أثناء تنقّلاتي في أرض الله الواسعة، لسنين عدداً، للسياحة والدراسة أو التدريس في جامعات الشرق والغرب، تجمّعت لديّ ملاحظات طريفة عن الحماسة وطرق التفكير، أو النظر إلى بعض مسائل التاريخ والثقافة والدين، لدى بعض الناس في تلك البلاد، مما وجدتُه غريباً على ما درجتُ عليه في إطار الثقافة العربية ـ الإسلامية، غير المنغلقة أمام حضارات وثقافات أخرى. وعندما كنتُ أعبّر لجليسي أو زميلي عن استغرابي لما أسمع وأرى من شؤون أولئك القوم، مثل شعور ذلك الإمبراطور الصيني، الذي جاء إلى لندن في القرن الثامن عشر، في أول زيارة لإنسان من بلاد الصين، فأخذوه إلى المسرح الملكي ليشاهد ما لدى الإنكليز من عروض فنية، كان الجمهور يتحوّل من النظر إلى المسرح ويلتفت إلى مقصورة الضيوف العليا، متطلّعاً إلى إمبراطور الصين الضيف الملكي. بدأ الإمبراطور يتضايق من كثرة تطلّع الجمهور إليه، فقال لمضيفه الجالس إلى جانبه: ما بال هؤلاء الناس يتطلّعون إليّ؟ أليس هذا التصرّف غريباً؟ فأجابه المرافق الملكي: هؤلاء يجدونك أنت الغريب بينهم وليسوا هم الغرباء! ومثل ذلك حكاية أول سفير بريطاني إلى كينيا، في القرن التاسع عشر، سير جون سمرفيلد، الذي أخذ زوجته الليدي في جولة في المدينة، فتضايقَت المحروسة وقالت لزوجها المحروس: هذا المكان مليء بالأجانب، وهم لا يتكلّمون “اللغة”. فأجاب عطوفة السفير: عزيزتي، هؤلاء هم “المواطنون” ونحن الأجانب!
ماذا لو فكّر الإمبراطور “بالعقل” لا بالحماسة والقناعة الشخصية، أنه هو الغريب والآخرون الأسوياء؟ وماذا لو فكّرت الليدي “بالعقل” أنها هي الغريبة وليس أهل البلاد؟
في أول وصولي إلى بلد غير عربي ولا إسلامي، حيث جامعة هارفرد الأمريكية، للدراسات العليا، كنت شديد التحسُّب والحذر في بلد “غريب” عليّ ثقافة وسلوكاً و “كل شيء” تقريبا. لكن بعض ذلك الغريب كان جميلاً، إذ أن بعض الأُسر الميسورة كانت “تتبنّى” طالباً أو طالبة من “بلد أجنبي” تدعوه إلى مناسبات وحفلات، ليتعرف على البلاد “الأجنبية” وليتعرّفوا بدورهم على بلده “الأجنبي” ثقافة، وحضارة و “ديناً”، على افتراض أن جميع “الأجانب” غير مسيحيين، وربما يحاول بعضهم أن يكسب الأجنبي إلى إحدى الكنائس المسيحية الكثيرة في أمريكا. كانت أولى “محاولات التثقيف” من جانب “مضيفتي” التقيّة أن نصحتني بزيارة “حديقة سَمنَر” عند اقتراب عيد الميلاد، حيث تُقام زاوية تمثل ميلاد السيد المسيح مع أمّه مريم العذراء، في “المِذوَد” في بيت لحم، وحوله الخراف والحِملان، ومن بعيد صور الملوك الثلاثة المجوس تقودهم نجمة بيت لحم… تماثيل جميلة فعلاً، صوّرتُها بكاميرتي “الكوداك” المكعبة السوداء (أم دينار ونص). ولما عُدتُ إلى دعوة مضيفتي إلى عشاء الميلاد من “الديك التركي” المحشو (مسكين هذا الديك ذو الأسماء المتعددة: في البلاد الناطقة بالإنكليزية هو تركي، وبالفرنسية هندي، وفي بلاد الشام ومصر هو حبشي، وفي العراق الأوسط هو “عَلو عَلو” أو “علي شيش”) كان أول سؤال مضيفتي وأسرتها: هل أعجبني مشهد “حديقة سَمنَر” وبدأت تشرح لي قصة ميلاد السيد المسيح، والأعاجيب الإلهية ومحاولة هداية الضالين في تلك البلاد… فقاطعتُها مكملاً ما أعرفه عن الدين المسيحي وعن بيت لحم وفلسطين والكنائس المسيحية في بلادنا العربية… فذُهلت السيدة المحترمة كما ذُهل أفراد أسرتها المجتمعون حول “التركي” الذي لا أعرف بماذا حشوه… وأحسّت أنها تحاول إخباري بشيء أجهله. لكنها سألت: هل لديكم عروض تمثيلية مثل ما رأيت عندنا؟ ما تعليقك على المشهد. أجبتُ بحماسة غير محسوبة العواقب: أستغربُ أن الخراف والحِملان عندكم لها ذنب، ورؤوسها مثلثة ممطوطة، ما يجعلها تشبه الذئاب دون الحِملان. لماذا تمثلون بعبارة “الذئب في إهاب الحمَل” في كلامكم؟ والمسيح هو “حَمَل الإله”؟
ران على الجميع صمتٌ يُنذر بعدم احتمال دعوتي إلى عشاء آخر! لكنني واصلتُ حديثي عما أعرفه عن المسيحية التي نشأت في بلادنا، وحوّر فيها الغرب حتى تشظّت إلى كنائس لا حصر لها في أمريكا. لكن مضيفتي كانت تصرّ على أن الخراف والحِملان هي ما دَرجوا عليه في الغرب، ولا بُد أن يكون ذلك هو الصحيح، أما كون المسيح من بلادنا، والخراف والحِملان عندنا لا تشبه الذئاب الأمريكية فهو ما لا يقبل النقاش العقلي والمنطقي، لأنه “هو كِدَه”!.
وفي ماليزيا، حيث قضيتُ أربع سنوات أستاذاً في الجامعة الإسلامية العالمية في العاصمة كوالا لمبور، تعرّفتُ على شعب مُسلم بحماسة لا نجد مثلها في بلاد العرب الإسلامية. فعلى الرغم من نسبة الصينيّين غير القليلة، فإن الطابع الإسلامي في البلاد شديد الوضوح، والمساجد فيها باهرة الجمال. والرغبة في أداء فريضة الحج شديدة، حتى أن الدولة أنشأت مؤسسة خاصة لشؤون الحج، يوفّر فيها الراغبون مبلغاً شهريا لحين يتجمّع عدد من المساهمين تقرره الدولة فتنظِّم لهم إدارة دقيقة ترعى شؤونهم منذ مغادرة البلاد لحين عودتهم حجّاجاً يحملون ما يُثقل أكتافهم من أواني البلاستك الملآى بماء زمزم. تُصدِر الدولة أول السنة الميلادية تقويماً للسنة كلها يبيّن أيام السنة الهجرية، وأول شهر رمضان، والأعياد وجميع المناسبات الدينية الإسلامية، وكل ذلك بناءً على استطلاعات فلكية علمية دقيقة، تأتي بعدها نتائج السعودية في “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته”. ماذا لو كان الجو غائماً أو مطيراً ليلة الأول من رمضان؟ لقد حلّت المشكلة َماليزيا الإسلامية بالعلم والأرصاد الفلكية. لكن حماسة الماليزي للدين الإسلامي لا تخلو من قناعة معطوبة. كنتُ استغرب بعض الأسماء فأسأل عن معانيها. هذه طبيبة عيون تخصّصت في بريطانيا قرأتُ اسمَها “ماجنة”، فسألتها إن كان اسمها بالماليزية يعني شيئاً جميلاً، كاسم طائر أو زهرة مثلاً؟ فأجابت بفخر إنه اسم إسلامي اختارَه جدي الحاج زارول. سألتُها: هل تعرفين معنى “ماجنة” مؤنث “ماجن”؟ قالت لا، ولكنه اسم إسلامي، أعتزّ به! هل تعرف العربية جيداً؟ أنت؟
وكان عندنا في الكلية موظف مؤدب جداً اسمه زارول، كذلك. فقلتُ أسأله عن معنى اسمه لأنه لن يجرؤ مثل الطبيبة المحترمة أن يسألني إن كنتُ أعرف العربية بما يكفي. قال الشاب، بفخر كذلك، هذا الاسم اختاره جدي الحاج وأصلُه “زهر الإسلام” ولكننا لا ننطق حرف الهاء بوضوح فجعلناه زارول وأنا مقتنع بهذا الاسم الإسلامي! وكان عندي طالب “شاطر” جداً اسمه “زاني” فسألته كعادتي غير مأمونة العواقب: هل لاسمِكَ معنى خاص بلغة الملايو؟ قال بفخر: جدي الحاج اختاره لي، وهو عليمٌ باللغة العربية والدين الإسلامي، فشرحتُ له الآية الكريمة “والزانية والزاني فاضربوا كلّ واحدٍ منهما مئة جلدة” (النور،24) فلم يقتنع، بل قال إن عمي رزق ببنت سمّاها “زانية” فلا يمكن جدي أن يكون على خطأ!
وفي جامعة الإمارات في مدينة العين، خرجتُ ذات صباح وأشرتُ إلى تاكسي وقلتُ له: توصلني إلى الجامعة، هل تعرف موقعها؟ هي جديدة. فعرفَ أنني عربي، فقال متباهياً “أنا يأرف، أنا مسلمان. هازا جامي بسم الله الرهمان الرهيم” وانطلق بي، فلما صرنا بمحاذاة باب الجامعة على الجهة اليسرى من الشارع رفض أن يستدير لندخل من باب الجامعة واستمر مسرعاً غير آبهٍ لما أقول إلى أن وصلنا نقطة تفتيش عسكرية بباب أحد البنايات الرسمية، فاضطر السائق للوقوف فشرحت لأحد الحرَس مشكلتي فكلّم السائق الذي استدار بي إلى المدخل الرئيس وقال لي مودعا: “أنتَ ما يفهم أرَبي، أنا شويسوّي؟”.
وزميلي القبرصي اليوناني كان يكره الرسم الحديث وبيكاسو بالذات، كما لا يرى في صورة الموناليزا علامة جمال. أصغر طفل يرسم وجهاً أنفُه يغطي نصف وجهه وعينه اليمنى أعلى من اليسرى لا يمكن أن ينال استحسان معلم الرسم. أما كيف يُعجب ملايين البشر بصور ورسوم لا جمال فيها ولا براعة، فلأن ملايين البشر فقدوا عقولهم. هنا لا مفرّ من الترديد مع المعرّي: كلٌّ يُعزِّزُ دينَه/ يا ليتَ شِعري ما الصحيح؟