إسماعيل فهد إسماعيل
رحل فجر يوم الثلاثاء 25/9/ 2018 في الكويت الروائي إسماعيل فهد إسماعيل عن عمر ناهز 78 عاما، بعد أن قدم للمكتبة العربية قائمة طويلة من الإصدارات الأدبية وصل عددها إلى 42 عملا إبداعيا، توزعت ما بين القصة والرواية والنص المسرحي، وقد نعته رابطة الأدباء الكويتيين في حسابها على موقع “تويتر”.
كانت آخر أعمال الفقيد رواية صدرت مؤخرا حملت عنوان “صندوق أسود آخر” تناول فيها قضية المواطنين الكويتيين الذين يطلق عليهم صفة (البدون) ولعل هذه القضية ليس من السهل على أي كاتب أن يتجرأ ويتصدى لها، نظرا لما تكتسبه من حساسية أمام المشرع الكويتي، وقد تركت بفعل تجاهلها وعدم معالجتها تداعيات عميقة في المجتمع الكويتي، دفع ثمنها أجيال من الآباء والأبناء والأحفاد، من بعد أن حملوا في داخلهم صراعا داخليا يؤرجحهم ما بين شعور بالانتماء إلى البلد الذي ولدوا فيه، وإحساسهم بأنهم مهمشون ولا ينتمون إليه طالما يتم التعامل معهم على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية. ومن المفارقات أن الراحل أطبق جفنيه بعد أن كان يصغي في الليلة التي سبقت رحيله إلى قراءات نقدية لروايته الأخيرة أثناء الاحتفاء ببدء الموسم الثامن للملتقى الثقافي في الكويت، الذي يتولى إدارته الكاتب طالب الرفاعي.
في العام الماضي 2017 ترشحت روايته الموسومة “السبيليات” إلى القائمة القصيرة ضمن جائزة البوكر العالمية بنسختها العربية، وهذه الرواية تبدو الأقرب في الكشف عن شخصية الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، فمن المعروف أن سيرته الذاتية تشير إلى انه من مواليد مدينة البصرة العراقية عام 1941 وقد انتقل مع عائلته للعيش في الكويت في مرحلة مبكرة من طفولته، فأكمل تعليمه هناك ونال شهادة البكالوريوس في الأدب والنقد من المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت.
قارئ رواية “السبيليات” لن يجد صعوبة في تلمس مساحة الحنين التي كان يحملها في داخله تجاه قرية “السبيليات “، المكان الأول الذي رأى فيه نور الحياة وجمال الطبيعة المطلة على شط العرب، وقد اختفى الكاتب الراحل خلف قناع أم قاسم، الشخصية المحورية لهذه الرواية، التي حملت عنوانا فرعيا “ما لم يرد ذكره من سيرة حياة أم قاسم”. وملخص متنها الحكائي يسرد قصة عائلة تعيش في قرية “السبيليات” تقع الى الجنوب من مدينة البصرة العراقية، بسبب الحرب التي نشبت بين العراق وإيران تضطر مرغمة على أن تغادر إلى مدينة النجف، بعد أن تصدر القيادة العسكرية العراقية بيانا ترغم من خلاله جميع سكان القرى القاطنين في القرى والبلدات القريبة من ساحات المعارك، بان يخلوا مساكنهم خلال مدة أقصاها ثلاثة أيام. وأشار بيان القيادة، الذي أذاعته سيارة جيب عسكرية كانت تحمل مكبرا للصوت، إلى أن حالة الاستنفار لن تستغرق أكثر من ثلاثة أشهر ثم تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه، لكن وقائع الحرب ومجرياتها تطول وتدخل عامها الثاني ولم تتوقف طبولها عن القرع، فتقرر أم قاسم أن تعود إلى قريتها مع الحمار الذي يحمل اسم “قدم الخير” لأجل أن تنقل رفات زوجها من مدينة الناصرية التي دفن فيها أثناء رحلة نزوحهم. فتعود أم قاسم إلى القرية لتواجه الحرب بما تملكه من عشق للمكان الذي تنتمي له، فتنشأ بينها وبين الجنود العراقيين الذين يرابطون هناك علاقة وثيقة تحمل الكثير من الإشارات حول حقيقة الوشائج التي تربط الإنسان بالمكان الذي يولد فيه، وعن عمق مشاعر الفقدان التي تجتاحه ما أن يبتعد عنه، إضافة إلى التساؤل الجوهري الذي تطرحه الرواية حول جدوى الحرب.
لا شك في أن غياب إسماعيل فهد إسماعيل سيترك فراغا كبيرا في المشهد الإبداعي العربي، بعد أن كان واحدا من الأسماء التي تعد على أصابع اليد التي وضعت حجر الأساس في مسارالكتابة السردية في منطقة الخليج العربي. ولا يختلف اثنان من بين النقاد ومؤرخي الأدب على أنه الأب الروحي للرواية في الكويت، حيث أصدر روايته الأولى “كانت السماء زرقاء” عام 1970 وتبعها بروايات أخرى أبرزها: “المستنقعات الضوئية، الحبل، الضفاف الأخرى، ملف الحادثة 67، الشياح، النيل يجري شمالا(البدايات)، النيل يجري شمالا (النواطير)، الطيور والأصدقاء، خطوة في الحلم، النيل الطعم والرائحة، إحداثيات زمن العزلة، الشمس في برج الحوت الحياة وجه آخر، قيد الأشياء، دوائر الاستحالة، ذاكرة الحضور، الأبابيليون، العصف، يحدث أمس بعيدا .. إلى هنا، الكائن الظل، سماء نائية، طيور التاجي في حضرة العنقاء والخل الوفي، الظهور الثاني لابن لعبون، السبيليات” .
سبق للكاتب الراحل أن نال جائزة الدولة التشجيعية في مجال الرواية عام 1989 وجائزة الدولة التشجيعية في مجال الدراسات النقدية عام 2002.