قال عبد العزيز رحابي، وزير الإعلام والسفير الجزائري السابق إنه مقتنع أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لن يترشح إلى ولاية رئاسية خامسة، وأن الحملات التي تقوم بها أحزاب الموالاة والجمعيات الدائرة في فلك السلطة تهدف إلى إبقاء الوضع الراهن، حفاظا على مصالحها، معتبرا أن الضجة التي أثيرت حول التغييرات التي عرفها الجيش مؤخرا مبالغ فيها وليست في مصلحته.
*كيف ترى الوضع السياسي الحالي في البلاد؟
**أكيد أن هناك غموضا يرجع أساسا إلى عدم وضوح الرؤية بالنسبة لمستقبل رئيس الجمهورية، الأجندة الداخلية للرئيس غير واضحة. نحن ومنذ تغيير الدستور سنة 2008 دخلنا في نظام الرئاسة مدى الحياة، لذا لا نعلم إن كانت الانتخابات ستجرى في موعدها بعد ستة أشهر، وهل سيكون هناك أي مترشحين، وهل الرئيس سيترشح مجددا، هل وضعه الصحي سيسمح له بذلك، ضف إلى ذلك المخاطر الموجودة على حدودنا والتي تؤثر على الوضع الداخلي، وتقريبا كل الدول المجاورة للجزائر تعيش أزمة سياسية وأمنية. كما أن الأزمة الاقتصادية تؤثر بدورها، لأننا ننتج فقط الغاز والبترول ولدينا مشكل في تنويع الاقتصاد.
*هل الأمور محسومة بالنسبة لترشح الرئيس إلى ولاية خامسة، علما أن الكثير من المؤشرات توحي بذلك؟
**لا أتوقع أن الرئيس بوتفليقة يقول اليوم أو غدا أنه لن يترشح لولاية خامسة. الجزائر تتميز بالرئاسة مدى الحياة، وتركيز كل السلطات والصلاحيات في يد رئيس الجمهورية، لو يقول بوتفليقة الآن إنه لن يترشح لولاية خامسة تنتهي سلطته اليوم، عندما يتحفظ ولا يفصح عن نواياه يصون سلطته. لم أتوقع أن يعلن من الآن أنه لن يترشح، لكن قناعتي أنه لن يترشح لعدة أسباب، الأول صحي، والثاني هو أن الرئيس ليست له أجندة سياسية داخلية، الأجندة تنحصر في زيارات متفرقة لبعض المسؤولين الأجانب كل بضعة أشهر. استقبل رئيس الوزراء الإسباني قبل ستة أشهر، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل قبل أيام. مجلس الوزراء لم يجتمع سوى مرتين خلال السنة الحالية. لو كان الرئيس غائبا أو مريضا في بلد ثان، لسارت المؤسسات بشكل عادي، لكن في الجزائر النظام رئاسي، وكل السلطات في يد رئيس الجمهورية، فلما يحصل شلل في المؤسسة الرئاسية، يتوقف كل النشاط المؤسساتي. لا أعتقد أن البرلمان مثلا يلعب دوره في مراقبة عمل الحكومة، أو أن القضاء حقيقة مستقل، أنظر قضايا الفساد في السنوات القليلة الماضية، والتي تدل على الأقل على أنه لا توجد وقاية في محاربة الفساد، ولا توجد استقلالية تسمح بمحاربته. الاستقلال التام غير موجود في أي بلد، لكن خضوع القضاء التام للسلطة التنفيذية لا يسمح بمحاربة الفساد. ولكل الأسباب التي سبقت أنا مقتنع أن بوتفليقة لن يترشح لولاية خامسة.
*ما الذي يجعلك مقتنعا بعدم ترشح بوتفليقة، لأنه يمكن القول إن وضعه الصحي ليس أسوأ مما كان عليه سنة 2014 عندما ترشح لولاية رابعة؟
**(بوتفليقة) ترشح سنة 2014 على أساس شعار أنه يتماثل للشفاء، هذا ما كان يقوله مؤيدوه في تلك الانتخابات. ليس لدي تعليق على صحة الرئيس، لأنني لست مؤهلا علميا للحديث حول ذلك، لكني أراقب النشاط الرئاسي، فمجلس الوزراء لم يجتمع هذه السنة أكثر من مرتين، أكثر من 80 سفيرا ينتظرون تقديم أوراق الاعتماد، لا يقوم بزيارات داخل البلاد، ولم يخاطب الجزائريين منذ أكثر من 8 سنوات، لا يسافر إلى الخارج، وبالتالي إضعاف التمثيل الدبلوماسي للجزائر، لهذا أعتقد أن الرئيس غير قادر على الاستمرار لولاية جديدة.
*بم تفسر إذن الحراك الذي تقوم به أحزاب الموالاة وبعض الجمعيات والمنظمات الذين يطالبون الرئيس بالترشح، ألا تعتقد أنها مؤشر على نية الاستمرار في الحكم؟
**أنصار الرئيس يؤدون مهامهم ويلعبون الدور المنوط بهم، وهو استمرار النظام الحالي، لأن مصلحتهم في ذلك. الرئيس وضع نظاما قائما على شبكات مصالح قوية وغامضة، تتميز بفضائح الفساد والرشوة والتي مست أحيانا مؤسسات الدولة، وخاصة الحساسة منها، من الطبيعي أن تكون هناك مقاومة للتغيير، أنصار الرئيس جمعوا ثروات ضخمة، نحن من الدول القلائل التي تضمن الثراء والإفلات من العقاب، لهذا لست مستغربا من أنهم نظموا وسينظمون حملات لدعوة الرئيس إلى الاستمرار لولاية جديدة، في حين أنهم يعلمون أنه غير قادر صحيا على أداء مهامه، لأن ذلك مرتبط بمصلحتهم، هذا هو النظام الذي بناه بوتفليقة خلال عشرين سنة من الحكم، نظام مصالح بالدرجة الأولى، نظام ريع. هذا النظام موجود ويريد الاستمرار ويقاوم من أجل ذلك، في حين أن بوتفليقة غير قادر على الاستمرار في الحكم، أعتقد أنه يجب ربما أن نطرح السؤال على الرئيس لمعرفة ما إذا كان مقتنعا بكل ضمير بأنه قادر على البقاء في الحكم لخمس سنوات أخرى، خاصة في ظل التحديات التي تواجه البلد على كل المستويات.
*ماذا سيحدث لو ترشح بوتفليقة وماذا سيحدث لو لم يترشح؟
**أعتقد أنه إذا ترشح بوتفليقة ستدخل البلاد في مرحلة جديدة من الأزمة التي تعيشها حاليا، هناك أطراف جديدة فاعلة، والذين بيدهم القرار يجب أن يدركوا أن هناك فاعلين جدد، وأننا لم نعد في جزائر السبعينيات، وان هناك مجتمعا مدنيا في حالة غليان، وهناك أيضا مواقع التواصل الاجتماعي. الجزائريون يقارنون ما يحدث عندهم ة بما يحدث في دول أخرى، الشباب اليوم موجود في قلب العولمة، لا أظن أيضا أن الابتزاز بالأمن والاستقرار سيكون كافيا لتبرير الإبقاء على الوضع الحالي. الجزائريون في حاجة إلى تغيير، إلى تطور، إلى انفتاح، وإلى الذهاب إلى مرحلة أخرى، هم أيضا بحاجة إلى الانتقال من الشرعية الثورية إلى شرعية جديدة، شرعية العلم والمعرفة وصناديق الانتخاب، البلد في حاجة إلى عصرنة، ليس فقط على المستوى السياسي بل على المستوى التقني. طبيعة نظام الحكم يمكن أن تتطور من خلال الانفتاح والشفافية والتوازن بين السلطات، الضمان الوحيد للاستقرار هو التوازن بين السلطات، في حين أنه في الجزائر كل السلطات مركزة بيد رئيس الجمهورية، حتى وإن كان مريضا. هناك مقاومة شديدة للتغيير لأن هناك الكثير من الريع، وهناك مصالح، فالناس الذين لديهم مصالح مكتسبة أو مغتصبة يريدون الحفاظ عليها.
*وإذا قرر الرئيس بوتفليقة عدم الترشح مجددا ماذا سيحدث، من سيكون المرشح أو بالأحرى من سيكون الرئيس، علما أن مرشح السلطة هو من سيكون الرئيس الجديد؟
**لا أعرف ماذا سيحدث بالضبط، لكن لدي ثقة في قدرة الجزائر على تنظيم انتقال سياسي، والمقصود بالانتقال ليس بالضرورة تغيير أجيال، وإنما نقلة نوعية في الطريقة التي تدار بها شؤون البلاد. الجزائر لديها القدرة على تنظيم انتخابات لخلافة بوتفليقة، الملاحظ هو أن هذا السؤال طرح في كل مرة طالت فترة حكم رئيس، حدث ذلك مع الرئيس بومدين ومع الرئيس الشاذلي، ولكن في رأيي السؤال لا يجب أن يطرح لأن الجزائر لديها القدرة على النهوض وتنظيم انتخابات في أحسن الظروف.
*ما هو الدور الذي سيلعبه الجيش في عملية الانتقال السياسي؟
**الدور الذي سيلعبه الجيش مرتبط بما يريده رئيس الدولة، هل يريد إقحام الجيش في السياسة، هل يريد توظيفه كعامل لتعزيز سلطته، هل يريد استعماله كوسيلة في السياسة الداخلية، أم أنه يريد أن يجعل منه مؤسسة نموذجية من خلال قيادة أركان قادرة على مواجهة التحديات الجديدة. لا أعتقد أن مشكل الجزائر في الجيش، بل في قدرتها على إصلاح نظامها السياسي، بطريقة تدريجية، سلمية، ومتفق عليها.
*من يقوم بهذا الإصلاح؟
**الإصلاح ممكن في أي وقت، في سنة 1996 كان لدينا رئيس اليامين زروال، قرر تحديد الولايات الرئاسية باثنتين، وهذا إصلاح سياسي كبير، ولكن مع بوتفليقة عدنا إلى الرئاسة مدى الحياة. الشاذلي بن جديد بعد انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر1988 قام بإصلاحات سياسية، لكن المؤسف في الأمر أن هذا البلد يتقدم بالقطيعة العنيفة، وليس بالقطيعة الذكية المنظمة، النظام ينتظر أن يقرر بوتفليقة لينظم أموره بعد ذلك، لم نعرف خلافة منظمة وطبيعية أي في وقتها المحدد منذ الاستقلال سنة 1962، لهذا نحن نعيد إنتاج المخاوف نفسها، ونكرر في كل مرة أن الرئيس سيذهب فما الذي سيحدث؟ هذا لأن كل شيء يدور حول المؤسسة الرئاسية.
*لنتوقف عند هذه النقطة، منذ الاستقلال والنقاش قائم حول من يحكم من؟ الرئاسة أم الجيش؟ هل استطاع بوتفليقة أن يغير شيئا في العلاقة ما بين المؤسستين؟ خاصة منذ رحيل قائد الاستخبارات السابق الجنرال توفيق، والتغييرات التي عرفتها دائرة الاستعلامات والأمن (المخابرات)؟
**في الحقيقة لم يغير شيئا، لأن رئيس الجمهورية في النظام الجزائري له سلطة مطلقة بما في ذلك على دائرة الاستعلامات والأمن، لكن الإشكال هل جهاز الاستخبارات له دور دستوري، أم أن صلاحياته تأتي من رئيس الجمهورية، وتحكم بطبيعة العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس دائرة الاستعلامات والأمن؟ جهاز الاستخبارات في كل دول العالم هو الذي يمارس السياسة، الدستور في ألمانيا يسميها مؤسسة الدفاع عن الدستور، في الولايات المتحدة هناك ستة أو سبعة أجهزة استخبارات مختلفة وكلها لها دور مميز، وبالتالي الإشكال ليس في دور دائرة الاستعلامات، الإشكال الحقيقي هو في تهميش العمل السياسي، وإضعاف الأحزاب والمجتمع المدني، وتقوي في المقابل جهاز الاستخبارات ورجال المال والموالاة. كل الصلاحيات في يد الرئيس الآن، رئيس الحكومة في دستور 1996 كانت لديه صلاحيات واسعة، اليوم هو أول الوزراء، الرئيس بوتفليقة رجل سلطة، بنى خلال عشرين سنة سلطة قوية، لكنه أضعف المؤسسات، هل البرلمان اليوم قادر على مراقبة الحكومة؟ هل القضاء فعلا مستقل؟ هل لدينا إعلام؟ القنوات الخاصة الجزائرية مقراتها في الخارج. لم نبن إلى حد الساعة مقرا للتلفزيون، لم نبن مقرا للبنك المركزي، الذي ما زال في المبنى الذي تركته فرنسا، لم نبن مقرا للبرلمان، ما زلنا في المقرات التي تركتها فرنسا، لأن علاقتنا مع السلطة قوية، لكن علاقتنا مع الدولة ضعيفة، الطبقة السياسية في معظمها تشتغل يوميا لتعزيز قوة سلطتها، نحن بحاجة إلى توازن بين السلطات، وكل هذا يعود إلى رئيس الجمهورية، لأن لديه سلطة مطلقة تتجاوز سلطة ملك المغرب. كيف يمكن بناء نظام متوازن في حين أن سلطة الرئيس هي المحرك الوحيد للعمل السياسي؟ بالنسبة للجيش قوته في تنظيمه وقيادته وقدرته على التأقلم وإيجاد حلول للمخاطر الجديد، أن يكون بعيدا عن السياسة لعدم كسر الإجماع حول السياسة الدفاعية والخارجية، إذا أقحم الجيش في السياسة تكسر هذا الإجماع، للأسف بوتفليقة أقحم الجيش في الانتخابات الرئاسية سنة 2014، وهذا لا يخدم الجيش، وبالتالي لا يخدم الجزائر، يجب أن نعود إلى الأساسيات، الإبقاء على المؤسسة العسكرية بعيدة عن السياسة يؤدي إلى تقوية الصلة بين الشعب والجيش. الرئيس الشاذلي قال لي إنه أخرج الجيش من اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير سنة 1989 للحفاظ على وحدته وعلى لحمته.
*هل يمكن أن يكون لدينا في 2019 رئيس عسكري أو سليل المؤسسة العسكرية؟
**ليس هذا إشكالا، معظم الرؤساء منذ الاستقلال عسكريون، بن بلة وبومدين والشاذلي وزروال، وحتى بوتفليقة كلهم كانوا عسكريين.
*هل يمكن للفريق أحمد قايد صالح قائد أركان الجيش أن يكون رئيسا؟
**(يبتسم) هذا السؤال يوجه إلى قايد صالح.
*منذ حوالي ثلاثة أشهر عرفت المؤسسة العسكرية سلسلة تغييرات وإقالات غير مسبوقة، البعض ربطها بقضية شحنة الكوكايين التي تم ضبطها، والبعض الآخر رأى أنها تدخل في إطار ترتيبات لمرحلة مقبلة، ما رأيك؟
**لماذا لا نطرح السؤال بطريقة أخرى، لماذا لم تحدث هذه التغييرات طوال 15 سنة تقريبا؟ التغييرات في الجيوش مثل السلك الدبلوماسي تتم كل أربع أو خمس سنوات. ثانيا لماذا كل هذه الضجة وهذا التضخيم حول تلك التغييرات، التي تذكرني بالضجة التي سبقت تنحية رئيس دائرة الاستعلامات والأمن السابق ( الجنرال توفيق) هذه مؤسسات حساسة، وقرارات التنظيم الخاصة بها يفترض أن تكون سرية، التوظيف الإعلامي للتغييرات في الجيش يمس سمعة المؤسسة العسكرية، الرئيس يريد تقوية الجيش ويمس بسمعته، دخلنا في نوع من الشيزوفرينيا التي لا نجدها إلا عندنا، لا يمكن أن تبلور خطابا يتحدث عن تقوية الجيش وفي الوقت نفسه تسرب معلومات عن طريق قنوات غير رسمية بشأن التغييرات داخل المؤسسة، والتي تدخل في إطار عادي أو غير عادي، الأمران سيان، لهذا أقول هذا توظيف سياسي. نحن نتحدث منذ أشهر عن الجيش، وهذا أمر غير طبيعي، وهذا يعود إلى غياب رئيس الجمهورية، وهذا الغياب جعل الكثير من الأحداث الهامشة تصبح مهمة.
*لكن قضية الكوكايين تحولت إلى قضية دولة، خاصة بعد تصريحات المدير العام للأمن المقال، الذي أعطى كلامه الانطباع أن هناك صراع عصب. ما الذي يجري داخل السلطة؟
**لا أدري ما يجري داخل السلطة، لكنني مقتنع أن الفساد هو الذي سيقضي على النظام، لا الإعلام ولا المعارضة. ذلك لأننا لم نصل إلى درجة من الوعي وصلها العالم منذ خمسين سنة، وهي أن الفساد والرشوة أكبر خطر على النظام والاستقرار، الرشوة أصبحت مقبولة حتى مجتمعيا، الفساد خلال 15 سنة الماضية حل محل القانون، ودخل في قيم المجتمع، بالنسبة لي الرشوة والفساد يحاربان بالإرادة السياسية.
*هل ترى حاليا أن هناك نية لمحاربة الفساد؟
**قضية الكوكايين الأخيرة، ويوجد غيرها، وما خفي كان أعظم، كل هذا عنده علاقة بالسياسة، عندما يتواطأ الفساد مع السياسة والسلطة يضعف القضاء. في القضية الأخيرة، كانت هناك شركة حكومية هي التي تقوم باستيراد اللحوم، تحافظ على مصالح وأسرار الدولة، لأنها تستورد اللحوم لكل الجزائر، وليس للجيش فقط، ثم تقرر منح الاستيراد لشركة خاصة (للمتهم الرئيسي في قضية الكوكايين) بحكم المفهوم الجزائري لليبرالية، مما أعطى صورة سيئة عن البلد بعد اكتشاف شحنة الكوكايين الضخمة، أولا نبدو وكأننا بلد يستهلك كميات كبيرة من المخدرات، وكأننا بلد لديه علاقات مع المافيا الدولية للمخدرات، القضية أعطت الانطباع أن هناك تواطؤا لأجهزة الأمن، وأن هناك قضاء لا يقوم بدوره، وهذا هو المخيف. اليوم بالمال تستطيع فعل أي شيء، المال الفاسد طبعا، لأن المال الحلال يتيح لك فعل ما يسمح به القانون، لهذا الفساد كان دائما المسرع بانهيار الأنظمة أو إصلاحها، أتمنى بالنسبة للجزائر أن يؤدي ذلك إلى إصلاح النظام الجزائري.
*لننتقل إلى ملف العلاقات الجزائرية المغربية التي تعرف توترا منذ فترة طويلة، لكن في الفترة الأخيرة التوتر أخذ أبعادا أخرى، خاصة وأن المغرب يتحدث عن تورط منظمة البوليساريو مع حزب الله، كيف تنظر إلى واقع هذه العلاقات؟
**أولا، لا يوجد شيء جديد في ملف العلاقات الجزائرية المغربية، دخلنا في روتين منذ 1994، أي منذ غلق الحدود البرية بين البلدين، ربما الجديد هو محاولة المغرب إقحام البوليساريو والجزائر مع حزب الله، من أجل كسب ود واشنطن. الرئيس ترامب لا يؤمن بالتحالف التاريخي للولايات المتحدة مع بعض الدول، هذه قراءة جديدة في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية الأمريكية، الإدارة الحالية ليست متعاطفة مع المغرب، بقدر ما كانت الإدارة السابقة، وكذلك المبعوث الأممي الجديد، لديه شخصية قوية، ولا يخضع لضغوط وزارة الخارجية الأمريكية، فالمغرب ينتظر أن يقع تغيير في الولايات المتحدة من أجل إبقاء ملف الصحراء الغربية على وضعه الحالي، على مستوى العلاقات الثنائية بين الجزائر والمغرب لا يوجد مؤشر على أنها ستعرف مستقبلا إيجابيا، تقريبا لا توجد علاقات بين الرئيس بوتفليقة وملك المغرب، هذا له دور في العلاقات الدولية، العلاقات الشخصية لها دور، الملك الراحل الحسن الثاني كانت له علاقة طيبة مع بوتفليقة، أما محمد السادس فتقريبا ليست له علاقات مع الرئيس الجزائري، نحن أمام ملك شاب يهدف للإندماج مع الشمال، في تفكيره الجزائر مجرد سوق ومنبع للسياح، النخب في المغرب وتونس تفكر في الاندماج مع أوروبا وآسيا والولايات المتحدة، والخطاب بخصوص الاتحاد المغاربي لا يوجد إلا في الجزائر.
*بالحديث عن الاتحاد المغاربي، هل ما زال لديه مستقبل؟
**هناك مغالطة تاريخية، عندما تأسس الاتحاد المغاربي نهاية الثمانينيات، بموجب الاتفاق الاستراتيجي بين الرئيس الشاذلي بن جديد والملك الحسن الثاني، تم الاتفاق على بناء الاتحاد المغاربي لأنه طلب شعبي، ولأنه من الضروري مواكبة التطور في العالم، بخلق الاندماج الاقتصادي، وترك قضية الصحراء في إطار الأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الافريقية (الاتحاد الافريقي) حاليا، والجزائر ما زالت متمسكة بهذا الاتفاق، في حين أن المغرب هو الذي تنصل من هذا الاتفاق الذي تم التوقيع عليه في مراكش، عندما وضعت شرطا في تطبيع العلاقات مع الجزائر، أن تتراجع الأخيرة عن مواقفها بخصوص القضية الصحراوية، لا أعتقد أن الاتحاد المغاربي من الانشغالات الأولية والأساسية بالنسبة للمغرب وتونس، هذه الدول تفكر في علاقات استراتيجية مع دول الشمال، التي تمتلك التكنولوجيا، والتي تستثمر، أما نحن فينظر إلينا كسوق، وهذا صحيح، لأننا فشلنا في تنويع الاقتصاد، وينظرون إلينا كمنبع للسياح، وخاصة في الوقت الذي يكون فيه جيراننا في أزمة. الاتحاد المغاربي لم ينجح، ولا يمكن القول إن الجزائر هي السبب في إفشاله، لا يوجد من كان صادقا وسخيا بقدر ما كانت الجزائر، نحن قدمنا أنبوبي غاز يمران عبر تونس ويصلان إلى إيطاليا، وثالث يمر على المغرب ويصل إسبانيا، مع أن الخيار الثاني كان تمريرها عبر البحر مباشرة، كانت لدينا مشاريع لإقامة مصانع بالقرب من الحدود التونسية. نية الجزائر في بناء الاتحاد المغاربي كانت صادقة، لم تكن هناك خلفيات، لا بومدين ولا الشاذلي بن جديد ولا بوتفليقة كانت لهم خلفيات أخرى غير صادقة، المشكل هو أن النخب في تونس والمغرب لا تؤمن بالاندماج المغاربي، لأنهم بدأوا بناء الليبرالية قبلنا بحوالي عشرين عاما، لذا علاقتهم بالغرب وبالاقتصاد الدولي أكثر تطورا من علاقتنا نحن.
*قبل أيام هاجم خليفة حفتر الجزائر، وهددها بنقل الحرب إلى داخل أراضيها، ما تعليقك على هذا التهديد، وما رأيك في الرد الجزائري؟
**أعتقد أن الرد الجزائري كان مسؤولا، أكيد أن هناك توظيفا إعلاميا لتصريحات حفتر، وأخذ بالاعتبار أن ليبيا الآن تعيش مرحلة مخاض وتحاول أن تبني دولة، والتصريح موجه إلى الاستهلاك المحلي لا أكثر ولا أقل. هو أراد أن يعطي شعورا بأن له سلطة تصل حتى الحدود مع الجزائر، لهذا خلافا للموقف المصري أو الإماراتي، الجزائر تسعى للحفاظ على علاقاتها مع كل الليبيين مع كل الأطراف، لأن هذا مهم، لدينا حدود مهمة مع ليبيا، وهناك نفوذ أوروبي في ليبيا، أكثر من 7 دول تدخلت في هذه الأزمة، لهذا كل ما يقرب بين الفرقاء ويهدأ الصراع في ليبيا، يخدم الجزائر، لهذا المغامرات غير مطلوبة في مثل هذه الحالات. الجزائر لديها حدود ملتهبة، ونواجه مخاطر كثيرة، ومن بين المخاطر التي ستواجه بلادنا خلال العشرين سنة المقبلة هي الهجرة السرية على مستوى حدودها الجنوبية، لأن نسبة النمو الديموغرافي في بعض الدول مثل النيجر تصل إلى 6 في المئة، ونسبة النمو تحت الصفر، والجزائر لا يمكن لها أن تؤمن كل حدودها البرية التي تمتد على 6500 كيلومتر. الحدود بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك يبلغ طولها 4500 كيلومتر وهي مؤمنة بشكل كامل، رغم الإمكانيات التي تمتلكها الولايات المتحدة والمكسيك، فكيف يمكن للجزائر أن تؤمن حدودها في الصحراء، والجزائر ستصبح بوابة للهجرة غير الشرعية، نحن من نستقبل مهاجرين غير شرعيين أكثر من أوروبا، الجزائر تستقبل 400 إلى 500 مهاجر يوميا، في الشمال هناك طلب على اليد العاملة وفي الجنوب كذلك، هذه حقيقة يجب أن نفكر فيها، ويجب أن لا نبقيها في مستوى المخاطر، يجب أن نحاول استغلالها إيجابيا، علينا أن نهتم بعلاقاتنا مع جيراننا أيضا، وخاصة في الجنوب، وألا نركز كل اهتمامنا على علاقاتنا مع الغرب.