الجزيرة تحت البحر توثيق العبودية في الواقعية السحرية

حجم الخط
0

د. علي الصكرحصلت الروائية التشيلية ايزابيل الليندي (68 عاما أمريكية الجنسية منذ عام 2003) على جائزة الأدب القومي التشيلي لعام 2010 لتتوج بها قائمة طويلة من التكريم والشهادات الفخرية. ومع ذلك فان الروائية الليندي كانت موضع هجوم اكبر النقاد في أمريكا اللاتينية مثل الناقد روبرتو بولانو الذي يرى أنها تستعير أجواء غابرييل غارسيا ماركيز بل وتكتب بقلمه. ‘ماكينة الكتابة’ كما يسميها النقاد كتبت سبع عشرة رواية ومجموعة قصصية منذ عام 1982 لحد الآن. في روايتها الأخيرة (الجزيرة تحت البحر) (صدرت بالعربية عن دار دال للنشر والتوزيع بترجمة صالح علماني 2010) تخلط ايزابيل الليندي السرد الواقعي التاريخي بالسحر والخيال والأسطورة معا لتنتج رواية ملحمية تسجل للقهر والذل في ظل نظام العبودية البغيض وتطمح لتكون رواية أجيال من طراز (جذور) اليكس هايلي. ان ركون الروائية الى الواقعية السحرية لا يحول البتة دون التزامها الصارم بالمسار التاريخي التوثيقي لذا فهي تعمد الى تقسيم روايتها الى قسمين وتعنون الأول: سان دومانغ 1770- 1793 الذي يبدأ بوصول السيد فالموران من باريس الى جزيرة سان دو مانغ في الكاريبي ليخلف أباه المحتضر في ملكيته لآلاف العبيد في مزارع قصب السكر التي تملكها الأسرة، سان دومانغ مستعمرة فرنسية هي الآن جمهورية هاييتي. تمهد (زاريتيه) لرواية الأحداث وهي في سن الأربعين وتتبادل السرد مع الراوي العليم. زاريتيه (تيتي فيما بعد) عبدة من غينيا يشتريها السيد فالموران الفرنسي وهي في العاشرة من العمر لتخدم زوجته الأسبانية. تتعلم الطفلة الزنجية شيئا فشيئا وتتقارب كثيرا مع الاسبانية الطيبة التي لا تطيق العيش في الجزيرة والنظر الى مشاهد جلد العبيد وتعذيبهم فتمرض وتصاب بالجنون وتعتزل حياة الأسرة وتحل تيتي محلها تدريجيا في إدارة المنزل ورعاية ابن السيد البكر (موريس)، وفي الليل يدعوها السيد الى فراشه بإيماءة بسيطة فتلبي صاغرة كما ينبغي للعبدة المملوكة. كان السيد فالموران قد اغتصب عبدته لأول مرة وافتض بكارتها وهي في الحادية عشرة وأثناء مرض الزوجة الطويل وعزلها في غرفة أخرى لتنام تحت تأثير الأفيون يصبح الذهاب الى فراش السيد آخر أعمال تيتي اليومية الروتينية. وحسب نظام الرق فإن ما تنجبه العبدة المملوكة هو ملك للسيد أيضا لذا يأخذ السيد ابن تيتي الأول ليهبه الى عشيقة فرنسية عاقر. لا تجرؤ تيتي أبدا على السؤال عن طفلها بل تمارس عملها اليومي بصمت وتنجب ابنة أخرى لكنها هذه المرة تتوسل الى السيد أن لا يبيع طفلتها فيوافق على بقاء (روزيت) في المنزل لتتربى مع ابنه لكنه يرفض بشدة أن يناديها الولد (أختي) ويجبره على ابتلاع الصابون كلما فعل ذلك. يتعلق الطفل الفرنسي الأشقر (بأمه) السوداء وأخته الخلاسية تعلقا كبيرا فهو لا يكاد يذكر أمه الحقيقية التي تموت بعد انزوائها الطويل.

بعد اندلاع الثورة الفرنسية وسقوط الملكية في باريس يضطرب الوضع في الجزيرة. العبودية ملغاة في فرنسا ولكن ليس في مستعمراتها. ينشا الصراع على الجزيرة بين الملكيين والجمهوريين الذين يستعينون بجموع العبيد الغاضبة فيحسم النزاع لصالحهم ويفر السادة البيض من الجزيرة. وعند هجوم العبيد على المزرعة تعرض تيتي على السيد إنقاذ حياته وابنه بمساعدة احد قادة الزنوج مقابل حريتها فيوافق ويوقع بيد خائفة مرتعشة وثيقة حريتها هي وابنتها. القسم الثاني من الرواية عنوانه (لويزيانا 1793-1810) حيث يلتجئ ملاك الأراضي البيض الى لويزيانا الفرنسية (التي يبيعها نابليون فيما بعد الى أمريكا). يشتري السيد فالموران مزرعة جديدة وعبيدا آخرين ويشرع مرة ثانية بزراعة قصب السكر. لا تستطيع تيتي التمتع بحريتها وتستمر بالعناية بالطفلين. يتزوج السيد مجددا من فرنسية بيضاء تكره تيتي والطفلين بطبيعة الحال وتسعى لإنجاب الوريث فلا تنجب الا الإناث. يستعر حقدها وتجلد تيتي بالسوط الذي تحمله معها دوما. يستشيط موريس غضبا فينتزع منها السوط ويضربها فيبعده أبوه عن البيت لسنوات في مدرسة عسكرية داخلية في بوسطن وتبعد روزيت الى الراهبات كما تطرد تيتي من المنزل. في بوسطن يتعرف الشاب موريس على الليبراليين الأمريكان الداعين الى إلغاء العبودية التي يمقتها هو أصلا. يقرر الاقتران بروزيت رفيقة صباه فيغضب الأب ويكشف له أنها أخته فيذكره الشاب بأنه كان يجبره على تناول الصابون اذا نطق بهذه العبارة!! يهدده بالطرد والحرمان من الثروة فيجيب الشاب بأنه لا يريد هذه الثروة المعجونة بدماء العبيد وأن اول شيء سيفعله حين تؤول اليه هو تحرير العبيد. يصاب الأب بالشلل ويرحل موريس ليجوب المدن الأمريكية كداعية لإلغاء نظام الرق. تختتم تيتي السرد مثلما بدأته من نفس المشهد وهي ترقص رقصة الزنوج الطقوسية على وقع الطبول الأفريقية غارقة في الحلم: (لأن العبد الذي يرقص عبد حر). لا يبدو لجوء ايزابيل الليندي إلى الواقعية السحرية مجرد استعارة شكلية لعوالم غابرييل غارسيا ماركيز ذلك لأن ذاكرة العبيد الجمعية ومعاناتهم الطويلة منذ (الاصطياد) في أفريقيا ثم الشحن في عنابر سفن القراصنة مع قيود للرجلين واليدين الى البيع في المزاد العلني الذي يشمل فحص الأسنان والأعضاء مثل المواشي الى العمل المضني تحت سياط المراقبين والجوع والمرض والاغتصاب الجماعي للبنات في حفلات السادة الصاخبة، كل ذلك يحتم اللجوء الى الحلم بأسطورة الخلاص الذي يبدو مستحيلا فيبرز السحر والرقى والتعاويذ والطوطم كأحد الحلول وبموجبها يؤمن العبيد بأن الزعيم الأسود الذي يحرقه البيض حيا مربوطا الى عمود في الساحة العامة يتحول إلى بعوضة محلقة تفر من الموت. أما المحارب الزنجي الشاب الشجاع فلا يموت في المعركة هو أيضا بل يتحول الى ذئب يجوب البراري. في النهاية تنعم تيتي بحريتها بموجب الورقة الموثقة من القضاء الأمريكي لكنها تعرف جيدا بأن العبودية قد تنتهي لكن التمييز العنصري ضد السود لم ينته بعد ولن ينتهي قريباً. * كاتب عراقي مقيم في اليمن [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية