■ منذ اللحظات الأولى لإعلان خبر وفاة الفنان جميل راتب دار الجدل حول عالميته وحيثيته الفنية خارج مصر والعالم العربي من ناحية، ومن ناحية أخرى جنسية والدته، هل هي مصرية صعيدية؟ أم أنها فرنسية أباً عن جد؟ طُرحت الأسئلة وملأت مواقع التواصل الاجتماعي، بدون أن يلتفت أحد إلى ما صرح به الفنان نفسه قبل سنوات في معرض الحديث عن هذه الإشكالية، حيث أكد مراراً وتكراراً أنه مصري العرق والهوية معززاً تأكيده بأن جدته هي الناشطة السياسية الشهيرة هدى شعراوي، ولكن يبدو أن الفنان القدير لم يفلح تماماً في إقناع أصحاب التساؤلات الذين تركوا فنه وتاريخه وباتوا مشغولين بجنسية والدته وكينونتها.
هذا هو الجانب الأول من الأسئلة التي طاردت جميل راتب في حياته وباتت تطارده بعد موته، أما الجانب الثاني فيتعلق بعالميته كفنان وممثل قدير، وبالقطع يتم ربط الاستفهام حول حياته وفنه بالمقارنة بينه وبين عمر الشريف، وهو أمر يبدو منطقياً من حيث الشكل، بيد أنه ليس كذلك من الناحية الجوهرية فظروف كل من النجمين مختلفة فعمر الشريف اكتشفه المخرج العالمي ديفيد لين بالصدفة، حيث وقع اختياره بالأساس على رشدي أباظة، وحين تردد أباظة في قبول الفرصة، رأى لين أن عمر الشريف هو البديل المناسب، وبالفعل تعامل الأخير مع المسألة بجدية فكُتب له النجاح وذاع صيته، فصار نجماً عالمياً كبيراً يشار إليه بالبنان، أما مسيرة جميل راتب المحلية والدولية فقد صاحبها جهد كبير، بدأ بالتحاقه بالمدرسة الثانوية الفرنسية وغوايته لفن التمثيل واشتراكه في نشاط المسرح المدرسي وتفوقه فيه، إلى الحد الذي مكنه من الحصول على الجائزة الأولى كممثل في واحد من العروض المسرحية المدرسية وكان الفتى لا يزال في طور المراهقة.
بعد انتهائه من المرحلة الثانوية التحق راتب بمدرسة الحقوق الفرنسية، وفيها انضم لفرقة المسرح وقام بأول بطولة مسرحية له «أوديب ملكاً» وخلق لنفسه فرصة بفضل تفوقه الملحوظ، وحينئذ نصحه المخرج العالمي أندريه جيد بالسفر لفرنسا لدراسة المسرح في باريس، وبالفعل عمل الشاب المجتهد بالنصيحة وسافر، ومن هنا كانت البداية، ولكن المفارقة الكبرى في حياة جميل راتب تمثلت في تحوله عن المسرح الذي درسه وتفوق فيه إلى السينما، التي مثلت له آفاقاً أوسع، وكشفت عن مستوى أكبر لموهبته فأسندت له أول بطولة سينمائية في فيلم «أنا الشرق» أمام النجمة الفرنسية كلود جودار، ذلك الذي جعل منه رسولاً للثقافة العربية في بلاد الخواجات، وبالتحديد في فرنسا، التي أمضى فيها عشر سنوات وعمل خلالها في كثير من الأفلام العالمية المهمة الناطقة بالفرنسية والإنكليزية، ومن أبرزها «لورانس العرب» الذي قام بالبطولة فيه عمر الشريف ليصبح هو الواجهة، بينما يأتي ترتيب منافسة جميل راتب في المقام التالي كبطل ثان للفيلم.
المفارقة الكبرى في حياة جميل راتب تمثلت في تحوله عن المسرح إلى السينما، التي مثلت له آفاقاً أوسع، وكشفت عن مستوى أكبر لموهبته فأسندت له أول بطولة سينمائية في فيلم «أنا الشرق»
وعلى الرغم من تعدد التجارب العالمية للفنان المصري العربي الذي بدأ مشواره من المسرح ممثلاً ومخرجاً واتجه للسينما، ثم عاد للمسرح ليخرج أربع مسرحيات مهمة، هي «زيارة السيدة العجوز» و»اليهودي التائه» «والأستاذ» و»شهرزاد»، إلا أن تقييمه وقف عند عدد قليل من الأفلام التي حظيت بشهرة واسعة ومنها الفيلم الأشهر «لورانس العرب» في تجاهل أو نسيان لبقية الأفلام الأخرى، ما يثير الدهشة من اختصار المشوار والرحلة الطويلة في أعمال تعد على أصابع اليد الواحدة، ولم يُذكر من تاريخ الفنان سوى بعض أفلامه المصرية والعربية كحضوره القوي بالأداء الصوتي في فيلم أسد الصحراء «عمر المختار» ودورة الأميز والأهم في فيلم «الصعود إلى الهاوية»، كذلك بقية الأدوار في أشهر الأفلام المصرية، «حكاية وراء كل باب ـ على من نُطلق الرصاص ـ خائفة من شيء ما، الكيف، جنينة الأسماك، الأوله في الغرام» وغيرها.
وللراحل أرشيف زاخر من روائع الأعمال التلفزيونية التي يستوجب ذكرها للتدليل على تنوع الخبرات، وتعدد الإمكانيات، فهو الشرير والغضوب والعصبي والمثالي وزعيم العصابة، في «أحلام الفتى الطائر، وزينب والعرش، وقال البحر، وفارس بلا جواد، وزيزينيا، والكعبة المشرفة، والراية البيضاء، وضمير أبله حكمت، ورحلة المليون» فكلها مسلسلات ناقشت قضايا اجتماعية حقيقية وكان لها بالغ الأثر في عقل ووجدان الجمهور المصري والعربي، وربما تكون قد حددت الصورة الفنية والإطار المميز لجميل راتب الفنان والإنسان والمبدع بعيداً عن نمطية المقارنات التقليدية بينة وبين نجوم آخرين حصلوا على النصيب الأوفر من الحظ والأقل من الموهبة.
٭ كاتب مصري