالعرض ككل.. فالأيدي المتجهة إلى السماء في الختام لم تكن أيدي عابد، كانت أيدي نوار بلبل بكل حنقها.. سيخرج من العرض من يتذكر أحقية قضية عابد في مواجهة محيطه الظالم، وسيخرج من لن يتذكر سوى بعض الجمل الصدامية التي قالها عمران وعابد.. «الله لا يحب الفقراء»، «أن أحبك يا رب.. أنا لا أخشاك.. أنا أحبك».. «حتى أنت يا رب».. وسيخرج بطله منهكا من الدوران، ذلك الممثل الذي مشى على شيفرة حادة طوال ساعة وربع الساعة، ورقص جسده حول نفسه وهو المدخن الذي لن يكون من السهل على رئتيه تحمل كل هذا.
يقول نوار بلبل في تصريح لجريدة «القدس العربي» إن عرض مولانا كان يأخذ معنى مختلفا في كل مكان عرض فيه، فعرضه في ألمانيا وفي فرنسا مختلف عن عرضه في إسطنبول، في فرنسا كانت ردة فعل الجمهور بأن ما شاهدوه هو حالة تنويرية يشي بها العرض بطريقة جريئة «إذا كنتم تفكرون هكذا فنحن معكم ومع ثورتكم» هذا ما قاله البعض في فرنسا. أما في إسطنبول فاختلفت ردود الأفعال بحكم وجود جمهور سوري، هنا تشعر بأنك تعرض في مدينة سورية فكل من حولك ينتمي إلى مدينة أو قرية سورية، بعض الناس هنا جاؤوا ليشاهدوا نوار بلبل الذي شارك في باب الحارة، أو الممثل المعروف بموقفه المؤيد للثورة السورية، لكنهم فوجئوا بمضمون العرض، كان يمكنك أن تسمع شهقات الجمهور أثناء العرض.
يكمل نوار أن العرض كان مرآة لتفكير بعض الناس، أغلبهم قالوا نحن إما كنا عوابد (جمع عابد) سابقين، نحاول الخروج من هذه الدائرة. هناك امرأة قالت لي «أنا عابد الأنثى» كانت قد تعرضت لطرد من مؤسسة دينية نتيجة رفضها لممارسات هذه المؤسسة. وبعضهم وجدوا أنفسهم يمارسون ما قد مورس على عابد من قهر.
قصة عابد كانت قبل الثورة السورية، اليوم من الممكن أن يكون عابد هو أي مناضل سلمي في الثورة السورية وفق بلبل، فهو من السلميين الذي تربوا في بيئة محافظة، ثم نهضوا لرفض البيئة ولرفض ممارسات النظام السوري أيضا، الثورة فتحت الباب لنقاش شخصية مثل شخصية عابد.
يرى مخرج وبطل العرض أنه كفنان سوري أصبحت لديه الجرأة لتناول هذا الطرح بفعل الثورة السورية، كما أصبحت عند الجمهور جرأة ليسمعوا طرح كهذا «أنا لم أكن أحلم أن أقدم عرضا كهذا قبل الثورة بالتأكيد» يختتم بلبل.
بطاقة العرض
نص: فارس الذهبي
موسيقى: برتراند لوغرو
تمثيل وإخراج: نوار بلبل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية