يوميات زينة دكاش ونزلاء سجن رومية في وثائقي ’12 لبناني غاضب’: بيروت ـ ‘القدس العربي’ ـ من مازن معروف: بعد تقديمهم العرض الأول لمسرحية ’12 لبناني غاضب’، عاد كل سجين إلى نزله ‘المؤقت’، وبكى. تعرّف كل منهم على كائن توارى لسنوات داخله. أدركوا أن ثمة خطأ ما، ربما في سلوك سابق اتسموا به، أو في لسان حالهم المتفرج على الزمن السائل بحسب دالي. استمرار حبسهم يعني الخضوع المحض للزمن، لتمريره من تحت أقدامهم دون أن تتاح لهم فرصة الاستفادة منه باستثمار قدراتهم وصورتهم كذلك. إنهم منتظرون. منتظرون فقط. أو هذا ما اعتقِد قبل أن تقرر ‘الفتاة’ زينة دكاش القيام بشيء ما. ربما لم يجرؤ أحد من قبل على الدخول في مناخ السجناء وانتشالهم من بؤس ما يعيشونه نفسيا واجتماعيا داخل السجن. في مسرحية ’12 لبناني غاضب’، شُرعت أبواب كثيرة أمام المتفرجين. كان هناك أكثر من قيمة تستحق الوقوف عندها: الطاقة التي وظفها كل سجين – ممثل لإقناعنا بالشخصية التي لعبها، الثقة التي عكست توقهم لتكوين ملمح آخر عنهم، الانكسار الذي ابداه البعض امام المتفرجين والذي كان في الواقع كسرا لصورة سلبية محددة واستبدالها بنيغاتيف صورة أخرى ‘أكثر إنسانية’ وعدلا. الاكيد أن هناك من كان غير مؤمن بعمل دكاش وأخذ يفكر بالكلمات التي سيستعملها لمجاملتها بشأن المسرحية، ضاحكا في سره وملتفتا فقط إلى مجهود المخرجة الدينامية. إلا أن هذا لم يحصل، فزينة قطعت الطريق على هؤلاء بإنجازها مع فريق عمل مؤلف من خمسة واربعين نزيلا، مسرحية ’12 لبناني غاضب’، لأن العمل، وإن حافظ على وحدوية المكان، وانغلاقه على ذاته ( طاولة يتحلق حولها اثنا عشر محلفا للبت في جريمة قتل ارتكبها صبي بحق أبيه) وذلك عطفا على حوار يحتدم على مدى اكثر من ساعتين، إلا أنه لم يكن محمولا فقط على وسادة النص القوي إذ بدا الموقوفون شديدي الإصرار على عكس وجه مغاير لما تصورناه. لم تكن براعتهم لسبب اكاديمي، أو ‘ثقافوي’ فلا أحد منهم حظي بفرصة دراسة المسرح من قبل، ولا وُضِع سابقا وجها لوجه أمام شخصية مكتوبة لتجسيدها، بل لم يكن ليخطر له أن سجنه سيكون سببا لاكتشافه الكنز الدفين المخبأ في ذاته. لذلك فإن الطبيعية التي تحلّوا بها أثناء قيامهم بتجسيد الادوار، بدت كبيضة من الذهب في العمل، والكبريت السري الذي أفضى اشتعاله البطيء إلى إذابة رهبة الحضور. إلا أن هذه ‘التلقائية’ التي اتسم بها الممثلون لم تكن سوى ثمرة عمل دكاش مع الفريق ( نزلاء سجن رومية) والذي امتد لحوالي ثلاثة أشهر. وهذا ما لم نكن نتبينه لولا الفيلم الوثائقي ’12 لبناني غاضب’ والذي عرض في سينما ميتروبوليس ـ بيروت في الفترة ما بين 2 ايلول ( سبتمبر) إلى 14 ايلول (سبتمبر). الفيلم مشغول بمنأى عن الدراما قدر الإمكان، أو بتخفيفها إلى الحد الأدنى، وبالتالي العمل على عكس زوايا من شخصية كل سجين بعد اكتشافها، أي إلزامه على الخوض في مساحة أخرى يمتلكها لكن لا يمتلك مقومات الدخول إليها واكتشاف خباياها. وثائقي دكاش الحائز على ثلاث جوائز دولية من بينها جائزة الجمهور في مهرجان دبي الدولي للأفلام، يعمل بأسلوب الفيلم الروائي، البعيد عن ألعاب الصورة، والمنقاد مباشرة إلى البوح بيوميات زينة مع فريقها، والصعوبات اللوجستية التي واجهتها أثناء عملها معهم، كتدريبهم على الإلقاء، او استبدال ممثل بآخر انسحب في اللحظات الأخيرة، أو صعوبة الالتزام بمواقيت البروفات التي لم تكن تؤخذ بعين الاعتبار جديا لدى البعض. يكشف العمل جانبا من حياة السجناء اليومية، ، كما أسباب قضائهم في السجن، فالتهم تتفاوت بين القتل والاغتصاب والاتجار بالمخدرات وتزوير العملة وما إلى ذلك، اما كلمة السر في الفيلم كله، فهي معرفة الذات. وهو الجانب الذي أولته المخرجة اهتماما كبيرا ليساعد ممثليها على التخفف من آثار صورتهم الجامدة التي مثلت في أذهانهم لسنوات، وبالتالي رمي اجزاء من هذه الصورة وإتاحة الفرصة لأجزاء اخرى بالبروز، كأننا امام نبتة بعض أغصانها مريض وينبغي اقتطاعه إفساحا في المجال لنمو اغصان جديدة ونظيفة. فتلك هي المرة الاولى التي ‘يتفاعل’ فيها السجناء بصورة ما مع الخارج منذ سنوات عديدة. لذلك تعمل زينة على تسليحهم في فيلم ‘اليوميات’ الوثائقي بسلطة العمل المسرحي، الذي سيفرض قانونه الخاص على الحضور فيفوق الامر حدود التضامن الانساني، أو الشفقة او الفضول الذي يدفع بالصحافيين وناشطي المؤسسات المدنية لحضور العمل ومعاينة ‘المريض’ على بعد سنتمترات. نرى في الفيلم كيف يكسر كل سجين بإزميله الخاص مرآته التي اعتقدها كذلك لسنوات، فيتسلل خارج إطار ‘المجرم ـ المذنب ـ المحكوم ـ النزيل ـ المسجون’ إلى حيز آخر، أو فلنقل تصنيفاً آخر منافساً ومزحزحاً لصورة الشرير المتعفنة في ذهن العامة وبشكل مغلوط إلى حد الخجل. كان على زينة تهيئتهم للاتصال مع العامة الوافدين من خارج السجن، والذين سيستحيلون إلى مجرد متفرجين متطلبين، أتوا لتلقي العمل. فأمام كل عمل جديد، يكون الجمهور مفتقدا المعرفة، لصالح ممثلي العمل المسرحي، الذين يمتلكون مفاتيح النص الأدبية والاجتماعية والفلسفية، أي أنهم يتحلّون بسلطة غير متوقعة. فالعرض المسرحي إذن أعاد الثقل إلى إحدى كفتي الميزان التي كانت في السابق مجردة من الوزن وحمل ابعادا إنسانية ونفسية تجاوزت في أهميتها زيارات الأهل القصيرة من وقت لآخر. اتصال نزلاء سجن رومية مع ‘سكان’ الخارج، فاق في ‘ترفه’ ما تمناه السجناء في أحسن الحالات، بل وبدت فكرة تخيّلهم لأنفسهم يقدمون عملا دراميا لجمهور من خارج السجن، شأنا سورياليا لا علاقة لهم به ذلك أن السجن في لبنان، لا يكون إلا مقدّمة أو غرفة انتظار لسجن اكبر، وهو الذي يفرضه النظام المجتمعي اللبناني، على الفرد المحكوم بجرم اقترفه. فالسجين وبعد قضائه فترة العقوبة، يألف نفسه عالقا في كادر مصنوع من الأسلاك الشائكة، تُلوَّن صورته بالسواد، الفحم، الدم، بالسكين الصدئة، بحتمية شرّانيته، وكأنه ملعون بهذا الشر منذ ولادته وإلى الأبد. المجتمع بطبيعة الحال يقصي نفسه عن اي مسؤولية محتملة تجاه السجين وتغيب حقيقة أن المجتمع هو الذي ساهم أولا في تأليف دوافع الجرم، ومن ثم احتضانه لاسباب الجريمة، وإنضاجه إياها شيئا فشيئا، ومن ثم شحن الإنسان الجاني بطاقة تدفعه لارتكاب خطيئته. وبعد أن يحل هذا، ينسحب المجتمع كأفعى من تحت بساط الجريمة، تاركا سلطة القضاء ومرتكب الإثم وجها لوجه باسم العدالة. ولهذا فإن السجن في لبنان، ليس مجرد مكان آخر، ناء، لتنفيذ عقوبة، بل هو المكان الذي يسم نزلاءه بلعنة المجتمع الرافض شكلا ومضمونا للسجن. وهنا، تكون مقولة أن لا اتصال بين من هم داخل السجن ومن هم خارجه غير دقيقة تماما. لأن الاتصال القائم بين هذين الحيزين هو اتصال ضمني، براغماتي لمصلحة عزلة من في داخل السجن عن الخارج، أي أنه تغذية لحيز سوسيولوجي يقيم على الهامش ( السجن، نزلائه، مناخه العام)، وذلك بالتشديد على أحادية صورة السجين والعمل على تضخيمها وانعزالها. ولذلك، فإن ما فعلته زينة دكاش هو استحضار الخارج، دما ولحما وإحساسا إلى هذا الهامش، ودفعه للتفاعل مع هذا الهامش تحت مظلة العمل الفني ( مسرحية)، الذي أحكم سلطته على الجميع. نحن لم ندخل في تفاصيل إنجاز ’12 لبناني غاضب’، ذلك أن ارتباط الحدث بالسجن، والسلطة السياسية والامنية في لبنان، جعل من التمحيص في التحضيرات اللوجستية والأمنية والروتينية أمرا اولويا. فسجن رومية المعروف بإشكالياته بين حين وآخر ( هرب نزلاء / أو إضراب البعض عن الطعام/ إحراق اقسام منه / نزلاء لم يحاكموا بعد رغم مرور سنوات على احتجازهم)، يبدو أنه في طريقه إلى تعديل سمعته على أيدي المساجين أنفسهم وليس المؤسسات المدنية أو الجمعيات الاهلية وغيرها. ما كان ذلك ليتم لولا مبادرة زينة دكاش الفردية، التي استقطبت اهتمام المسؤولين لإخراجها بسيكولوجيات ‘معزولة’ أو ميتة ‘مؤقتا’ إلى عالم الكل، بل ووضعها السجناء في عمل مسرحي شحنهم بخصائص النديّة وكشف مزايا عديدة في شخصية كل منهم. الفيلم الوثائقي يبيّن كل هذه الخطوات، حتى ليبدو وكأنه دفتر مذكرات كتبه كل من اشترك في تنفيذ العمل. وثائقي ’12 لبناني غاضب’ يسير على خيط فاصل بين التراجيديا والكوميديا حاملا على كتفيه مجموعة هائلة من نزلاء سجن رومية، أخضعوا ‘الخارج’ لسلطتهم ليس بالعنف هذه المرة، بل بإظهارهم قدرات إنسانية لم يكن نبشها ممكنا لولا المخرجة العنيدة زينة وفريقها التقني. الفيلم يعاد عرضه في سينما ميتروبوليس صوفيل ( بيروت) بين الثالث عشر من تشرين الاول ( اكتوبر) الجاري الى السابع والعشرين منه، كما يعرض في مدينة طرابلس ومدينة زحلة حاليا.