الجهاديون في إدلب بين الاختبار الأصعـب والمصير الأسوأ

حسام محمد
حجم الخط
0

خرجت اتفاقية سوتشي حول الشمال السوري بين الرئيسين التركي والروسي، بتفاهمات واحدة اتفق الجانبان على تنفيذها، إلا إن خطواتها التطبيقية حملت بين طياتها العديد من التفسيرات والمعالم غير الواضحة، لعل أبرز النقاط المبهمة في الاتفاق تتمحور مضامينها في ملفي الاستحواذ على السلاح الثقيل من قبضة المعارضة السورية في المنطقة المنزوعة السلاح، وآلية التعامل مع التنظيمات الجهادية، ذات الرقم الصعب في الشمال.

ولعل ملف الجهاديين من الأكثر تعقيداً في الشمال السوري، لما قد ينتج عنه من تداعيات عسكرية، وردود كارثية على الجانب المدني، حال تعثر احتواء التنظيمات الجهادية دون معارك، إذ يرجح خبراء أن مواجهة تلك الجماعات ستكون من مسؤولية تركيا والمعارضة السورية المعتدلة، فيما لم يستبعد آخرون مشاركة المقاتلات الحربية الروسية إذ ما لزم الأمر. أما على الجانب الآخر، فلم تخرج أي ردود أفعال حقيقية على التفاهم التركي الروسي، إلا إن ما رشحت عنه الأخبار المحلية، تفيد بوجود انقسامات بين التنظيمات الجهادية، منها من يدعو للحفاظ على هيكلية تلك الجماعات، والانسياب وراء بنود الاتفاق، وآخرون يميلون إلى خيار المواجهة، على اعتبارها معركة مصيرية لا مفر منها.

ليست وحدها هيئة تحرير الشام المستهدفة في الشمال السوري، بل هناك تنظيمات أخرى موضوعة على ذات المصير، أبرزها “حراس الدين-الحزب الإسلامي التركستاني، وأنصار الإسلام” وجميع ما ذكر، هي تشكيلات متهمة بالتشدد والتطرف، والنسبة الغالبة منها تم تصنيفها على قوائم الإرهاب الدولي والإقليمي.

الإرهاب الكيفي

 

بالتدقيق فيما تسرب من اتفاق اردوغان – بوتين، يتضح وفق ما قرأه الباحث الدولي في مركز عمران للدراسات أيمن الدسوقي، هو التأكيد على ضرورة التخلص من القوى المصنفة إرهابية والمتواجدة ضمن منطقة منزوعة التسليح المتفق عليها في الشمال السوري.

في حين وردت فقرة تحتمل تأويلات متعددة بخصوص محاربة الإرهاب بكافة أشكاله وصوره داخل سوريا مع وجود اختلاف لدى كل منهما في تصنيف القوى الإرهابية وكيفية التعاطي معها، فتركيا تصنف “ب ي د” وما تفرع عنه من تشكيلات عسكرية وأمنية على أنها إرهابية، بينما تنفتح موسكو عليها.

النفس الطويل

 

تواصل تركيا، وفق ما قاله الدسوقي لـ “القدس العربي”: “العمل على سياسة النفس الطويل وبأدوات متعددة للتعاطي مع القوى المصنفة إرهابية، والمتواجدة في إدلب ومحاولة الفصل بين العنصر السوري والأجنبي، تميل روسيا إلى التعاطي الأمني والعسكري مع ملف القوى المصنفة إرهابية وعدم التمييز بين العنصر السوري والأجنبي ووضعهم في سلة واحدة”.

الباحث، مال للقول أن تركيا ستواصل العمل التدريجي على تفكيك القوى المصنفة إرهابية، والتي يغلب عليها العنصر الأجنبي من خلال توفير الدعم اللوجستي والأمني لفصائل المعارضة للتعامل معها، في حين ستواصل عملية احتواء القوى المصنفة إرهابية والتي تحتوي على نسبة معتبرة من العنصر السوري لفصل العنصر السوري عن الأجنبي وكذلك المتشددين عن الذين انضوا لهذه القوى مضطرين.

أما روسيا فأعتقد المصدر، بأنها ستترك لنفسها حرية استهداف هذه القوى والتعاون مع تركيا أمنياً للحصول على العناصر الوافدة من الاتحاد الروسي للتحقيق معهم.

التقديرات غير الرسمية، تفيد ان الشمال السوري يحتوي على قرابة 9500 مقاتل بين صفوفها، من بينهم لا يقل عن 3500 مقاتل أجنبي (غير سوري).

حلول خفية

 

قائد حركة “تحرير الوطن” العقيد فاتح حسون، قال أن الإعلان الرسمي، أفاد بأن التنظيمات المصنفة إرهابية سيتم التعاطي معها من قبل لجنة مشتركة من المخابرات التركية الروسية، فترجم القيادي هذه المعادلة بأن تلك القوى ستقوم بوضع حلول بعيدة عن السياسة والإعلام والقواعد العلنية الناظمة، وسيتم التعامل مع هذه التنظيمات بطرق وأساليب وتدابير وآليات متعددة ومتباينة، كان قد تم التمهيد والتحضير لها بشكل مباشر وغير مباشر ضمن هذه التنظيمات منذ فترة طويلة، وسيتم اختيار تلك الأساليب والأدوات حسب الموقف ومتغيراته، وحسب التقدم الذي يمكن تحقيقه مع هذه التنظيمات.

مواقف متباينة

 

فهيئة تحرير الشام على سبيل المثال، يوجد في داخلها، وفق ما قاله القيادي في الجيش السوري الحر، تيارات متباينة الموقف من الاتفاق ومن مآلات الثورة السورية، تتدرج بين المتشددة التي لا تقبل بالاتفاق، وطريقة تعاطي فصائل الجيش الحر ومؤسسات الثورة معه، وتعمل على تعطيله بل ونسفه تماما، وتتمسك بأيديولوجيتها القاعدية التي لا تسمح لها بالدخول في العملية السياسية بأي شكل كان.

نسبة هذه التيارات لا تزيد عن 20 في المئة من التعداد العام لمقاتلي الهيئة، كما يوجد داخلها تيارات معتدلة موافقة على الاتفاق شريطة تشديد الضمانات، وتجتهد لعدم حصول أي تماس بينها وبين المدنيين والفصائل الموافقة على الاتفاق، ونسبة هذه التيارات حوالي 80 في المئة من مجمل مقاتلي الهيئة، وتدخل ضمنها التيارات المتأرجحة التي لم تتخذ قرارها بعد وتتريث لحين تقصي الوقائع على الأرض، وهل هناك إمكانية للمناورة على الاتفاق أم لا.

الأدوات الناعمة

 

وبالتالي سيكون هناك اختلاف بطريقة التعاطي مع هذه التيارات، حيث لا يمكن التعامل معها بسوية واحدة وتكتيك واحد، وهنا نجد أن ما يمكن تسميته استخدام الأدوات الناعمة بالتعاطي مع التيارات غير المتشددة سيكون له تأثير أكبر وهو الذي تفضله تركيا وتعطيه الأسبقية على استخدام الأدوات الخشنة ومنها الصدام العسكري من خلال تعاملنا مع مسؤولي الملف.

العقيد فاتح، يرى استخدام الأدوات الناعمة، خيارات ممكنة لفصل التيارات القابلة للاندماج ضمن فصائل الجيش الحر عن التيارات المتشددة وعزلها عنها، وتشكيل جسم عسكري جديد بقيادة جديدة، أما التيارات المتشددة فيمكن أن يُؤْمِن لها ممرات لتخرج من منطقة إدلب إلى منطقة أخرى تحددها هي أو تحدد لها، وذلك كما تم التعامل مع تنظيم “الدولة” في أماكن عدة من سوريا، ومما سبق يمكن أن ينطبق على باقي الفصائل غير الموافقة على الاتفاق كحراس الدين وقسم من الحزب الإسلامي التركستاني والشيشان وغيرهم.

وفي هذا السياق تسعى تركيا إلى استخدام الخيارات البديلة عن الخيار العسكري ما أمكن لتفكيك التنظيمات المصنفة إرهابية، ليس للقضاء على مقاتليها بل لحقن دمائهم ودماء الأبرياء في المنطقة، ولكن لا يستبعد استخدام الخيار العسكري في تفكيك التنظيمات المصنفة إرهابية ان استدعت الحاجة لذلك.

التجربة السعودية!

لا يخفى على تركيا، وفق القيادي حسون، أن هناك برنامج المناصحة الذي اتبعته المملكة العربية السعودية بعد انتهاء حقبة الجهاد في أفغانستان وعودة المقاتلين إليها، ومثل هذا البرنامج يمكن تطبيقه على الأراضي السورية بضوابط ومعايير تتناسب مع الحالة الموجودة، ولا بد للدول التي ينتمي إليها المقاتلون غير السوريين أن تشارك في وضع الحلول وتتحمل مسؤولياتها بشكل قانوني، فالغاية بالمحصلة ليست القتل والغدر بمن شاركنا الدفاع عن أهلنا ولو أخطأ، بل الغاية إيجاد الحلول المناسبة التي تحقق مصلحة الثورة وتحقن الدماء.

وأضاف، تركيا تتمتع بثقة مختلف أطياف المقاتلين في سوريا، وهي أدرى بطريقة التعاطي مع هذا الملف وخباياه، وهي لا ترغب بالاشتباك المسلح إلا بعد استنفاد كل الخيارات الأخرى، وأعتقد أنه ستكون هناك حلول مرضية لكل ذي عقل وتدبير.

في حين استبعد خبراء سوريون توجه تركيا لإنهاء الجيش السوري الحر في المناطق التي ينتشر فيها الجيش التركي، وعلل الكثيرون ذلك، بأن أنقرة تسعى لفرض قوتها وقوة الحلفاء المحليين في سوريا، كخطوة مضادة للمشروع الأمريكي الذي يدفع بالوحدات الكردية نحو الحدود التركية، في حين لا ترغب تركيا ببقاء الشمال السوري معقلاً للتنظيمات التي تصنفها إرهابية، وتميل للحصول على واقع مستقر حتى لو مؤقتاً ريثما يتوافق المجتمع الدولي على صيغة تفاهم عامة لكامل الأراضي السورية تحدد مستقبل سوريا بعيداً عن تفرد النظام السوري بالسلطة منفرداً.

نهاية مأساوية

 

أما الباحث والمحلل السياسي السوري خليل المقداد، فكانت وجهة رؤيته مختلفة، إذ قال لـ “القدس العربي”: “في الحقيقة، الأمر لا يقتصر فقط على المقاتلين الأجانب، فهناك الكثير من المجموعات المحلية الرافضة للتسوية الأخيرة، وتسليم السلاح، وما صدر من نفي لأخبار تسليم الأسلحة الثقيلة في المناطق المتفق عليها دولياً، ولكن عندما نتحدث عن الهيئة أو جيش العزة أو الفصائل الجهادية، فهنا لا مجال للحديث عن تسليم السلاح، على اعتباره نهاية للعمل المسلح، ونهاية للعناصر أنفسهم، وحتى لو استسلمت تلك المجموعات، ستكون نهايتهم مأساوية، خاصة المقاتلين الأجانب “غير السوريين”، فهؤلاء سيقاتلون حتى النهاية، خاصة التركستان والقوقاز، وسينضم إليهم الكثير من رافضي الاستسلام والاتفاقيات المذلة.

المقداد لم يستبعد أن يشهد شمال سوريا، ولادة تنظيمات أو فصائل جديدة بعد التطورات الأخيرة، وما يحدث في إدلب، وفق ما قاله ليس نهاية الصراع، بل هو مرحلة من مراحله ستنقله إلى واقع وآفاق جديدين، قد توحد رافضي الاستسلام في كيان واحد.

المعركة آتية

 

علينا التمييز بين التشكيلات الجهادية والمعتدلة، فالأخيرة ستكون رأس حربة بمقارعة الجهاديين، لذلك علينا حسب المقداد، صراع فصائلي دموي، أما الخيارات المتاحة أمام الجهاديين، فهي القتال فقط، وأي احتمال دون ذلك فهو نهاية محتومة لهم، وهؤلاء ليست لهم منافذ أخرى، ما سيجعلهم يتخذون أساليب حرب العصابات ومعارك الكر والفر.

الجهاديون أنفسهم، سواء هم من اختاروا الحرب أو لم يختاروها، فإن الاتفاق واضح المعالم، وتتمحور أهدافه للقضاء عليهم، ومن هنا يمكننا القول أن المعركة مرحلة واقعة، والمساعي تتجه لحل هيئة تحرير الشام، وإن رفضت سيتم قتالها، وفي حال تفكيك الهيئة، ستنضم مجموعات منها إلى فيلق الشام أو غيره من التشكيلات، أما بقية المجموعات فيتم التعامل معها بالسلاح والمواجهة.

خيارات تحرير الشام

 

خيارات الهيئة ضئيلة، حسب الباحث المقداد، ليس لها سوى الرفض أو القبول، فالقبول يعني الموافقة على تفكيكها واندماج عناصرها مع الفصائل المعتدلة، والرفض يعني اختيار الحرب، وبالتالي يبقى مفتوحاً على كافة الاحتمالات، ربما معارك جزئية، وربما الخروج من المنطقة.

وهنا، الحدث مرهون بطبيعة التفاهمات التركية الروسية، والأمريكية الروسية، والتركية مع هيئة تحرير الشام، فالهيئة أدخلت الجيش التركي إلى الشمال السوري باعتقادها أنه ربما شيء مرحلي، تستطيع تجاوزه لاحقاً، ولكنها اليوم أمام استحقاق مصيري، وهنا لا يمكن التنبؤ بما قد تولده الأيام القليلة المقبلة.

ومع إعلان تركيا عن بدء تطبيق اتفاق المنطقة منزوعة السلاح في الشمال السوري، تبقى كافة الاحتمالات مفتوحة على مصاريعها، حول الملف التالي لرسم الحدود بين مناطق النظام السوري والمعارضة عبر الجيشين التركي والروسي، وهو ملف الجهاديين، وما هي الطريقة التي اتفق عليها الزعيمان للتعاطي مع الملف في الشمال، وما هي الوسيلة التي ستتبع لمعالجة الحدث الأخطر والأبرز في المشهد السوري اليوم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية