مديح‭ ‬للنائم‭ ‬الجميل

الكتابةُ‭ ‬عن‭ ‬الشاعر‭ ‬والكاتب‭ ‬خيري‭ ‬منصور،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تأخذ‭ ‬شكل‭ ‬مديح،‭ ‬مشوب‭ ‬بحرقتِه‭ ‬الجارحةِ‭. ‬مديحٌ‭ ‬مأخوذٌ‭ ‬بفتنة‭ ‬نصوصٍ‭ ‬غيرِ‭ ‬حريصةٍ‭ ‬أبدا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شبيهة‭ ‬بما‭ ‬ينكتب‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك‭. ‬كما‭ ‬هو‭ ‬مديحٌ‭ ‬حزين‭ ‬ومكلومٌ‭ ‬بألم‭ ‬فقْدٍ‭ ‬مباغتٍ‭ ‬أبدا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬واردا‭ ‬في‭ ‬خاطر‭ ‬الكتابة،‭ ‬أو‭ ‬حسبانها‭. ‬وفي‭ ‬حيز‭ ‬ضيق‭ ‬كهذا،‭ ‬الذي‭ ‬بالكاد،‭ ‬يسمح‭ ‬بتلويحةِ‭ ‬وداع‭ ‬حائرة‭ ‬ومرتبكة،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بوسعي‭ ‬سوى‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬الإشارة‭ ‬الخاطفة‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬تلك‭ ‬الخبرة‭ ‬الاستثنائية‭ ‬التي‭ ‬تميزت‭ ‬بها‭ ‬تجربة‭ ‬كاتبنا،‭ ‬وهي‭ ‬تنتشي‭ ‬باشتغالها‭ ‬اليومي‭ ‬أو‭ ‬الأسبوعي‭ ‬على‭ ‬قضايا‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الفكري‭ ‬والإبداعي،‭ ‬والموجهة‭ ‬برؤيةٍ‭ ‬لا‭ ‬يستقيم‭ ‬تحت‭ ‬قوة‭ ‬ضوئها،‭ ‬أيُّ‭ ‬أثرٍ‭ ‬لظلمةٍ‭ ‬محتملة‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الاشتغال‭ ‬اليومي‭ ‬أو‭ ‬الأسبوعي‭ ‬بالكتابة‭ ‬هو‭ ‬المحك‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يختبر‭ ‬فيه‭ ‬الكاتب‭ ‬حدود‭ ‬ما‭ ‬يمتلكه‭ ‬من‭ ‬ثراء‭ ‬نظري‭ ‬ولغوي،‭ ‬وقدرات‭ ‬استثنائية‭ ‬على‭ ‬التواجد‭ ‬الدائم‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الإشكاليات‭ ‬الثقافية‭ ‬الكبرى‭ ‬بمختلف‭ ‬مرجعياتها‭ ‬واختصاصاتها،‭ ‬فإن‭ ‬كاتبنا‭ ‬خيري‭ ‬منصور،‭ ‬يعتبر‭ ‬في‭ ‬نظرنا،‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أجمل‭ ‬الأسماء‭ ‬التي‭ ‬دأبت‭ ‬على‭ ‬إمتاع‭ ‬قرائها،‭ ‬وكسب‭ ‬ثقتهم‭ ‬يوميا‭ ‬أو‭ ‬أسبوعيا،‭ ‬بغزارة‭ ‬وتجدُّدِ‭ ‬دفْقها‭ ‬المعرفي،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينضب‭ ‬معينه‭ ‬أبدا‭. ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬معلوم،‭ ‬فإن‭ ‬الالتزام‭ ‬الحقيقي‭ ‬والفعلي‭ ‬بهذا‭ ‬الإيقاع،‭ ‬يقتضي‭ ‬من‭ ‬الكاتب‭ ‬الإقامة‭ ‬المطلقة‭ ‬والاختيارية‭ ‬في‭ ‬مسكن‭ ‬الكتابة‭. ‬ وهو‭ ‬اختيار‭ ‬مصيري،‭ ‬ونابع‭ ‬من‭ ‬تحول‭ ‬الكتابة‭ ‬ذاتها‭ ‬إلى‭ ‬صيغة‭ ‬حياة،‭ ‬وصيغة‭ ‬وجود‭. ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬تصبح‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬أسئلة‭ ‬العالم،‭ ‬موجهة‭ ‬بسلطتها‭ ‬وقوانينها‭. ‬فلا‭ ‬شيء‭ ‬يوجد‭ ‬خارج‭ ‬الكتابة،‭ ‬التي‭ ‬تأخذ‭ ‬بهذا‭ ‬الشرط،‭ ‬شكل‭ ‬وعي‭ ‬مضاعف‭ ‬مسكون‭ ‬بهاجس‭ ‬فهْم‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬هنا‭ ‬والآن‭. ‬وعيٌ‭ ‬لا‭ ‬يطمئن‭ ‬إلى‭ ‬غواية‭ ‬المسلمات‭ ‬المتناسلة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المعطى،‭ ‬وفي‭ ‬قلب‭ ‬الجاهز،‭ ‬الذي‭ ‬يُلح‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬ذاته‭ ‬امتدادا‭ ‬لحتمية‭ ‬متعالية،‭ ‬ليس‭ ‬للكائن‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬يتعايش‭ ‬معها‭ ‬بالقبول‭ ‬والإذعان‭. ‬

‭ ‬لا‭ ‬يكف‭ ‬عن‭ ‬العبث‭ ‬بشكوكنا‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬خرابنا‭ ‬وانهيارنا‭ ‬العربي‭ ‬القاتل‭ ‬والمميت‭. ‬مرافقة‭ ‬هي‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬العشق‭ ‬والغضب،‭ ‬والقلق‭ ‬والرقة.

تلك‭ ‬هي‭ ‬خصوصية‭ ‬كتابةِ‭ ‬خيري‭ ‬منصور‭ ‬المؤطرة‭ ‬بوعيها‭ ‬النقدي‭ ‬والتفكيكي،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمل‭ ‬من‭ ‬مرافقة‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬بحثها‭ ‬الدؤوب‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭ ‬الشبيه‭ ‬بوحشٍ‭ ‬مُقَنَّعٍ،‭ ‬لا‭ ‬يكف‭ ‬عن‭ ‬العبث‭ ‬بشكوكنا‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬خرابنا‭ ‬وانهيارنا‭ ‬العربي‭ ‬القاتل‭ ‬والمميت‭. ‬مرافقة‭ ‬هي‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬العشق‭ ‬والغضب،‭ ‬والقلق‭ ‬والرقة‭ ‬والعنف‭ ‬والبساطة،‭ ‬وبعضِ‭ ‬التعقيد‭ ‬أحيانا،‭ ‬أملا‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬ولو‭ ‬مؤقت‭ ‬لزحف‭ ‬الكارثة‭.‬
هكذا‭ ‬تبدو‭ ‬لي‭ ‬تجربة‭ ‬خيري،‭ ‬وهي‭ ‬تضيء‭ ‬بلهبها‭ ‬الخاص‭ ‬سماءَ‭ ‬القول‭ ‬والكشف‭ ‬والمساءلة،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬بؤس‭ ‬أي‭ ‬التزام‭ ‬تعاقدي،‭ ‬يجبر‭ ‬الكاتب‭ ‬على‭ ‬تحرير‭ ‬مقالاته،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬بالنسبة‭ ‬لجيوش‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬الممارسة‭ ‬لهذه‭ ‬‮«‬الوظيفة‮»‬‭ ‬بصيغة‭ ‬آلية‭ ‬أو‭ ‬تكاد،‭ ‬لا‭ ‬أثر‭ ‬فيها‭ ‬لأي‭ ‬مكابدة‭ ‬ثقافية،‭ ‬ولا‭ ‬حضور‭ ‬فيها‭ ‬لأي‭ ‬قلق‭ ‬معرفي،‭ ‬وممعنة‭ ‬في‭ ‬تلطيخ‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬منابرنا‭ ‬الإعلامية‭ ‬المكتوبة‭ ‬والمسموعة‭ .‬
وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬عزوفي‭ ‬شبه‭ ‬التام‭ ‬عن‭ ‬قراءة‭ ‬المقالات‭ ‬المكتوبة‭ ‬بضمير‭ ‬المتكلم،‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬أجد‭ ‬نفسي‭ ‬للتو‭ ‬متصالحا‭ ‬معها،‭ ‬حينما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بتجربة‭ ‬خيري‭. ‬إنها‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬التجارب‭ ‬القليلة‭ ‬والنادرة،‭ ‬التي‭ ‬تجدد‭ ‬ثقتي‭ ‬بإمكانية‭ ‬الإنصات‭ ‬إلى‭ ‬بوح‭ ‬هذا‭ ‬الضمير‭. ‬ضمير‭ ‬خيري‭ ‬منصور‭ ‬الحي‭ ‬اليقظ‭ ‬والمرهف،‭ ‬العميق‭ ‬والخبير‭ ‬بأهوال‭ ‬السفر‭ ‬في‭ ‬جغرافيات‭ ‬هذه‭ ‬العروبة‭ ‬الملدوغة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬كافة‭ ‬السَّحليات‭ ‬السامة‭ ‬والموبوءة‭. ‬كما‭ ‬إنه‭ ‬الضمير‭ ‬المتمرس‭ ‬بمحاورة‭ ‬النصوص‭ ‬الكونية،‭ ‬التي‭ ‬تتشكل‭ ‬منها‭ ‬وبها‭ ‬الهوية‭ ‬الإنسانية‭ ‬وذاكرتها‭. ‬وأيضا‭ ‬ضمير‭ ‬المتكلم‭ ‬المتبرئ‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الادعاءات،‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬الذوات‭ ‬المريضة‭ ‬عبثا‭ ‬إقناعنا‭ ‬بها‭. ‬فحيث‭ ‬يهيمن‭ ‬الخواء‭ ‬المعرفي،‭ ‬وحيث‭ ‬يستبد‭ ‬العي‭ ‬ببياض‭ ‬الصفحة،‭ ‬تحتمي‭ ‬هذه‭ ‬الذوات‭ ‬الجوفاء،‭ ‬بضمير‭ ‬المتكلم‭ ‬كي‭ ‬تستدرجك‭ ‬للإنصات‭ ‬إليها،‭ ‬بذريعة‭ ‬واقعيةِ‭ ‬وصدقِ‭ ‬ما‭ ‬تهذي‭ ‬به‭ ‬وتلفقه‭ ‬من‭ ‬أوهام‭ ‬وأراجيف‭. ‬
غير‭ ‬أنك‭ ‬وفي‭ ‬حضرة‭ ‬خيري،‭ ‬سوف‭ ‬تطمئن‭ ‬إلى‭ ‬حضور‭ ‬ذلك‭ ‬الامتلاء‭ ‬الإنساني‭ ‬والفكري‭ ‬الباذخ‭ ‬لضميرٍ‭ ‬متكلمٍ‭ ‬يحترم‭ ‬القارئ،‭ ‬ويقوده‭ ‬بروح‭ ‬عقلانية‭ ‬رصينة‭ ‬وعالمة،‭ ‬إلى‭ ‬أرخبيلات‭ ‬معرفية‭ ‬وجمالية‭ ‬جديرة‭ ‬بالمعايشة‭ ‬والاستكشاف،‭ ‬تتحول‭ ‬الذات‭ ‬الكاتبة‭ ‬معها‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬وسيط‭ ‬أنيق،‭ ‬يصل‭ ‬بين‭ ‬الكاتب‭ ‬والقارئ،‭ ‬كي‭ ‬يساعده‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬المسالك‭ ‬وتعبيدها،‭ ‬باتجاه،‭ ‬فكرةٍ،‭ ‬حدثٍ‭ ‬أو‭ ‬قول،‭ ‬عودتنا‭ ‬منتزهاتُ‭ ‬خيري‭ ‬وأرخبيلاتُه‭ ‬الجمالية،‭ ‬على‭ ‬تقديمه‭ ‬لنا‭ ‬بلغة‭ ‬قوامها‭ ‬الخفة‭ ‬والدقة،‭ ‬المضيئة‭ ‬بشعرية‭ ‬تجيد‭ ‬تكليم‭ ‬العقل،‭ ‬قدر‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تكليم‭ ‬الروح‭ . ‬
أخلص‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الإيماءات‭ ‬المختصرة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الكتابة‭ ‬اليومية‭ ‬أو‭ ‬الأسبوعية‭ ‬بالمقومات‭ ‬المشار‭ ‬إليها‭ ‬لدى‭ ‬كاتبنا‭ ‬وشاعرنا‭ ‬خيري‭ ‬منصور،‭ ‬ترقى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تتاليها‭ ‬وتسلسلها،‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬نسق‭ ‬فكري‭ ‬وجمالي‭ ‬متكامل،‭ ‬مواز‭ ‬لما‭ ‬دأب‭ ‬على‭ ‬تحبيره‭ ‬من‭ ‬مجاميع‭ ‬شعرية‭ ‬وأعمال‭ ‬نثرية‭. ‬بمعنى‭ ‬أنها‭ ‬امتداد‭ ‬طبيعي‭ ‬وموضوعي‭ ‬لمشروعه‭ ‬الإبداعي‭ ‬والنظري،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يشتغل‭ ‬عليه،‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬التفاني‭ ‬والصبر‭ ‬والمسؤولية،‭ ‬عبر‭ ‬إصداراته‭ ‬العديدة‭ ‬والمتنوعة‭. ‬إنه‭ ‬المشروع‭ ‬الموجه‭ ‬أساسا،‭ ‬لفضح‭ ‬الاختلالات‭ ‬المجتمعية‭ ‬بأبعادها‭ ‬المتسلطة،‭ ‬التي‭ ‬تطارد‭ ‬بعنفها‭ ‬وعدوانيتها‭ ‬إنسانية‭ ‬الكائن‭. ‬كما‭ ‬إنه‭ ‬المشروع‭ ‬المكرس‭ ‬إبداعيا‭ ‬ونظريا،‭ ‬للاحتفاء‭ ‬بأسرار‭ ‬تلك‭ ‬الأحوال‭ ‬الغامضة‭ ‬والشفيفة‭ ‬التي‭ ‬تسعفنا‭ ‬ببهائها‭ ‬العالي،‭ ‬كلما‭ ‬مال‭ ‬بنا‭ ‬دَوار‭ ‬الوقتِ‭ ‬جهةَ‭ ‬الهاوية‭. ‬فلتقر‭ ‬عينا‭ ‬إذن،‭ ‬أيها‭ ‬الجميل‭ ‬النائم،‭ ‬وأنت‭ ‬محفوف‭ ‬هكذا‭ ‬بكلماتك‭ ‬المشعة‭ ‬بأنوارها‭ ‬في‭ ‬ظلمة‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬العربي‭. ‬
‭——-‬
٭‭ ‬عنوان‭ ‬المقالة،‭ ‬مستوحى‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬شعرية‭ ‬للراحل‭ ‬خيري‭ ‬منصور،‭ ‬تحمل‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬مراثي‭ ‬للنائم‭ ‬الجميل‮»‬

٭‭ ‬شاعر‭ ‬وكاتب‭ ‬من‭ ‬المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية