‘خريطة الحالم’ لمحمود الرحبي:
إبراهيم الحجرييضعنا عنوان رواية ‘خريطة العالم’ للكاتب العُماني ‘محمود الرحبي’ أمام مساءلة كبرى لهوية الملفوظ وإمكانية تأمل مراميه وغاياته الملتبسة الدلالة، فحتما هو عنوان شاعري، لكنه يملك إمكانية كبرى على التزحلق خلف ظلال المعاني المشتبكة بالذات والكون الذي تنتمي إليه هذه الذات.
إنه يرتبط بنظرة الذات إلى العالم من خلال ملفوظ الخريطة التي تقترح بديلا لما هو كائن، والخريطة هي فلسفة سياسية أكبر منها أنطولوجية، لذلك فهذه المقولة هي أقرب إلى وضع تصور مغاير يحمل رؤية نقدية مواربة. وله علاقة أيضا بالذات من خلال كلمة ‘حلم’، فالحلم أقرب المكونات إلى التقاط صور الذات الهاربة والمستترة والمتداخلة. وهذه الرواية وإن كانت أقرب إلى السيرة الذاتية أو المذكرات اليومية، فهي أيضا رواية سجالية تجابه أسئلة الذات ومكوناتها الفلسفية بمنطق الحوار والعقل والحياد، وتلامس فكرة العنصرية والتطرف والأحكام المسبقة التي توقع الذات في الغالب في أخطاء جسيمة قد تؤذي بصورة الثقافة والإنسان، وهي هفوات في التفكير يؤدي إليها التعصب الجاهلي للفكرة والأنا، ليضع الصورة العامة في تشويش خطير واهتزاز مرعب قد يكلف الحضارة قروناً من الزمن لتداركهما.
يتمظهر العامل الذات، بطل الرواية، في صورة شاب في مقتبل العمر يعمل مؤذناً وأستاذاً لعلوم الدين بحسب اختصاصه في الشريعة الإسلامية، وكان راضياً ومستكيناً إلى هذه الحياة الهادئة الساكنة والروتينية في آن معاً، إلى أن يأتي يوم يتلقى فيه رسالة من الموارد البشرية لدولته تطلب منه أن يعد نفسه للسفر إلى نيوزيلندا، فيخبره المسؤول في الوزارة أن لديهم برنامجاً لتأهيل بعض أئمة الجوامع لدراسة اللغة ثلاثة أشهر وهمس في أذنه ‘سافر تغنم’. تبدأ رحلة العامل الذات إلى الفضاء الجديد، عندما يسافر ويتعرف إلى هذا العالم المختلف من خلال تفاعله مع المحيطين به من المرأة العجوز التي سكن في دارها، ثم المعهد الذي يتعلم فيه اللغة، وكذا الأصدقاء المتحلقين حول طاولة العشاء في المساء… فكان أول شيء أدركه هو دقة التخطيط لدى الآخر النيوزيلندي وضبطه للمواعيد: الحافلة تصل في موعدها، حياتهم خالية من تشنجات القلق، الوضوح هو أساس كل العلاقات، استيعاب الآخر بنقائصه.
وهنا تلعب الذاكرة دوراً حاسما في حياة العامل الذات في الرواية، إذ يستحضر متراكمه السابق عند كل منعطف، ليأخذ دور المرآة العاكسة لصورة ماضية – حاضرة لفرد يتماهى في جماعته الدينية – ذات الأصول الإسلامية الراسخة، وما بين حضارة هذا المجتمع الذي يتخذ من القانون الذي ترعاه الدولة والذي يتسم بالديمقراطية أساساً لرقابة النفس ومحفزاً قويا لدى الناس العاملين: ‘لذلك فإن الفرد يكون المحامي المباشر لنفسه ولدولته، فتكون بذلك الراحة ثمناً في حد ذاتها، وليست نتيجة لإرضاء أحدٍ أو مسؤول’. وتشكل الذاكرة زاد الهوية الشخصية للعامل الذات، بحيث بات مهووسا بمقارنة ما يعيشه في بلده، وما يراه مسطرا أمامه على أرض الواقع، فعلم أن كثيرا مما يصله عن هذه المجتمعات هو مجرد إشاعات مغرضة، ووجد أن هذا المجتمع منظم بشكل جيد، ومهيأ بما فيه الكفاية لامتصاص نقط التشنج وبؤر التصدع المحتملة.
إن النيوزيلندي، كما صورته الرواية، لا يعيش على ما لا ترسمه الذاكرة، بل يعيش حاضره وهذه العملية لا تغطي الجزء الثقافي من الماضي بل أيضاً الجانب الاجتماعي والسياسي منه، وهنا يصحح بطل الرواية أفكاراً خاطئة كان قد تلقاها في حياته السابقة عن عقيدة النيوزيلندي، وتنجلي هذه الحقيقة بوضوح عندما تخبره المرأة العجوز التي يقيم في بيتها ‘بأنها تحترم ديننا وتعرف منذ زمن بعيد عبارة ( السلام عليكم) وكلمة ( القرآن) (…) وأخبرتني بأنها تقضي نصف نهار كل أسبوع للتعبد في الكنيسة، وهذه المدة تراها كافية للخلو والتقرب إلى الله…’. تمثل ‘خريطة العالم’ أكثر من رواية. هي اكتشاف هام للمختلف عنا، وإنصات عميق للذات وهي تجابه الآخر وتصاديه، فلكي نفهم النيوزيلندي أكثر، يتوجب علينا أن نتعرف على البنيات المعرفية التي يعيش في إطارها النيوزيلنديون، وطبيعة المؤسسات التي تقوم عليها الدولة، فقوة هؤلاء محصلة من التجربة التاريخية المتميزة والجهد المتواصل لإعادة تأهيل الأسس المتينة للدولة، بشكل يضع نصب الأعين طبيعة العصر، والأزمة التي يواجهها، وهذا هو سر نجاحهم وتميزهم عن الآخرين.
على مستوى الخطاب السردي، تدخل الرواية ضمن ما يدعى بالمحكي الذاتي، حيث يروي السارد حكايته بضمير المتكلم، على شاكلة المذكرات أو السيرة الذاتية، وفعلا، تصنف هذه المرويات، لولا المقولة التجنيسية التي ذيل بها الكاتب مؤلفه، ضمن جنس السيرة، لكون الراوي يحكي يومياته في شكل مسرود شخصي بشكل تعاقبي يحترم الصعود في الزمن والحركة في المكان. الراوي هنا يقوم بوظيفتين:- وظيفة الحكي، حيث يروي مشاهداته وما صادفه من أحداث في المقام النيوزيلندي بضمير المتكلم.- وظيفة الفعل، إذ يشارك الراوي في بناء الأحداث بتفاعله مع الوقائع، وتعالقه مع باقي الشخوص الروائية التي ساهمت في تحريك العالم السردي ‘العجوز، الأصدقاء، الخال، المضيفات، رجال أمن الطائرة، الأصدقاء، الصديقة التي تعرف عليها وأحبها هناك في نيوزيلندا.
ومن منظور آخر، أعتبر أن النص عبارة عن رحلة ذاتية من البلد الأصلي للكاتب إلى بلدة نيوزيلندا التي لم يكن يعرف عنها شيئا، بل هم الآخرون لا يعرفون شيئا عن بلده كما يصرح في أحد المقاطع بأنهم لا يعرفون إلا دبي ومصر بحكم منظر الأهرامات. وعليه فالنص له ميزة أدبية وقيمة إثنوغرافية لا يستهان بهما في هذا الزمن، إذ على الرغم من سيطرة وسائل الإعلام، فما زال الكثيرون لا يعرفون بلدانا برمتها ولا حتى مواقعها على الخريطة. وقد حمل النص بوصفه عملا سخر جزءا كبيرا من محكيه للمقارنة بين البلدان ووصف عادات وتقاليد الشعب المضيف وثقافته وجغرافيته، الكثير من المواد التي تسمح بأخذ فكرة ولو مبسطة عن ثقافة الشعب النيوزيلندي، ودياناته، وأخلاقه، ومستواه الحضاري، وهذا الدور الذي لعبه الرحالون المسلمون والعرب في القرون الوسطى، حيث كانوا من جهة يعرفون بالإسلام والحضارة الإسلامية، ومن جهة أخرى كان ينقل إلى المسلمين صورة عن ثقافة الشعوب التي رحل إليها أو أقام بها مددا متفاوتة من الزمن، وكان ابن بطوطة الرحالة المغربي الشهير أول من طرق أبواب هذه البلدان البعيدة وعاشر أقوامها وعرف فيها بالإسلام. ولعمري إن هذا النص يسعى إلى القيام بنفس الجهد من خلال هدمه للصورة النمطية التي نكونها خطأ عن الإسلام، وكذا من خلال وضع الهوية الذاتية في ميزان المقارنة.
لقد وصف المجتمع النيوزيلندي من حيث ثقافته المتشبعة بروح العصر والمسايرة للركب، كما وصف القوم بكونهم أناسا يحترمون أنفسهم بقدر ما يحترمون الآخرين، ويأخذون الأمور كلها بعين العقل، ويضعون الأفكار والقرارات في مصفاة المنطق الذي يحكمه العصر دون تعصب أو تطرف للذات والهوية والقضية. ومن ناحية أنثروبولوجية، وظف الروائي منظور الأسرة الأبيسية في التنشئة الاجتماعية والثقافية للفرد، حيث أن الخال، وهو المهيمن على ابن الأخت حد التماهي سواء من حيث ما تتداوله النظم والأعراف أو على الصعيد الديني حيث تدعو النصوص إلى الحذر من كون الابن يتبع الخال. لكن هنا الكاتب يكسر هذا العرف بنظرته النقدية التي تحول المنظور الخالوي إلى منظور ضيق لا يتوفر على أدنى شروط الحياد والموضوعية والعلمية.
لقد لعب محمود الرحبي في هذه الرواية القصيرة على واجهتين: واجهة الرواية كشكل مهيمن الآن على الساحة بالنظر إلى مستوى التداول مقارنة مع باقي الأجناس الأدبية، وفي نفس الوقت يراهن على أفق الرحلة الذي عاد الآن بقوة إلى الواجهة بحكم ما يتضمنه من أبعاد جمالية ودلالية تحتاجها الأسئلة البشرية الآنية، الشيء الذي منح هذا النص الروائي نكهة قرائية مميزة تراهن على المعنى دون أن تنسى نصيبها من الجمال. * ناقد وقاص من المغرب