وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جوادہ: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (13)

حجم الخط
0

وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جوادہ: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (13)

عماش حضر الي الاذاعة في الصالحية حاملا بطانية ومخدة وبعد ساعات عين وزيرا للدفاعالبكر طلب تأمين عدد من نساء الحزب لإثارة نخوة المنفذين.. وعندها لعنت الساعة التي عاد فيها للحزب وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جوادہ: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (13)بعد اكثر من اربعين سنة علي وقوع حركة شباط المعروفة في التاريخ العراقي (1963) قرر حازم جواد قائد هذه الحركة وأحد الرموز المهمة فيها العودة اليها، ووضع النقاط علي الحروف. ويقدم جواد عرضا تاريخيا للاحداث وتقييما للشخصيات التي لعبت في هذه الحركة والظروف العراقية والاقليمية. وهي شهادة مهمة لانها تصدر عن واحد من اهم صناع هذه الحركة. وفي هذه الحلقة يتحدث جواد عن ليلة العملية والنقاشات التي تمت داخل الحزب ومواقف كل من عماش والبكر التي يري انها متخاذلة مقارنة مع مواقف عبد السلام عارف. القدس العربي مفارقة عارف اللاحزبي الملتزم والثنائي الحزبي المنهزم من العجب كيف يستبيح البعض حقيقة الاحداث ومسارها ورجالها لكي يقلل من دور فلان ويلغي دور علان لتنتهي الامور بعد عقود من النضال والمعاناة الي تنصيب القائد الضرورة او الشايب من قبله، تعاونهما عصبة من الجلادين واللصوص لا ماضي سياسيا واجتماعيا او حزبيا لهم، تحركهم الغرائز البدائية والوحشية الكامنة في نفوسهم التي تفجرت مع السطو والاستيلاء السهل غير المكلف علي القصر الجمهوري ومن ثم الدولة العراقية والعراق العظيم بشعبه وارثه وتراثه وحضارته التي تمتد لمدة خمسة عشر قرناً منذ بداية الفتح العربي الاسلامي وعشرات القرون قبل الفتح.ولأضع الامور في نصابها الصحيح لإنهاء الجدل المغرض والمتطاول علي مكانة عارف ودوره وعلاقته بحزب البعث وادوار الآخرين المخروعين مثل البكر وعماش لتقتصر علي فترة التحضير لحركة الثامن من شباط، وأتجاوز دوره الأسطوري في ثورة تموز العظيمة الذي كتب وقيل عنه الكثير. وبعدها اترك الحكم للقارئ المنصف ليقيّم موقف الطرفين لا لغرض الادانة او الاستخفاف والتجريح بهذا الطرف او ذاك. اولاً: عندما اقترب يوم الحسم وتراجع آمر الكتيبة الرابعة او جمد نشاطه بين شهري كانون الاول (ديسمبر) 1962 وحتي شباط (فبراير) 1963 واتخذت القيادة قرار التنفيذ مهما كانت الصعاب. رشح المرحوم عبد السلام عارف لقيادة الكتيبة الرابعة كطليعة للحركة واُبلغ ضباط الكتيبة بذلك. فها هو عارف وخلفه تراث حركة الضباط الاحرار وملحمة الرابع عشر من تموز التي نفذها في ثلاث صفحات كل واحدة منها انقلاب بحد ذاته في ليلة واحدة. كانت الاولي منها عزل مقر قيادة اللواء العشرين باقناع آمر اللواء وهيئة ركنه بالانفصال عن جحفل اللواء بفتح مقرهم المتقدم في مدينة الفلوجة . ثم استدار عندما وصل اللواء العشرون وغدا آمره بالوكالة الي خان بني سعد لبذل المحاولة الاخيرة لاقناع آمر الفوج الثاني العقيد ياسين محمد رؤوف بالانضمام الي الحركة وقام باعتقاله بعد رفضه وعناده وعيّن مكانه احد الضباط الاحرار المقدم فاضل محمد علي آمراً لفوجه. اي ان عارف بدا بممارسة صلاحياته كثائر وكنائب للقائد العام وهو ما زال في خان بني سعد يغذُّ الخطي لدخول بغداد. اما الصفحة الثالثة فلا تحتاج الي اعادة كتابة فقد شهد له بها العدو قبل الصديق واعني دخول بغداد وتطهيرها خلال ساعات من رجس حكم اذناب الاستكبار وحلف بغداد واوكار التجسس وقواعد بريطانيا العظمي في الحبانية والشعيبة. لكن عارف وبعد اربع سنوات علي محنته وعزلته عن الحياة العامة وهو الضابط الحركي النشط يكلف هذه المرة بواجب قيادة كتيبة درع وهو ضابط مشاة لا يعرف اياً من ضباطها او مراتبها ولا حتي مكان إسكانها وهو القابع في بيته بعد الافراج عنه من سجنه الانفرادي للقيام بانقلاب او انتفاضة او ثورة وسمّها ما شئت ايها القارئ العزيز وفي وضح النهار ويتقبّل الخطة والتوجيه بذلك من رجل مدني لا يكبر كثيراً إبنته البكر. ومهما كانت صفات هذا المدني وخلقه فهي ليست من الخوارق وهي صفات متواضعة حتي بالمقاييس الثورية. ويستجيب الرئيس عارف بابتسامة مشرقة وبفرحة لهذا التشريف والتكليف والدعاء لله بالنجاح، ولا يسال سؤالاً واحداً ذا قيمة عن خطة الحركة وتفاصيلها. ويهيئ بدلته العسكرية المعلقة في دولاب ملابسه منذ احداث 14 تموز (يوليو) لتكون جاهزة، لينطلق في احدي ليالي بغداد الشتوية القارسة البرد بمعية هذا المدني ليقضي الهزيع الأخير من اللـــيل معه لينطلقا صباحاً لتنفيذ خطة حزب البعث لقلب نظام الزعيم الاوحد والجمهورية الخالدة .واحتراماً لأمانة السرد فقد سأل عارف عن موقف ثلاثة من رفاقه في ثورة الرابع عشر من تموز (يوليو) ربما للاطمئنان او لمفاتحتهم من قبله للانضمام الي الحركة الوشيكة. لكن علائم الارتياح والثقة بدت جلية وواضحة عليه عندما اجابه كاتب هذه السطور ان الثلاثة من اصحابه سيلقاهم ساعة التنفيذ في موقع الكتيبة الرابعة بأبي غريب. والاثنان الاولان اللذان سأل عنهما عارف هما صديقاه الحميمان احمد البكر وطاهر يحيي، اما الثالث فهو مرؤوسه القديم عبد الستار عبد اللطيف الذي له سابق تجربة معه في تنفيذ ملحمة الرابع عشر من تموز كما اسلفنا سابقاً. وبعد ان جُمدت هذه الخطة عقب خطاب عبد الكريم قاسم الانذاري في قطعات اللواء التاسع عشر بمعسكر الرشيد، استبدلت قيادة الحركة تلك الخطة بخطة أخري وهنا يكمن حسن اداء ومرونة وتكيّف تلك القيادة وفقاً لمقتضيات الظروف المتسارعة والمتقلبة بسعودها ونحوسها. فاستبعدتُ ليلة التنفيذ اصطحاب عارف معي لهاجس داخلي منعني من ذلك. وصدق حدسي بعد نجاح الحركة واكتشاف ان قاسم كان في البيت المقابل لدار عبد السلام عارف يتناول السحور مع صديقه عبد الرزاق الجدة . وان الجميع القوا نظرة علي دار عارف للاطمئنان بعد ان وصلت قاسم معلومات جديدة من حزب الشيوعيين باحتمال قيام الحركة في اليوم التالي والذي لم يصدقه قاسم والحلقة القريبة منه.كلمة السر حازم يسلم عندها كلفت السيد عدنان القصاب في آخر اجتماع لي بقيادة بغداد المدنية عشية الحركة، ان يمرَّ بسيارته الشخصية ويطرق باب دار عارف في الساعة التاسعة صباحاً ويخبره ان حازم يسلّم وهي كلمة السر بيني وبين عارف وواجبه ان يصطحبه ويجيء به الي مقر القيادة بأبي غريب.وهذا بالضبط ما فعله السيد القصاب بمجرد سماعه صوتي من دار الاذاعة معلناً قيام الحركة وكان في دار خطيبته آنئذ وهو علي مسافة قصيرة من دار عبد السلام عارف.واستجاب عارف لطرق الباب ولم يكن قد استمع الي اذاعة بغداد بعد ليسأل هذا المدني القصاب عن مراده من طرق الباب فهمس له ان حازم يسلم و ان حازم والآخرين في ابي غريب وهو جاء لينقله الي هناك، ولم يطرح عارف سؤالاً واحداً علي الطارق فأسرع بعجلة من امره ليخلع بجامته ويرتدي بدلة مدنية ويصعد الي سيارة السيد عدنان القصاب بجانبه ليبدأ بسماع بيانات الحركة الاولي.قطع عارف والقصاب المسافة من الاعظمية شمال بغداد عابرين جسر الصرافية الي ابي غريب في اقصي غرب بغداد تلك الايام مارين بتجمعات الشيوعيين التي بدأت تتدفق علي شوارع بغداد متجهة الي وزارة الدفاع لنصرة الزعيم الاوحد ، بعد ان ضيق عليها الخناق منذ صيف 1959 عندما وصف ما قاموا به من اعمال في العراق بانها ابشع مما فعله التتار عند غزو العراق واقبح مما قام به الصهاينة في فلسطين عام 1948.لم يسأل عارف عن اسم مرافقه وهو لا يعرفه لكنه لبّي نداء حازم يسلم فاي نوعية من الالتزام والالتحام هذا. بل اي ايمان يعمر فؤاد هذا الثائر ليلبي نداء طارق مجهول له بالكامل ويعرّض حياته ونفسه لخطر الموت او القتل او السحل في طريقه للوصول الي ابي غريب لينضم الي مسؤوليه ورفاقه لاعادة 14 تموز (يوليو) الي خطها العربي القومي والوطني العراقي الصحيح. موقف البكر ـ عماشثانياً: اما الموقف الثاني بالمقارنة والتضاد مع الاول فهو موقف البكر ـ عماش عضوي المكتب العسكري لحزب البعث والمعنيين بالتخطيط والتنفيذ لحركة حزبهما وفق توجيه قيادتهما الحزبية.في آخر اجتماع لهما بقيادة الحزب في اوائل كانون الثاني (يناير) او قبله بقليل علي ما أظنّ وبعد ان سُدّت سُبل التملص والتهرب بوجهيهما، وبعد ان استدعي الضابط البعثي منذر الونداوي المسؤول عن الضربة الجوية ليردَّ علي بعض استفسارات البكر ـ عماش من مثل ماذا سيحدث للضربة الجوية اذا حدثت عاصفة رملية او رعدية او امطرت السماء مطراً غزيراً وما الي ذلك من اسئلة واحتمالات غير متوقعة ومحبطة لا يخفي الغرض منها فندّها السيد الونداوي الواحدة بعد الآخري ووجد الحلول الفنية المناسبة لاحتوائها. عندها طرح الاثنان هذه المرة شكوكهما في قدرة قاعدة الحبانية ومسؤولها الحزبي المرحوم حامد جواد بتأمين الطائرات المطلوبة نظراً لان آمر القاعدة السيد عبد الرزاق عارف يعتبر من غير المتجاوبين مع حزب البعث وان مقر قيادة الفرقة الرابعة هناك وآمرها عبد الجبار السعدي من الموالين لقاسم. عندها استأذنت من الحاضرين بالموافقة علي مقابلتي لمسؤول قاعدة الحبانية حامد جواد رغم انه شقيقي لكن هذه المهمة هي مهمة حزبية بالنسبة لي وفوق العادة لكوني المسؤول والمرجع للتحضيرات القائمة علي قدم وساق منذ شهور. فأبُلغ حامد جواد عن طريق مسؤوله السيد الونداوي لمقابلتي بصورة عاجلة. وحضر حامد الي بغداد بعد يوم او يومين ورجوته ان يصدقني القول بدون زيادة او نقصان عن امكانية التنظيم في قاعدة الحبانية، فعلي ما سيقدمه لي سأتخذ قراري، وان عليه ان يضع في حساباته اسوأ الاحتمالات وبصراحة اخبرته ان نجاح الحركة يتوقف علي نجاح الضربة الجوية الاولي وفشل قيام الضربة الجوية سينتج عنه الفشل المحقق للحركة التي كانت بحاجة الي ساعتين علي الاقل لمشاغلة قاسم وإرباكه لتهيئة ارتال الدبابات الزاحفة نحو بغداد. كما انه غنيُّ عن القول ان الفشل سيجر الي احداث كارثية اسوأ مما شهدته مدينة الموصل بعد فشل حركة الشواف، كما سيتبع فشلها اصطفاف قاسم والحزب الشيوعي مجدداً للانتقام وابادة الحركة القومية والبعث قائدها ولسنين طويلة قادمة.وقد اقنعني حامد رغم قناعاتي المسبقة بصدقية تقارير تنظيم السلاح الجوي الحزبي واقسم بشرفه العسكري ان التنظيم في الحبانية قادر علي السيطرة علي القاعدة في اليوم الذي تقرره القيادة، وتترك الساعة لهم. فهم بحاجة الي ساعتين لاخراج الطائرات من حظائرها ثم تزويدها بالوقود وتسليحها لتنطلق نحو بغداد بالتوقيت الذي تحدده لهم القيادة في بغداد. واجاب حامد عن جميع اسئلتي والتي توقعتها من المخروعين الآخرين، من مثل لماذا الضربة الاولي بقوة ثلاث طائرات وليس باكثر من ذلك، وكان الجواب ان تأمين طائرات الضربة الاولي تحتاج الي جهد خارق للسيطرة اولاً علي القاعدة ولتزويدها بالوقود والاسلحة ولكن بعد الضربة الاولي سيكون العمل علنياً في القاعدة بعد اذاعة بيانات الثورة في الاذاعة فيسهل مشاركة جميع الطائرات الموجودة هناك وهذا ما حدث فعلاً خلال احداث يوم 8 شباط (فبراير).اما عن آمر القاعدة السيد عبد الرزاق عارف فقد تعهد حامد جواد وكان يكنُّ له الود والاحترام بالذهاب الي داره لابلاغه بعد ان تحلق الطائرات الثلاث في طريقها الي بغداد وانه سيدعوه لقيادة القاعدة بعد ذلك، وهذا ما تم فعلاً ايضاً، اذ طرق حامد جواد بابه وخرج اليه السيد عارف عبد الرزاق ببجامته وكان نائماً وأبلغه ان الثورة قد قامت في بغداد والسيد الونداوي ورفاقه في طريقهم نحو اهدافهم وهو مرحبُّ به للقدوم الي القاعدة لمشاركة ضباطه ومراتبهم بالحدث الذي طال انتظاره.كما اكدّ لي حامد جواد (وللمرة الاولي اسمع بذلك) استعداد التنظيم للسيطرة علي اللواء الثامن المعسكر هناك ووضعه تحت تصرف القيادة في ساعة التحرك الاولي. فللحزب تنظيم جيد داخل هذا اللواء ومعظم أمراء الافواج من الضباط القوميين كمحمد يوسف طه وعبد الجبار علي الحسين وامين شاهين وغيرهم. وقال حامد انه علم انكم تحتاجون الي قطعات مشاة موثوقه لمساعدة كتائب الدروع وامر تحريك اللواء برقبتنا وانا اتعهد بذلك. ولنا طلب واحد هو ان تعيّنوا له آمراً معروفاً لقيادته ولا اتذكر الآن سبباً لهذا الطلب من حامد. فخطر ببالي علي الفور اسم العقيد الركن عبد الغني الراوي وهو من الضباط الاحرار ومن ابناء منطقة الانبار وسبق ان خدم كآمر فوج في اللواء الثامن واعتقل بعد حركة الشواف ثم احيل علي المعاش. ويرتبط بمجموعة احمد حسن البكر كضابط قومي اسلامي صديق.رحب حامد جواد باقتراح تعيين السيد عبد الغني الراوي واثني عليه وعلي حسن اختياري. وابلغت البكر بعد ذلك بالمهمة التي تنتظر عبد الغني علي ان يتم ابلاغه بساعة الصفر قبل ساعة واحدة فقط وهي كافية لعبد الغني لينتقل من داره في مدينة اليرموك ببغداد الي قاعدة الحبانية حيث مقر اللواء الثامن. وهو ماتم فعلاً يوم الثامن من شباط (فبراير). اجتمع المكتب العسكري بعد يوم او يومين من لقائي بحامد جواد وكنت متسلحاً بالمعلومات الجديدة المتفائلة بواقعيتها التي كان يؤكدها الضابط منذر الونداوي، اضافة الي ان الموقف في كتيبة مدرسة الدروع كان تحت السيطرة من قبل الرائد احمد الجبوري وكيل قائد الكتيبة علاوة علي قوانا الاخري في كتائب الدروع.بعد استعراض قصير للموقف العسكري تعمدّتُ هذه المرة أخذ موافقات الحضور الواحد بعد الآخر علي الخطة، وكانت الاكثرية مع التنفيذ الفوري وكان القول الفصل للمقدم عبد الستار عبد اللطيف الذي قال ان القوي التي مع الحزب الآن والمستعدة للتنفيذ هي اكثر بكثير مما كان تحت تصرفنا يوم الرابع عشر من تموز (يوليو). وهنا حاق المكر بأهله واسقط بيدي عماش والبكر فنهض الاثنان وركبتا البكر تصطكان من البرد او لسبب آخر. اما عماش فقد علت صفرة الجبن وجهه وغيّرت من لون سحنته الاسمر الداكن ووجد الشجاعة للمرة الاولي ليبوح بما في نفسه من جبن وتخاذل وخسة متأصلة فيه.قال انه وبالنيابة عن صاحبه البكر يأخذان علي القيادة اندفاعها وتهورها وانهما ليسا مستعدين لتسليم رقبتيهما ومصيرهما بأيدي مدنيين وضباط صغار برتب صغيرة في السلاح الجوي وهو يغمز بذلك من قناة منذر وحامد والضباط الآخرين في كتائب الدروع، علماً بأن الضابطين منذر وحامد من اوائل اعضاء الحزب قبل ان يسمع البكر او عماش به. واكمل عماش خطبته وهو ما زال واقفاً انهما لذلك ينسحبان من هذا العمل نهائياً ولا علاقة لهما بعد الآن بالحزب والرجاء قبول استقالتيهما، وخرجا من الدار حتي من دون كلمة وداع واحدة وبطريقة تخلو من الذوق واللياقة.بالمقابل ابتهج الحاضرون كثيراً بالخلاص من هذا الثنائي المحبط والمتخاذل وتأكد الجميع ان ساعة التنفيذ قد قربت بعد ان تخلص الحزب من البكر ـ عماش، وهذا الخلاص جاء بطلب منهما وكفي الله المؤمنين شرّ القتال.ذهب البكر قبل اسبوع من التنفيذ ويبدو انه علم بذلك من احد معارفه، فالتقي بعبد الستار عبد اللطيف ليرجوه ان يأخذه الي حازم جواد ليعتذر عما بدر منه ويبدو ان البكر دائم الاعتذار من حازم جواد عما يبدر منه . وليضع نفسه من جديد تحت تصرف الحزب وتصرفه. وجاءني ابو صلاح طيب الله ثراه لينقل لي رغبة ورجاء البكر برؤيتي للاعتذار كما جاء في صفحة 146 من الايام الطويلة طبعة 1978، دار الحرية للطباعة. فأخبرت عبد الستار ان لا داعي للمجيء به الي فطالما انه تراجع فهذا يكفي واهلاً ومرحباً بعودته للحزب. وكنت وقتها مؤمناً بثقة طاغية بحزبي وبأجهزته المدنية والعسكرية.البكر يطلب تأمين قوة مشاةوفريق من نساء الحزب ليلة الحركةفي ليلة التنفيذ استمر الشايب القائد علي نهجه المتخاذل فالتقيت به في دار المرحوم الرائد عبد اللطيف الحديثي المجاور لداره للمرة الاخيرة قبل اعطاء الامر بالشروع بالتنفيذ. كان هناك ايضاً علي ما اتذكر عبد الستار عبد اللطيف و ذياب العلكاوي و سعيد صليبي وربما آخرون، واذا بالبكر يفاجئني بسؤالي امام الحاضرين ان ابا قيس ذياب العلكاوي سيقود الرتل المخصص للسيطرة علي دار الاذاعة في الصالحية وفق خطتنا، ولا اظن ان ذلك ممكناً له من دون قطعة مشاة ترافقه فماذا انت فاعل؟ وبدأ بتدخين سيجارته بشراهة. أكان يريد تثبيط الهمم في الساعات الاخيرة وهل هذا هو الموقف المطلوب من قائد بحضور ضابط تطوّع بنفسه لهذا الواجب؟ وكان منصبي هو القائد العام او رئيس اركان الجيش ليطلب مني تأمين هذه القطعة من المشاة !!لكنني وبسرعة وجدت له و لأبي قيس الحلّ المناسب الذي لاقي قبولاً من العقيد العلكاوي دون ان يطلبه بنفسه وقد ادلي العلكاوي بشهادته حول ذلك الاجتماع الي العميد خليل حسين صاحب موسوعة 14 تموز وعلي خيون مؤلف دبابات رمضان وصالح حسين مؤلف ثورة 8 شباط . لم تنته طلبات البكر عند هذا الحد فالقي بآخر سهم في جعبته وسألني امام الحاضرين ان كان بالامكان تعبئة بعض نساء الحزب للقدوم الي ابي غريب لاثارة حماس ونخوة الثائرين المنفذين. عندها لعنت الساعة التي اعاد فيها عبد الستارعبد اللطيف هذا المخروع الي المكتب بعد ان تخلصنا منه ووجدتني اجيبه هذه المرة بمزيج من الامتعاض والاحتقار: إن الوقت متأخر يا ابو هيثم ولدي واجبات اهمّ كثيراً من هذا الواجب وباعتقادي ان هذا الاقتراح اذا ما نفذ سيكون عبئاً علينا وليس عوناً لنا. اما بن عماش فقد اعتقل بطريقة ولاسباب غامضة وكان لاعتقاله فائدة كبري لنا لا تقدر بثمن. فقد اكتشفنا ان الجاسوس المندّس في صفوف التنظيم العسكري الذي كان ينقل اخبار تحركاتنا الي عبد الكريم قاسم مباشرةً هو ضابط الاستخبارات المقدم جابر علي كاظم وهو من مجموعة صالح عماش الذي يثرثر معه يومياً. ومن الامور العجيبة في هذه القصة ان جابر علي كاظم هذا اعتقل بعد ان انفضح امره بعد الثامن من شباط وتحفّظَ عليه عماش شخصياً ولم نسمع بعدئذ باخباره ونتائج التحقيق معه الي يومنا هذا. وباعتقال قاسم لعماش انقطعت مصادر تحركاتنا عن قاسم.عصر يوم الثامن من شباط (فبراير) كنت واقفاً علي مدرج الاذاعة الداخلي لاستطلاع الموقف في الخارج ولاستنشق بعض الهواء المنعش الذي عطرته رائحة البارود والدخان المنبعثين من عشرات الدبابات والمدرعات والناقلات عندما شاهدت صالح عماش مصفرا ومرتعشاً وهو يتأبط بطانية سوداء بداخلها مخدة. وهو شاحب الوجه يتسلق بتثاقل مدرج الاذاعة بالصالحية. فاسقبلته بمروءة وفروسية المنتصر وهنأته علي نجاح الحركة. وطلبت منه ان يرتاح قليلاً فقد اقتحمت قوات الثورة السجن العسكري رقم واحد لاطلاق سراح مئات الطلبة المعتقلين وبعض العسكريين الموقوفين ومنهم عماش الذي طلب اخذه الي دار الاذاعة.علق طالب الشبيب علي بطانية ومخدة عماش المتأبط لهما انه ربما ارادهما كدليل امام الزعيم الاوحد إذا ما فشلت الحركة فيدعّي ان الجيش اطلق سراحه ولا علم له او علاقة بما حدث وهو صادق بهذا وربما هذا ما حدثت نفس عماش به. وبعد ساعات من هذا اللقاء المصادفة علي مدرج الاذاعة تعيّن عماش وزيراً للدفاع بعد ان اعتذر عبد الستار عبد اللطيف عن قبوله هذا المنصب لطول مدة ابتعاده عن القوات المسلحة وكان ستار مخطئاً في هذا الرفض فالمنصب سياسي ولا يشترط لمن يشغله ان يكون ضابطاً مستمراً في الخدمة. أخطاء لها نتائج كارثيةوكانت هذه الغلطة الفادحة الاولي (من سلسلة اخطاء) ارتكبها كاتب هذه السطور وكانت لها نتائج كارثية علي القوات المسلحة والحزب ومجلس القيادة حالما استقر الموقف. وقد اخبرني سعدون غيدان احد اقطاب انقلاب 17 تموز أنه اثناء التحضيرات له ظل عماش يثير معه وجود مصطبة خشبية في مدخل القصر الجمهوري الخارجي المطل علي الشارع ويجلس عليها جنديان او ثلاثة اثناء الليل للحراسة واحتساء الشاي وتدخين السجائر وطلب عماش من غيدان تأمين هذه المصطبة كشرط اساسي لمشاركته ولانجاح عملية اجتياز بوابة القصر الجمهوري !!نأتي الآن الي خاتمة هذا الملحق الاضافي عن الالتزام وعدم الالتزام فاي الموقفين كان اقرب الي الموقف الثوري الملتزم واي الموقفين يقع في خانة الانضباط الحزبي والحرص علي الحزب؟ اهو موقف عبد السلام عارف المنفّذ والمستعد للموت بلا سؤال ام موقف البكر ـ عماش اللذين ظلا يعيبان ويحرضان علي عارف في السرّ من انه لم يكن منتظماً في خلية حزبية مثلهما، وينسحبان من الحزب عند الاحساس بالخطر او عند تكليفهما بواجب يتسابق صغار الضباط الشجعان وعشرات المناضلين المدنيين الابطال علي تنفيذه برحابة صدر واسعة من دون سؤال واستجواب؟7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية