ما يريده مشعل

حجم الخط
0

عقدت حركة حماس مؤخرا مؤتمرا دوليا أول في الذكرى الثلاثين لقيامها، وكان هدف المؤتمر مراجعة تطور الحركة من ناحية أيديولوجية، سياسية، اجتماعية ـ اقتصادية، عسكرية وإعلامية، وعرض الدروس والتوقعات للمستقبل. وكان بين الخطباء إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي، وخالد مشعل، سلفه في المنصب. وفي خطابيهما كان يمكن إيجاد أوجه شبه، ولكنه كان فارقًا واحدًا؛ هنية بقي عالقًا في خطاب الكفاح المحلي والتكتيكي، فيما تبنى مشعل خطابًا وطنيًا ـ استراتيجيًا.
لم يجئ مشعل إلى المؤتمر كي يروي للشعب الفلسطيني ما فعلته حماس من أجل فلسطين، بل ليوقظ «الجماعات الفلسطينية» بالفعل من أجل إسرائيل. وكانت ثماني توصيات مشعل في أساسها وطنية: تحول في مشروع المقاومة على المستوى الجغرافي ومستوى وسائل المقاومة، وحل إبداعي للانقسام، وإعادة بناء م.ت.ف، وإعادة تعريف السلطة الفلسطينية وخلق توازن بين حاجات المقاومة وحاجات الشعب، وتجديد التفكير السياسي الفلسطيني بحيث يحافظ على المبادئ الوطنية ولكن يسمح بالتقدم، وإبداء شجاعة وتغيير التشكيلة البشرية للفصائل الفلسطينية (مزيد من الشباب والنساء) ونمط سلوكها (مزيد من الديمقراطية)، وإعادة القضية الفلسطينية إلى جدول أعمال الأمة العربية، والتسلل إلى الساحة الدولية على أساس القدرات الفلسطينية في العالم وليس على أساس الصدقات، واستراتيجية حساسة ونشطة في أربع مسائل: القدس والأماكن المقدسة، واللاجئين والنازحين، والمستوطنات، والأسرى.
يمكن أن نرى في سلسلة توصيات مشعل تكرارا للصوت الكفاحي، ولكن يمكن أن نرى فيها صوتًا معنيًا بتحريك مسيرة سياسية. مشعل على وعي في أنه محظور عليه أن يدير الظهر لعناصر أساسية في الحركة داخل بيته، ولكنه يفهم أيضًا أنه محظور عليه أن يسمح لهم بتقييده. فالتوصيات من أجل إحداث تغيير في تركيبة الفصائل السياسية والتوازن بين احتياجات المقاومة واحتياجات الشعب تأتي لمنع الشيخوخة التنظيمية وإجبار الفصائل على وضع المصلحة الوطنية فوق المصلحة الحزبية. يمكن أن يكون للتوصيات آثار سلبية على ساحة النزاع، ولكن يمكن لها أن تكون أيضًا رافعة لتحقيق قرارات شجاعة في السياق السياسي.
مشعل ليس معنيًا بكسر القواعد مع قيادة السلطة الفلسطينية ورئيسها، لأن هذه جهة أساسية في مواجهة إسرائيل والدول العربية في كل تسوية إقليمية. ولكنه لا يمكنه أن يسمح لنفسه بأن يتخلى عن مبدأ إشراك الفصائل الفلسطينية في م.ت.ف وفي السلطة. ويمكن أن يكون للمشاركة آثار سلبية ولكنها فرصة أيضًا للتعاون بين مشعل وأبو مازن لإجبار الفصائل على التخلي عن استقلالها التنظيمي والعملياتي في صالح حكومة وحدة وطنية تقرر في شؤون السلم والحرب.
مشعل ليس معنيًا بإدارة ظهر المجن للزعماء العرب والغربيين؛ إذ عبرهم فقط يمكنه أن يأتي إلى بوابات فلسطين ويكون شرعيًا في نظر الإسرائيليين. ولكنه يعرف أيضًا أنه من خلال تجنيد رأس المال الثقافي والاقتصادي في أوساط المنفيين الفلسطينيين يمكنه أن يحقق استقلالية أكبر في اتخاذ القرارات الوطنية. ويمكن لهذا أن تكون هناك آثار سلبية، ولكنها فرصة لتقديم تنازلات سياسية من مكانة الوقفة الوطنية الصلبة وليس من مكانة الصدقات والتسيد الغربي أو العربي.
أما مسألة الحصار على غزة فتبقى خارج «الملفات» الأربعة التي يرغب مشعل في إدارة معركة عليها وعلى ما يبدو ليس صدفة. فالكرامة الوطنية الفلسطينية هي قلب النزاع، والاقتصاد الوطني المستقل هو السبيل لاستعادتها.

رونيت مرزان
٭ باحثة في السياسة الفلسطينية في كلية حايكين في جامعة حيفا
معاريف 26/9/2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية