جاءت صغيرتي شادية ابنة السنوات الستة، فسألتها: وأنت يا صغيرتي.. هل تؤيدين إحضار عصافير الحب إلى البيت؟ ردت بسرعة: أنا سأطعمها.. الله ما أجملها؟
أطلت علينا زوجتي وعلقت: الله يديم هذا الجمع، ويبارك به. ذكرت لها باختصار: إنهم مجمعون على إحضار عصفوري حب إلى البيت. علقت وهي تنشف يديها من آثار عملها في المطبخ: ما دام الإجماع متوافرا، فعلى بركة الله.
قلت مترددا: والدراسة، والنجاح .. و..
قاطعوني وهبوا واقفين: من هذه الناحية اطمئن.
نقدتهم المبلغ الذي طلبوه، وذهب حسان وهديل بعد ظهر ذات يوم، وأحضرا عصفورين في قفصهما. كانا بلونين أخضرين فيهما صفرة، لا يكفان عن الزقزقة والغناء والقفز، ونقر بعضهما بعضا برفق وحنو.
قال حسان: إنهما ذكر وأنثى حسب ما ذكر لنا البائع.
وفر الأولاد لهما مكانا مناسبا في شرفة البيت. ذاك يقلد صفيرهما، وتلك تريد تعليمهما كيف ينطق اسمها، وآخر يريد حشوهما بما يرغب من الحبوب والأكل. والصغيرة تبدي اهتماما بالمحافظة على نظافتهما.
تعاونوا جميعهم في توفير جو مناسب لهما، في حين أن العصفورين كانا لا يكفان عن الرفرفة والزقزقة والغناء والتشاقي، وأحيانا نقد ونقر باب القفص.
وأنا من ناحيتي ، لم أكف عن تذكير الجميع بمتابعة دراستهم والاهتمام بها، تؤيدني في ذلك أمهم.
فوجئت ذات يوم بأن حسان كان قد أدخل القفص إلى داخل إحدى الغرف، وفتح بابه وأطبق سراح العصفورين فيما بقية أبنائي فرحون بذلك، يتراكضون، ويتقافزون مع العصفورين.
تساءلت يومها: ألا تخشى يا ولدي هروبهما؟ تدخلت هديل وقالت: لا تخش شيئا يا أبي، لفد اتخذنا كل ما يلزم لمنع ذلك. أكملت: والدروس، ومساعدة الوالدة في أعمال البيت؟ ردوا جميعهم: دقائق قليلة با أبي.. ثم نعيدهما إلى قفصهما.
أفقت من نوم متأخر في يوم عطلة، وسمعت لغطا وصياحا مكتوما، فتوجهت إلى مصدر الأصوات. نكس أولادي رؤوسهم، واقتربت مني صغيرتهم وقالت: والدموع تنهمر من عينيها: لقد طار العصفور يا أبي. سألت كيف طار يا حسان؟
رد بتلعثم: كنا كالعادة نروضهما، ونسينا إغلاق باب الغرفة، فاستغل العصفور الذكر الفرصة وطار.
علقت: ألا تعرفون يا أبنائي أن الطبع يغلب التطبع، لقد تاق العصفور للطيران، إن من طبعه الطيران وليس البقاء حبيسا في قفص، يحب دقئ الشمس والريح، والبحث عن رزقه بنفسه.
قال حسان: لقد وفرنا له كل ما يحتاج إليه.
علقت: إلا الشئ الوحيد: حرية الطيران، والتحليق والانطلاق وممارسة ما اعتاد عليه في الأساس، أي حرية التنقل والاختيار.
ثم سألت : ما الذي فعلته العصفورة بعد أن وجدت نفسها وحيدة؟
أجابوا: كأنها تبكي، صوتها لم يعد كما كان في السابق، دائمة القفز والتلفت إلى هنا وهناك، وقليلا ما تأكل أو تشرب، كأنها تشكو الوحدة، وتوالي مهاجمة باب القفص بمنقارها ورأسها.
علقت: ضعوا القفص في مكانه المعتاد، وليهتم كل منكم بمشاغله ودراسته.
بعد ظهر اليوم التالي على مغادرة العصفور القفص، سمعت زوجتي تقول: عاملوه برفق.. مسكين لقد هزل، إنه يرتجف.
توجهت إلى الشرفة، فوجدت جميع أفراد عائلتي متحلقين حول القفص، كان العصفور نفسه قد عاد إلى الشرفة. ريشه منتوف من أنحاء متفرقة من جسمه ورأسه، به هزال كأنه لم يأكل أو يشرب في فترة غيابه.. أو ربما أكل وشرب القليل، وربما سطت عليه الطيور الأخرى ونتفت ريشه.
فتح له حسان باب القفص كي يدخل، لكنه لم يتحرك، وبقيت لديه ممانعة، هاجت العصفورة وحاولت الفرار من الباب المفتوح، إلا أن حسان حاول إغلاق الباب، لكن العصفورة تمكنت من مغادرة القفص وانطلقت بعيدا كالسهم فلحق بها العصفور، واستمرا في طيرانهما المتواصل.. بانت الدهشة والحزن والأسف على وجوه أطفالي ودخلوا محبطين إلى غرف البيت من دون أن يكلم أحدهم الآخر.
سليمان الشّيخ