كتاب البروفيسور فيليب سالم “الانتصار على السرطان”: المعرفة وحدها ليست كافية والخوف هو عدوك الأول

ريمون عطاالله
حجم الخط
0

كتاب إنساني عن مرض إذا ما دخل جسد إنسان، لا يخرج إلا منتصراً. انه كتاب البروفيسور فيليب سالم: “الانتصار على السرطان ـ المعرفة وحدها ليست كافية”. الكتاب موجه إلى مرضى السرطان وعائلاتهم، مع الاعتراف بأن كل عائلة تختلف عن الأخرى، وكذلك نفسية كل مريض. الكتاب خلاصة عمل 50 عاماً مع مرضى السرطان الذين في نظر البروفيسور سالم، كلهم أشخاص مميزون، وانه كان له الشرف ان يرافقهم في رحلاتهم العلاجية التي وصلت بينه وبينهم إلى علاقة حب من نوع لا يعرفه إلا طبيب ومريض متعلق بالحياة.
يقول البروفيسور سالم في كتابه الصادر حديثاً عن دار “كوارتيت” ان قصص والده وهو طفل كانت فكرتها الوحيدة: الثقافة. والثقافة هي التي دفعته إلى وضع هذا الكتاب الذي بلور تجربته مع السرطان، وعبره يريد تثقيف مرضى السرطان عن المرض وعن الوسائل الفنية والعلمية للتغلب عليه وفي رأيه كلما زادت معرفة المريض بالسرطان وعن علاجه كلما زاد حظه في الشفاء.
عندما تخرّج من كلية الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1965 كان ينوي التخصص في جراحة الكلى، لكن تصادف ان صديقة له اصيبت بسرطان المبيض ورافقها في رحلة عذاباتها الجسدية والعاطفية والنفسية. لم يكن علاج السرطان قد تطور، لكن ما أثاره ان الأطباء المعالجين لم يكونوا يصغون لقلقها كما لم يظهروا أي تعاطف. لم تكن أجوبتهم صريحة، الأمر الذي وضعها في حالة نفسية وعقلية صعبة. هذه التجربة المريرة دفعته إلى التخصص بداء السرطان، وإلى ان يكون طبيباً مختلفاً “طبيباً إنسانياً”. وأوصله هذا إلى مدينة هيوستن في ولاية تكساس الأمريكية حيث بدأ في معالجة مرضى السرطان، وغرق في الأبحاث المتخصصة في اكتشاف علاج له.
من خلال تجاربه تعلم ان المعرفة لا تكفي، فالمصاب بالسرطان يريد الوصول بسرعة إلى طبيبه عندما يحتاجه. يريد مراقبة يومية للمرض والعلاج. ويريد دعماً نفسياً، يريد أملاً ومثابرة، وحباً وعاطفة.
يرى البروفيسور سالم ان الأمل والمثابرة أساسيان في التغلب على السرطان، وهذان ضروريان أيضاً للطبيب.
يقول: يجب ان يعرف الأطباء انهم لا يعالجون مرضاً، انما أناس يعانون من هذا المرض. يشرح: كطبيب انا مقتنع بأنه إذا لم أعالج الإنسان المصاب بهذا المرض فلن أكون قادراً على إيجاد الأفضل لمعالجة المرض نفسه. من هنا جاء في عنوان الكتاب “المعرفة لا تكفي”.
يسلسل حياة إنسان عرف للتو انه مصاب بمرض السرطان، يقول البروفيسور سالم: انها بداية الرحلة وعليك ان تعرف ان الخوف هو عدوك الأول. يشلك عندما تريد ان تأخذ قرارات مهمة. صحيح أنك تخاف من السرطان، لكنك تخاف أكثر من نتيجته، وتخاف من وقعه على عائلتك. انه أمر طبيعي ان تخاف لكن لا تستسلم، تجاوز الخوف والجأ إلى المنطق لتستطيع ان تأخذ القرارات الصائبة. عليك ان تتعلم عن السرطان الذي أصابك وعن علاجه، تشارك مع أطبائك وشارك في طريقة اهتمامك بنفسك. ان المريض الذي يبدأ بهذه الخطوات يكون قد بدأ طريقه نحو الشفاء. تأكد أنك لست وحدك، هناك كثيرون في مثل وضعك، وهناك كثيرون كانوا مصابين بالسرطان والآن عادوا إلى الحياة الطبيعية.
تتساءل: هل أنت مصاب حقاً بالسرطان؟
إذا شك الطبيب في وجود ورم صلب يأخذ عينة من الأنسجة. ينصح بأخذ رأي آخر حول النتائج من متخصص لديه خبرة طويلة ومعرفة. يؤلم البروفيسور سالم ان السرطان لا يغزو الجسم في ليلة واحدة، يأخذ وقته داخل جسم الإنسان الذي عندما يزور الطبيب يكتشف ان السرطان كان موجوداً في الجسم منذ عدة سنوات. سبب قوله هذا، الا يستعجل المريض الشفاء، فالسرطان ليس “حالة طوارئ” ليبدأ العلاج في اليوم الأول. لهذا يدعو المريض إلى التصرف بطريقة منضبطة ولا يستعجل: ثقف نفسك، أقم حواراً مع طبيبك.
بعد رحلة التشخيص، يدخل المريض المرحلة الثانية من رحلة العلاج. هذه تعني وصف الطبيب للمرحلة التي وصلها السرطان في الجسد. وعما إذا كان تمدد إلى مناطق أخرى غير متوقعة. ثم يقول: ان كل مرض سرطان مختلف عن الآخر.
وهو يعترف بأن مرض السرطان يشكل تحدياً للمرضى والأطباء. المرضى يريدون الشفاء والأطباء يريدون إيجاد العلاج المناسب. ثم ان السرطان يحتاج إلى عدة أطباء يتشاركون في الرأي والمعرفة والتجارب والاقتراحات. ورأى في ما يسمى “تجمع الأطباء” حالة ثقافية، إذ لا طبيب يعرف كل شيء والمعرفة الطبية في تغير وتقدم مستمرين، ومن المستحيل لطبيب بمفرده ان يطلع على كل الدراسات والتقدم في كل المجالات الطبية. وفي “تجمع الأطباء” يتعلم هؤلاء من بعضهم البعض.
يحكي البروفيسور سالم عن حالة إحدى المريضات جاين، “تجمع الأطباء” رأى ان تعالج بالأشعة والكيميوثيرابي من دون الحاجة إلى العملية، كان رأيه مخالفاً، جاين تحتاج إلى العملية أولاً، ثم تعالج لاحقاً بالأشعة والكيميوثيرابي، فالورم في الدماغ. وهكذا كان، وعاشت جاين بعد ذلك أكثر من 10 سنوات.
يدخل سالم في حالات المرضى عندما تتقرر لهم العملية، فالكل يطرح الأسئلة نفسها والكل يريد ان يعرف العلاج بعد العملية، يقول انه يشجع المريض على الإتيان بعائلته معه عندما يكون الاجتماع حول خطة العملية والعلاج. يركز كثيراً على من سيقف إلى جانب المريض، كما يركز على ان يكون فريق عمله حاضراً ليتعرف على المريض ويرتبط به “عاطفياً”.
يتحول في كتابه إلى الأطباء الذين لا يعقدون لقاءات مع مرضاهم، لذلك يحث المريض على لقاء طبيبه ليعرف كل خطط العلاج. يحكي عن العلاجات المتوفرة لمرض السرطان. بعض المرضى يحتاجون لعلاج الأشعة، وبعضهم يحتاج فوراً إلى العملية، اذ بعض حالات السرطان، إذا اكتشفت باكراً تنتهي بعملية من دون علاج بالأشعة، لكنه ينصح المريض بالاستمرار في الفحص المنتظم حتى ولو قال له الطبيب انه شفي تماماً “لأن السرطان في بعض الأحيان يعود”. وإذا عاد فمن الضروري معالجته بسرعة، وهو في مراحله المبكرة.
في كتاب “التغلب على السرطان” يحكي عن الأنواع الثلاثة للأشعة التي تستعمل لعلاجه، ثم يصل إلى “العلاج الطبي الداعم” وهدفه التحكم في تعقيدات السرطان وعلاجه، وجعل حياة المريض طبيعية قدر المستطاع، لأن السرطان نفسه، من دون العلاج، له آثار سلبية، أبرزها التعب مما يؤدي بالمريض إلى حالة من التوتر النفسي مع عواطف متقلبة انما جياشة. وكل حالة تعب تحتاج إلى علاج مختلف. ثم هناك الألم الذي يسببه السرطان أو العلاج، فالورم يسبب ألماً إذا حرك خلايا الأعصاب المحيطة به، كما ان لجلسات الكيميوثيرابي تأثيرات جانبية مؤلمة جداً، خصوصاً ان الفم يلتهب بتأثير نوع من هذه الجلسات.
ويصل البروفيسور سالم في كتابه إلى قوة تأثير الأمل، والمثابرة، والحب والعاطفة في القضاء على مرض السرطان، فالحب يعطي الشجاعة ويجعل المريض يشعر بقيمته من هنا أهمية ان يحب الأطباء والممرضون مرضاهم، لأن حبهم لهم يدفعهم للاستمرار في العلاج بميل إضافي ويمنعهم من اليأس.
يلوم أمراً واقعاً، وهو ان الأطباء يقضون سنوات في التدريب على الإجراءات الطبية والعلاج، ولا يتدربون إطلاقاً على إظهار أو التعبير عن عواطفهم لمرضاهم. بعض الأطباء يشعرون بأن التعبير عن العاطفة ليس من اختصاصهم، فعملهم هو معالجة المرض فقط.
يطلب من الأطباء ان يجعلوا قسماً من عملهم زرع الأمل في قلب المريض، تماماً كما يطلب ذلك من العائلات والأصدقاء كي تبقى نظرة المريض إيجابية. ويرى ان قول الحقيقة عملية حساسة جداً وليس مفيداً إبلاغ المريض دفعة واحدة عن مرضه والعلاج. الحقيقة يجب أن تأتي تدريجياً. “لا أقترح ان يخفي الطبيب معلومة مهمة، لكن المريض قد يغرق في الكثير من المعلومات إذا أعطيت له دفعة واحدة. فالحالة النفسية يمكن ان تمنع المريض من الإصغاء إلى أي شيء بعد تشخيص اصابته، خصوصاً إذا كانت خطيرة. أعتقد اننا نساعد المريض إذا أعطيناه المعلومات حسب أولوياتها، وتدريجياً”.
ينهي البروفيسور سالم كتابه بالقول انه كرس حياته للمزيد من المعرفة والاهتمام بتثقيف مرضاه. التزم كل حياته ان يكون قرب مرضاه يستمع إلى مخاوفهم وقلقهم وعواطفهم وعلى ان يساعدهم على التمسك بالحب والمثابرة والعمل، في المقابل يقول انه تعلم من مرضاه أكثر مما تعلم من الكتب. ويتمنى للمصابين بالسرطان ان تنتهي رحلتهم بالانتصار على الغازي البغيض.
كتاب: “التغلب على السرطان ـ المعرفة وحدها لا تكفي” يجب ان يقرأه الأطباء المتخصصون في معالجة السرطان، فالبروفيسور سالم المشهور بأبحاثه حول هذا المرض، لم يبخل في وضع ملخص عن بعضها خصوصاً فيما يتعلق بالتقدم الذي وصل إليه العلم. والكتاب جدير ان يقرأه المصابون بهذا المرض، فهو يتضمن قصص زملاء لهم عانوا منه وانتصروا عليه، كما يجدر بالأصحاء قراءته فالإنسان لا يعرف ماذا يخبئ له القدر، والكتاب يتضمن إلى جانب المرض والمرضى حالات نفسية لأصحاء أدركوا فجأة أنهم به مصابون. صحيح كلنا نطلب من الله ان يبعد عنا، وعن الجميع هذا المرض، لكن نصيحة فيليب سالم بعدم الخوف، نصيحة ثمينة، لأن الخوف في حد ذاته قد يكون المسبب الرئيسي لانتصار السرطان على الإنسان.

Dr. Philip A. Salem: “Defeating Cancer: Knowledge Alone is Not Enough”

Quartet Books, London 2018

184 pages.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية