القاهرة ــ “القدس العربي”: عبّرت دوماً الرواية العربية على اختلاف كُتابها عن التحولات التي شهدتها وعانت منها المجتمعات العربية، بداية من عهد الاحتلال، وصولاً إلى أنظمة سياسية قمعية أكثر قسوة من عهد مضى. فدائماً ما نجد الروائي العربي يحاول عبر مؤلفه وحكاياته أن يجسد وضعاً مأسوياً مأزوماً. وحتى وإن كان يبشر بباقة أمل ما، فهو لم يتخذ من “اليوتوبيا” مثالاً، لكن لا وعيه دوماً كان يؤدي به إلى حكايات يمكن أن نطلق عليها الآن مصطلح “الديستوبيا” الذي أصبح أكثر انتشاراً. وما بين المصطلحين يمكن أن يميل معظم الإنتاج الروائي العربي إلى المصطلح الأخير، بداية من البحث عن الحرية والاستقلال، مروراً بالبحث عن شكل من أشكال العدالة الاجتماعية، وصولاً إلى فساد تام يحياه ويعانيه، محاولاً تجسيد حالات الانفلات منه، ولو عن طريق الحلم الروائي. هنا يبدو الواقع الروائي أشد صدقاً وقسوة، وبات العالم الخيالي الذي تشيده الرواية أكثر صعوبة من عوالم أخرى قديمة حالمة تستند إلى المجاز أو الإسقاط كما كان في السابق. الأمر هنا أكثر تعقيدا وصعوبة، فالخيال أصبح يتماس مباشرة مع الوقائع والأحداث، وصولاً إلى شخصيات بعينها يمكن معرفتها بسهولة.
عالم المدينة الفاسدة
إن كانت اليوتوبيا تعبّر عن المدينة الفاضلة، وما تحمله من قيم يسعى إلى تجسيدها هذا الكاتب أو ذاك ــ حسب المصطلح الأفلاطوني من خلال جمهوريته ــ فإن أسس هذه المدينة تبدو خيالية تماماً، وإن كانت ضداً لعالم الوقائع الذي يعيشه الناس بالفعل، فهي بالتالي ردة فعل على عالم قائم، يعاني بدوره من مشكلات، وما خيال المدينة الفاضلة إلى علاج فلسفي وروائي بعد ذلك. لكن بعد حربين عالميتين، وأنظمة فاشية جعلت من الإنسان مجرد أداة أو فأر تجارب، أو عدداً ضمن مجموع من القطيع، كان الحلم المثالي مجرد طنطنة فارغة، فأصبح الأجدر التعبير عن الوقائع بأدب يواجهه، وهو ما تمثل في عدة أعمال روائية شهيرة، تصوّر فظائع عصرها، منها على سبيل المثال، رواية “1984” لجورج أورويل، ورواية “فهرنهايت 451” لراي برادبوري. وقبلهما جاءت عدة أعمال تصوّر المأساة التي نعيشها، سواء فرض خيالي تماماً، كما في “المحاكمة” لكافكا، أو تصور خيالي مستقبلي، كما في “آلة الزمن” لهربرت جورج ويلز، والتي كتبها في العام 1895.
عالم الأزمات المتلاحقة
وبالعودة إلى عالم العرب نجد محاولات التبشير بعالم جديد، أو تعليق الأمل على حركات ثورية ونضالية، كما حدث في ستينيات القرن الفائت، وحالة المد الثوري الذي طال العديد من البلدان، إلا أن البعض اكتشف أن هذه الثورات ما هي إلا انقلابات عسكرية، لم تؤد إلا إلى المزيد من القمع والتسلط، وتقديس الصوت الأوحد، أو أن الحلم لم يكن هكذا على أرض الواقع. ووسط هذا العالم الكابوسي والقمعي نجد أعمالاً مثل “تلك الرائحة” و”اللجنة” لصنع الله إبراهيم، كذلك بعض أعمال نجيب محفوظ، بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967. لكن الأزمات لا تنتهي، والمعاناة أيضاً، فسيطرت حالة عوالم الرعب الأدبي، والخوف وتجسيده مستقبلاً، ذلك من واقع مفردات الحياة التي يعيشها الكاتب الآن، خاصة وثورات الربيع العربي التي حاولت تجاوز أزمات الواقع السياسية والاجتماعية، أصبحت بدورها أزمة، وأصبح الثوار ومَن يحملون أفكاراً تتسم بالثورية، إما في السجون أو هم مطاردون دوماً، ففاق رعب الواقع بذلك الرعب الروائي. لتأتي عدة أعمال تستشرف مستقبلاً مظلماً لا أمل فيه ولا حلم ــ رغم تفاوت الوعي الروائي ــ نذكر منها على سبيل المثال، “2084 حكاية العربي الأخير” واسيني الأعرج، “حرب الكلب الثانية” إبراهيم نصر الله ــ البوكر العربية 2018 ــ “الانحناء على جثة عمان” أحمد الزعتري، “في ممر الفئران” أحمد خالد توفيق، “نساء الكرنتينا” نائل الطوخي، “عطارد” محمد ربيع، و”الطابور” لبسمة عبد العزيز. هذه الأمثلة بعض من كثير، خاصة وقد شاع الآن وانتشر شكل من الكتابات التي تستأثر بالقراء، ولها جمهورها الكبير، خاصة بين الشباب، فهي مزيج ما بين الرعب والخيال العلمي، وشيء من الأزمات الاجتماعية والسياسية، فلم تعد هذه الروايات مُترجَمة عن لغة أخرى، وبالتالي تتحدث عن عوالم وأماكن غريبة، بل تتحدث عن مدينة وشوارع وأزقة يعرفها الجميع، ورغم تباين هذه الروايات فكرياً وجمالياً، إلا أنها أصبحت تحتل مساحة كبيرة من سوق الكتب.
وماذا بعد؟
يبدو أن هذا الشكل الأدبي والذي انتقلت روحه إلى بعض الأعمال السينمائية ــ التجارب القصيرة خاصة ــ سيستمر فترة ليست بالقصيرة، في ظل هزائم متتالية، وسلطة قمعية تزداد صلفاً يوماً بعد يوم، حتى أن نهايتها ستجعل من البعض يتوجس خيفة أكثر مما هو قادم، في ظل عالم العرب الذي يتنفس الجهل والخوف. ولكن وبعد ديستوبيا الواقع العربي، ماذا عن ديستوبيا التاريخ؟ فالتاريخ العربي منذ نشاته ما هو إلا رواية ديستوبيا طويلة، غزوات وقتل وسبي واستعباد، وفي النهاية توضع لافتة كبيرة يُكتب عليها تاريخ الانتصارات المجيد، حتى أن روائيين يعدهم البعض ــ كباراً ــ تباكوا على سقوط الأندلس، وتناسوا أنهم في الأصل ما هم وأجدادهم المزعومين سوى مجرد محتلين لا أكثر ولا أقل. فالأزمة تنتقل من ديستوبيا المدينة إلى ديستوبيا الوعي، لكن الجيل الجديد قادر على تجاوزها، ولو من خلال الخيال الروائي.