كل الأحاديث عن المهرجانات السينمائية والمهرجانات الفنية الأخرى في مصر تؤكد أن هناك أزمة تمويل حقيقية، وهذا ما استقر عليه التشخيص النهائي منذ سنوات، وقد قُتل هذا الموضوع بحثا ولم تأت بنتيجة، ولعل تدخل وزارة الثقافة لحل المشكلة جاء من هذا المنطلق، فقد اعترفت الوزيرة إيناس عبد الدايم بالأزمة، وأكدت على ضرورة اتخاذ خطوات جادة للحد من عشوائية المهرجانات الصغيرة، التي تبتلع الملايين وتحصل على دعم غير مستحق نظير البهرجة والزينة والإيهام بالدعم السياحي الباطل!
إطلاق مهرجان سينمائي جديد بهذه الكيفية ليس لوجه الإبداع أو السينما، وإلا كان الأولى الاستمرار في دعم المهرجان الرسمي للدولة وهو الأكبر
ورغم القطع بوجود أزمة، وفي أثناء تسول المساندة ومد الأيادي في كل الاتجاهات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ينطلق للسنة الثانية على التوالي مهرجان الجونة، مُعلنا التحدي لكل المهرجانات المأزومة ماليا وإداريا، ومتباهيا بإمكانياته وضيوفه ونجومه، الذين جاءوا من كل حدب وصوب، شادين الرحال إلى الجزيرة النائية، التي لا يعرف عنها المواطن المصري البسيط شيئا، اللهم إلا اليسير عن امتيازها السياحي بفعل الدعاية الفجة التي أنفق من أجلها الملايين، فقط ليثبت المنظمون والداعون إلى الاحتفالية السينمائية أنهم قادرون ومالكون وبيدهم مقاليد السُلطة والنفوذ في الجانب الاقتصادي، في استعراض وزهو لا يخفيان على أحد، غير أنهم بهذه الرسالة يضعون وزارة الثقافة ذاتها في حرج بالغ، حيث يصدرون مفهوما عاما وخاصا مفاده أن لديهم القدرة على صناعة ثقافة موازية للثقافة الرسمية، وأن إقامة مهرجان سينمائي دولي وعالمي مسألة لا تمثل بالنسبة لهم أي معضلة، وأذكّر هنا بالدورة التي دعم فيها رجل الأعمال إياه مهرجان القاهرة السينمائي قبل أكثر من عشر سنوات تقريبا، وكان المهرجان على مشارف الأزمة المالية، وصرح حينئذ رجل الاقتصاد القوي بأنه تورط في دعمه للمهرجان، لولا أن الدعاية التي تحققت لنشاطاته التجارية وساهمت في رواجها أشعرته بالتعويض، ولم يكن الدعم الذي قدمه آنذاك يزيد على مليون جنيه مصري فقط لا غير، أو أقل.
هذه الواقعة تؤكد أن إطلاق مهرجان سينمائي جديد بهذه الكيفية ليس لوجه الإبداع أو السينما، وإلا كان الأولى الاستمرار في دعم المهرجان الرسمي للدولة وهو الأكبر والأشهر والأقدم، فنيا وتاريخيا، بدلا من الشكوى والضجر من مجرد الدعم لدورة يتيمة وحيدة كانت الأولى والأخيرة، ولو قلنا إن مهرجان الجونة المزعوم أطلق للتنوع الثقافي والفني، ليكون واجهة حضارية، فهذا اعتراف صريح بموت مهرجان القاهرة، أو رغبة في تحرير شهادة وفاته وهو لا يزال على قيد الحياة، لأن التنوع الثقافي لا يعني التخلص من المهرجانات والنشاطات الفنية الراسخة، ومحاولة اغتيالها علنا وعلى مرأى ومسمع من العالم كله، فلو أن رجل الأعمال كان يرجو دعما ثقافيا حقيقيا لفعل مثلما فعل ويفعل محمد عبد المنعم الصاوي، الذي أنشأ ساقية الصاوي وخلق منها كيانا ثقافيا حقيقيا، قدّم من خلاله تجارب فنية مذهلة على مستوى الشكل والمضمون وفي كل الاتجاهات، أدبا وموسيقى ومسرحا وسينما وفنا تشكيليا، وأحدث حراكا قويا تناغم بكل بساطة مع الثقافة الشعبية والجماهيرية لكل الفئات، وعوّض بما لا يدع مجالا للشك جوانب النقص في أداء وزارة الثقافة على مدار السنوات الماضية.
لقد تفاعل المثقفون مع الرسالة الصادقة لساقية الصاوي، وشجعوا على استمرارها كنافذة حقيقية لإشعاع إبداعي مضطلع بتحقيق النهضة والتحضر، وإبراز المواهب ورعايتها وتقديمها بشكل لائق وراق، وهو عكس ما نراه الآن في مهرجان الدعاية للبيزنس والموضة وفساتين السهرة المثيرة للامتعاض والاشمئزاز والتقزز، وكله تحت لواء السينما وشعار المهرجان الملفق والتطبيع الأمريكي ـ الأوروبي ـ العربي غير المتجانس إيذانا بتحقيق حُلم إسرائيل المفقود في التطبيع المرفوض في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الوطني العريق، وهذا هو بيت القصيد في احتفالية الغرام والانتقام والعري في جزيرة الجونة السياحية السينمائية المغرية.
٭ كاتب مصري