من الخطأ الشديد التفكير أن اليمين لا يعرف ما هي الديمقراطية: ليس هناك من يفهم ذلك أفضل منه، وليس هناك من يعمل بجد كبير أكثر من أجل دفنها إلى الأبد. هذا معنى الثورة المحافظة التي تدور الآن في إسرائيل، حيث قانون القومية هو فصل رئيسي فيها.
في بلاد أخرى مثل ألمانيا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين شكلت مدرسة الثورة المحافظة مرحلة مسبقة لصعود النازية. في وفي فرنسا أيضًا أعدت الأيديولوجيا القومية المتطرفة والعنصرية الأرض في تلك الفترة أمام الفاشية وقوانين العنصرية للعام 1940. علينا الأمل في إسرائيل أن لا نصل إلى خراب من هذا النوع. محظور أن ننسى ما حدث في القرن العشرين عندما ننظر إلى الخطوات التدميرية التي تمر الآن علينا، لأن هذا منزلق خطر يصعب التوقف فيه.
الدفاع عن حقوق الإنسان العالمية لم يكن في أي يوم مهمة سهلة، لكن في إسرائيل اليوم بقي الذراع القضائي فقط كحاجز أخير ووحيد أمام نظام نصف ديمقراطي مثلما في هنغاريا وبولندا.
السعي إلى تصفية هذا العائق بهدف واضح هو تقليص صلاحيات الاشراف والمنع لحدها الأدنى للسلطة القضائية، يسمى عندنا سعي إلى «الحاكمية». ولكن هذه الصلاحيات هي القلب النابض للديمقراطية الليبرالية، التي هي الديمقراطية الوحيدة القائمة.
إضافة إلى ذلك، فإن القضاء كما هو معروف ليس مجالامحايدًا ومتحررًا من القيم أكثر من الفلسفة أو التاريخ: كل المسألة هي ما هي القيم التي يتبناها القضاة. في القرن الماضي كان هناك قضاة اعتقدوا أنه لا يجب تقييد حقوق طفل ابن عشر سنوات في العمل في منجم للفحم. كان هناك قضاة فاشيون، وآخرون نازيون، جميعهم مثقفون وجميعهم وطنيون مخلصون لقوانين بلادهم. لولا القضاة الليبراليون في المحكمة العليا في الولايات المتحدة لكان الأولاد السود في الاباما والمسيسيبي حتى الآن يتعلمون في مدارس منفصلة ومتدنية.
الوضع عندنا لا يختلف؛ فمن أراد أن يقود هيمنة يهودية وطنية متطرفة ـ اثنية في إسرائيل اهتم بسن قانون القومية، وفي موازاة ذلك اهتم بتغيير تركيبة المحكمة العليا. إذا ما استمر هذا التوجه فلن يبقى من الديمقراطية سوى القشرة: سيكون هناك انتخابات مهمتها تخليد الحكم القائم، لأنه من الواضح للعيان أنه إذا كانت الغالبية الحالية ستتحول إلى أقلية والأغلبية الجديدة للوسط ـ يسار ستقرر إنهاء الاحتلال فستواجه بالتمرد.
إن صوت التهديد بـ «حرب أهلية» مرفوع دائمًا فوق صناديق الاقتراع وهو يشل اليسار. هذه هي طريق اليمين لتثبيت قوته: هو يقبل بالحسم الديمقراطي طالما أن هذا يتوافق مع أيديولوجيته. عندما ظهر بأن حكومة رابين ستنهي الحرب مع الفلسطينيين، أعلن اليمين عن ثورة، وبنيامين نتنياهو ظهر على الشرفة في ميدان صهيون وكان مشرفًا على إعلان رابين وهو يلبس زي الـ اس.اس.
القتل ترجم الإعلان إلى فعل، والثورة نجحت. ومن أجل الدقة، فإن الخوف من انتفاضة اليمين شلت اليسار حتى قبل عملية القتل، عندما لم يتجرأ على إخلاء المستوطنات المعزولة أو أن يخلي من الخليل من يؤيدون باروخ غولدشتاين.
لذلك، من الوهم أن نفكر في إمكانية إخضاع اليمين عن طريق الاقتراب من مواقفه، فالجمهور يقدر المواقف القاطعة، الشجاعة والتصميم، وليس التباكي كما يفعل آفي غباي ويئير لبيد. من ليس لديه ثقة بالنفس من أجل الإعلان بأن هدف الانتخابات هو أيضًا الدفاع عن الحرية والمساواة وكذلك إنهاء الاحتلال، فمن الأفضل أن لا يضع نفسه في الامتحان.
زئيف شترنهل
هآرتس 28/9/2018